المسرح والحرية كيف يكونان على علاقة سوية, تتيح للابداع ان يعبر عن نفسه بأبهى صوره, وتحفظ للمسرح رصانته وموضوعيته في طرح المسائل الشائكة؟ ربما يكون سؤالاً مطروحاً على الدوام وفي كل حين لكن الاجابة عليه تظل عرضة للظروف المكانية والزمانية. في هذا المحور المخصص للحوار حول الحرية والمسرح تحدثنا مع اثنين من المسرحيين العرب الشباب اللذين بدآ يدخلان تجاربه بقوة بعد اعمالهما المتميزة في بلديهما او عبر المشاركات في المهرجانات العربية وفي الوقت نفسه فإنهما يدرسان اسس التربية المسرحية في المعاهد والكليات المتخصصة. فكيف ينظر هذا الجيل الى هذا المفهوم وسط هذا التراكم الكمي النوعي من المفاهيم التي بدأت تسود المصطلحات المسرحية ومن ثم كيف يواجهون تفعيل حركة المسرح بمعرفية وحذاقة بصرية وفكرية؟ فيما يأتي حواران مع المخرجين السوري فايز قزق والعراقي محمود ابو العباس حول هذا الموضوع. البداية كانت مع المخرج قزق الذي قال: مع انه سؤال سريع فإن جوابي سيكون ايضاً مختصراً وسريعاً وعلى ذلك أقول انه بدون حرية لا يوجد تعبير مسرحي حقيقي تماماً مثل الانسان في الحياة الذي تقيده بسلاسل فيصبح معدوم الوجود ومن ثم تطلب منه ان يكون منتجاً وفاعلاً في الحياة وصاحب خيال وقيمة وكلمة ومواقف صادة للعوامل السلبية ان يكون ببساطة منتجاً فالمسرح بدون حرية انسان مقيد الى جدار ضخم المسألة هي التالية يولد المسرح مع الحرية وتولد الحرية حقيقية في قلب المسرح في لحظة الظرف الممتاز اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً واخلاقياً الى آخره واذا كنا نفكر بتأسيس مسرح علينا ان نبني المناخ والاجواء لولادة هذا المسرح بشكل طبيعي وتلقائي بدون أن نؤسس له وعبارة عن رحم مصطنع بولادة قيصرية وجنين غير مرتب شكلياً. والشعر والرواية والفن التشكيلي والفعاليات الاقتصادية والسياسية ترتبط بعضها ببعض لتشكل في النهاية الاجواء المناسبة للمسرح وحينما نتطرق الى الفنون ذات الصيغة الجماعية, فوراً تتنصل المؤسسات المعنية في مهماتها التاريخية لاعتقادها ان الفنون ذات لغة تعبيرية خطيرة قد تدعو للثورة. * وهل هذا المصطلح حقيقي؟ ــ نعم الفن يدعو للثورة لكن في ذهن المشاهد لرفع ادائه الانساني والحضاري ليس الا.. لا الى تخريب المكان. * اذن فالمسرح حينما انطلق نشأ في بيئة ديمقراطية لذلك فإنه تزاوج مع الحرية منذ عهوده القديمة تغذيه ويغذيها؟ ــ نعم.. اذا تكلمنا في اليونان فالمسرح نشأ في الحضارة المدنية في مدينة اثينا فهو لم يتواجد في اسبرطة العسكرية التي كانت تعج بالاسلحة والحروب, اما اثينا فكانت فيها اجواء الحس الاحتفالي والطقس الشاعري والاحساس بالجمال والنحت والنظريات المختلفة لفلاسفة الاغريق الاوائل سقراط وارسطو وافلاطون وفيثاغورس الذين قدموا للعالم الفكر والفلسفة وظلوا حتى يومنا هذا مصادر للبحث والسؤال اذاً في هذا الجو نشأ احتفال المسرح الذي جاء من منطلق ديني شاعري انساني برمته, لذا فالمسرح يحتاج الى الحرية وعندما يتلقف الفنان الحقيقي هذه الحرية عليه ان يفعل كل ما من شأنه للاحتفاظ بها وتطويرها وجعلها نوعاً من انواع الجينات الفكرية والوجدانية التي تورث للاجيال القادمة والتي تكون معها قادرة على التطوير. * وهل أوجد المسرح الاقنعة للتخلص من مراقبة السلطة؟ ــ لا اعتقد, لأن قضية القناع بمعناه المادي والدلالي لا يمكن على الاطلاق استخدامه بالمسرح بهذه الفكرة فالفنان عليه ان يكون شخصاً واضحاً وقاطعاً وشجاعاً لتقديم رأيه واقتراحه فلا أعتقد ان القناع بمعناه المادي والمعنوي كان يقصد به اخفاء ملامح افكاره. * والشكسبيريات من ساحرات واشباح؟ ــ شكسبير مطلق لم يفكر مثلي ومثلك بهذا التعقيد الفكري في الطرح نعم انا اذهب معك لأننا مضطرون ومضغوطون وفي ظرف صعب وبالتركيبة التي يريدونها فشكسبير روى حكاية لشعبه ذهب الى كتب تاريخية وبدأ استلهام بعض الحكايات وان اصبح اليوم ما كتبه شكسبير دلالات او استطعت ان تكتشف دلالة جديدة قدمتها بشكل جديد وممتع. * المخرج العربي هل يمتلك الآن حريته في المسرح؟ ــ وهل يمكن ان يكون هناك مخرجون عرب لا يتجاوز عددهم اصابع اليد يلبون طموح وآمال وازمة (280) مليون انسان عربي والتعبير عنه؟ أما الفنان المسرحي محمود ابو العباس فاستهل رده على سؤالنا عن العلاقة بين المسرح والحرية بالقول: حرية المسرح مرتبطة بطبيعة تكوينه بالاول حيث اولاً وجد وتأسس في الهواء الطلق وهو بمدلوله الفائض المكان الاكثر اتساعاً لرئة الانسان اذن فالمسرح يتنفس الحرية منذ البدايات الاولى غير ان الشروط المدنية والدينية كانت تحد من هذه الحرية كثيراً ومعلوم ان المسرح كان قد تأسس على مفاهيم تقترب كثيراً من المفاهيم التقليدية الضيقة المقيدة للفكر بدليل استخدام الميثيولوجيا اليونانية في السابق ضمن واقع محدود له علاقة على اقل تقدير بموضوعات بسيطة لا تأتي الى الإله او الملك بشيء ولكن في بعض البلدان وفي الفترة الشكسبيرية التي كانت اكثر حرية بالرغم من عصر اليونان ظهر الكاتب الكوميدي المشهور الذي كان يسخر من علية القوم وارتبطت عملية التحدث بحرية على المسرح الكوميدي حتى يوربيدس اجرى بعض التعديلات وهي محاولة نحو تحديث المواجهة في المسرح بحرية لكن اكثر ما اجده من خلال قراءتي في المسرح وجدت ان شكسبير اكثر الكتاب الذي يتنفس الحرية بعمق شديد قد يكون سببه الانفتاح الديمقراطي لكن هل كان شكسبير يكتب عن الكنيسة هذا ما لا أعتقده لذلك فالمسرح يشترط ان يوفر كعنصر اساسي للانطلاق وهو ايضاً يعلم الحرية وان يكون منبراً لها. في العصور الحديثة المسرح لا يزال يتحرك بخجل لملامسة بعض الامور البسيطة لواقع الانسان والتي يتناولها بعض الكتاب والمخرجين على انها قضية يمكن ان تكون جزءاً من ممارسة الحرية والديمقراطية في المسرح واحياناً كثيرة نجد بأن الحرية تنجر لصالح نظام معين في اعطاء الحرية لبعض الفنانين بأن يقولوا ما يشاؤون اي انها ديمقراطية المكان اذن فالتجربة يجب ان تمتلك مقومات يجب ان يتوفر لها المناخ الديمقراطي ويجب ألا تنحصر بالمسرح فقط بل في كافة وسائل التعبير. * والمسرح العربي؟ ــ لا يزال المسرح اسيراً ومقيداً لأسباب عديدة.. فالمسرحيات هنا تنقسم الى ثلاثة حيث ان بعضهم ذهب للتاريخ محاولاً اسقاط التاريخ على الواقع المعاصر وبعضهم الآخر من فئة تكاد تكون ذات علاقة بالتجربة العالمية التي لا يستوعبها مشاهدنا البسيط وتفوت عليه نصيبه من الحرية وثمة فريق ثالث ذهب الى الكوميديا ليقول ويسفه ما يقول.. اخيراً يجب ان تعطى الحرية ليس كمنثور سري على المسرح انما على اساس الاتفاق المبدئي بين القائمين والناس العاملين.