الجزائر ــ (البيان): ليس من اليسير ان يسير المرء بنجاح في بلدية في العاصمة الجزائرية لأنها الهيئة المباشرة مع المواطن الذي يعاني مشاكل كثيرة ولدتها الأزمة السياسية والاقتصادية التي عصفت بالبلاد منذ مطلع التسعينيات, والأمر يزداد صعوبة إذا تعلق الأمر ببلدية من حجم بلدية القبة إحدى أعرق بلديات الجزائر العاصمة وأهمها, ويتجاوز عدد سكانها اليوم حدود 120 ألف ساكن ينتشرون على مساحة 16 ألف متر مربع ويشكل الشباب نسبة 60% من مجموع سكانها. فضلا عن وجود كل التيارات السياسية الفاعلة في الجزائر داخل المجلس البلدي. لكن فوزية بن سحنون, وهي من حزب التجمع الوطني الديمقراطي, التي تولت مهام رئاسة البلدية عقب انتخاب الرئيس السابق مؤخرا عضوا في مجلس الأمة,عرفت كيف تتعامل مع كل هذه الخصوصيات, وتعطي نموذجا متفردا عن قدرة المرأة الجزائرية على أداء الأدوار والمهمات الصعبة مثلما يتضح من هذا الحديث الذي خصت به (البيان). * هل كانت المناصب السياسية والقيادية ضمن طموحاتك أم أن الأمر من صنع الظروف؟ ــ في الحقيقة لم تكن لي طموحات سياسية محددة, لكنني دخلت معترك مناصرة الحق والنضال من أجله مبكراً. ولا سيما في الجامعة حيث انخرطت في الاتحادات الطلابية, كما أنني عضو في اتحاد الشبيبة الجزائرية, وكنت أقول بحماس الشباب انه لو وصلت الى الحكم والمسئولية يوما سأغير أشياء كثيرة. ولم يكن هدفي هو المسئولية بحد ذاتها بل هدفي هو تحقيق الخير للناس. وكانت نصيحتي لزملائي الطلاب في الاتحاد أنه علينا أداء واجباتنا على أكمل وجه قبل المطالبة بالحقوق. * وكيف كان شعورك وأنت تعتلين كرسي القيادية بعد سنوات من النضال؟ ــ لقد تقلدت المسئولية عام 1997 كرئيسة المندوبية التنفيذية وهو المنصب الذي جاء ليخلف رئيس البلدية في انتظار إجراء الانتخابات, وكنت في الحقيقة متهيبة من المنصب لأنني شعرت بثقل المسئولية حيث صرت في مكان المسئول الذي كنا نناضل ونطالبه بالعدالة والمساواة لكني قررت أن أتولى المسئولية بشجاعة. وما أفادني هو انني التحقت بعد تخرجي عام 1995 بهيئة التنسيقية بين الأحياء وانتخبت منسقة عامة لها فيما بعد, وكنا نتنقل من بيت الى أخر ونستمع الى مشاكل الناس وانشغالاتهم, وقد ساعدني بعدما صرت مسئولة على معرفة أهم المشاكل التي تقلق المواطن, ومعرفة الداء هو نصف الحل.لكن الصعوبة كانت في انقطاع الثقة بين المواطن والإدارة بعد السنوات المريرة التي مر بها الشعب الجزائري, وكنا نعمل على استعادة الثقة الغائبة وتطلب منها ذلك جهودا كبيرة. وهل لازمك التخوف وأنت تتولين هذه المرة قيادة المجلس الشعبي البلدي؟ ــ نعم لازمني الخوف,وكنت أذكر دوما المطالب التي كنا ننادي بها, وأحيانا يحب المسئول أن يوفر مطالب الشعب لكن الإمكانيات لا تتوفر له, وفي مثل هذه الحال عليه أن يتميز بالصراحة ولا يعطي وعودا كاذبة لا يمكن تحقيقها فيفقد الجميع الثقة فيه. والجميع يعرفون انني امتاز بالصراحة وهي وسيلة تعاملي مع الغير. المرأة والحياة العامة * هل ترين أن المواطن يشعر بالفرق بين أن يكون رئيس البلدية رجلا أو أن تتولى المنصب امرأة؟ ــ هناك خصوصية في ان ترأس المرأة الهيئات والمجالس فهي تخاف وتشعر بثقل المسئولية اكثر من الرجل فضلا على أنها تمتاز بالحنان, وهذا يؤهلها في نظري للتسيير الأحسن, لكن العبرة ليست في الجنس بل في الشخصية ذاتها وما يقدم كل فرد, وأنا دائما أقول في المجلس وفي غيره من اللقاءات أنه لا فرق بين رجل وامرأة إلا بالتقوى والعمل النافع. * دخلت المرأة الجزائرية الأحزاب السياسية واعتلت مناصب إدارية ومسئوليات سامية في الدولة, فهل أنت مقتنعة بوجودها في الحياة العامة بالجزائر؟. ــ هناك أحزاب أعطت فعلا فرصة للمرأة, وهناك أحزاب أخرى لا تعنيها المرأة إلا يوم الانتخابات, فالمرأة كانت جنبا الى جنب مع الرجل خلال الثورة الجزائرية وهي اليوم الى جانبه في المدرسة فلماذا لا تكون لها نفس الفرص في المناصب والمسئوليات؟. * لكن المرأة في الجزائر حصلت على حقائب وزارية ومناصب مسئولية في كل أجهزة الدولة, ويكفي القول ان ضمن قائمة السفراء الجدد هناك أربع نساء. ألا يكفي هذا؟ ــ مشاركة المرأة سياسيا تبقى ناقصة, فالحكومة حاليا لا توجد فيها امرأة واحدة, وأرى أن إعطاءها أربع سفارات يأتي من باب التعويض عما فات المرأة في الوزارات, وهذا غير مرض, فالمرأة الجزائرية غير عاجزة عن أداء أية مهمة توكل إليها, لكن علينا أن نختار دوما الإنسان الكفء والمناسب للمنصب بغض النظر عن الجنس أو الانتماء. * وكيف تنظرين الى واقع المرأة العربية اليوم؟ ــ أرى أن وضع المرأة الجزائرية أحسن مما هو عليه في كثير من البلدان العربية, لكن المرأة الجزائرية هي التي حققت بتضحياتها هذا الموقع سواء بالمساهمة في الحياة العامة حاليا أو بنضالها أيام الاحتلال الفرنسي.ويكفي القول أن المرأة الجزائرية دفعت ثمنا غاليا على مذبح الحرية, ونذكر هنا حسيبة بن بوعلي وجميلة بوحيرد ولالة نسومر والقائمة طويلة. وفي المقابل هناك وضع جد مريح للمرأة العربية في بلدان أخرى مثلما هو الحال في دول الخليج,حيث تكفل كرامة المرأة وتتحقق إنسانيتها. * هل هناك قنوات اتصال بين المرأة الجزائرية ومثيلاتها في البلدان العربية؟ وكيف تنظرين الى هذه المسألة؟ ــ من المفروض أن يكون الاتصال أكثر فعالية بين النساء العربيات من خلال الاتحادات والهيئات النسوية في وقت صار العالم مجرد قرية صغيرة إعلاميا,لكن هذا التواصل شبه غائب رغم أهميته, وهناك اتصالات فقط مع المرأة الغربية أو الأوروبية وهو اتصال عديم الجدوى في نظري للاختلافات الفكرية والعقائدية بين المرأة الجزائرية والمرأة الأوروبية.وأحس أن التعاون والتكامل يكون بين النساء العربيات وليس بيننا والنساء الأوروبيات. * لكن هناك نساء جزائريات يفضلن التعاون مع النساء الأوربيات بدعوى الحضارة والمدنية؟ ــ ماذا يمكن ان نأخذ من المرأة الأوروبية؟ نحن لنا خصوصياتنا كنساء عربيات مسلمات, كل ما يمكن أن نأخذه من أوروبا هو التكنولوجيا والعلم الذي لا يعترف بالجنسية والحدود أما ما دون ذلك فلكل مميزاته الحضارية, ومن تخلى عن ذلك تخلى عن شخصيته وهويته وصار بلا لون ولا اتجاه.وماذا ينقص المرأة الجزائرية اليوم حتى تأخذ عن المرأة الأوروبية؟ فهي تتعلم في كل الاختصاصات وتنال كل الشهادات وتتقلد كل المناصب وتمارس كل الأعمال مثل الرجل حتى تلك الأعمال التي كانت تبدو حكرا على الرجال مثل الطيران والجيش والشرطة وغير ذلك. * ومع هذا هناك نساء جزائريات ينادين بتغيير قانون الأسرة الجزائري الذي يستند الى الشريعة الإسلامية. ما ردك؟ ــ أنا ضد التعديل الذي يمس جوهر هذا القانون, فالمرأة الجزائرية مسلمة,ولها جذورها الحضارية, فلماذا احتاج الى قانون يشبه قانون الأسرة الأوروبية بحجة التحضر؟. المرأة الريفية * كثيرا ما يعود الحديث عن حقوق المرأة الريفية فهل أفادت الجمعيات النسوية المرأة الريفية الجزائرية حقا؟ ــ أنا ضد النضال في المناسبات ثم السكوت خلال العام كله, أنا مع النضال العادل والحقيقي, وحينما يكون النضال من اجل هدف نبيل يحقق ثماره, والمرأة الريفية مازالت تعاني مشاكل كثيرة الى اليوم مثل عدم إيصال الماء الى البيت وغياب الكهرباء, والبعد عن المدرسة وهو ما يقصيها من التعلم, لكن هذه المشاكل لا تعني المرأة وحدها بل تعني الرجل الريفي أيضا وحينما يتم إصلاح مثل هذه النقائص وهو ما يتطلب إمكانيات كبيرة فإن الرجل والمرأة في الريف يستفيدان على حد سواء. * أنت ربة بيت و في منصب مسئولية يتطلب وقتا وجهدا كبيرين فكيف توفقين بين الواجبات العائلية والمهنية؟ ــ أنا لم أتخل عن واجباتي العائلية منذ تقلدي لمنصب رئيسة المجلس,ولن أفعل بحول الله, والتوفيق بين المهمتين يتطلب تنظيما جيدا وهو ما افعله وأنا أتحمل مسئولياتي كاملة.وأقوم بواجباتي المنزلية ككل امرأة جزائرية أي أحضر الطعام وأغسل وأعتني ببيتي وزوجي ولا أقبل ان تكون لي خادمة, وفي المناسبات مثل رمضان والأعياد أحضر الطعام ككل ست بيت, وأحضر الحلويات وأقوم بواجباتي العائلية بغض النظر عن المنصب. ففي البيت أنا ربة بيت فقط, وامرأة عادية ألبس اللباس التقليدي الجزائري وأعمل الأعمال التي وجدت أمي وجدتي تقومان بها. ولا أسمح لأحد أن يأتي ليطرح مشاكله في بيتي لأن المكان المناسب لذلك هو البلدية. * وهل يعاملك زوجك معاملة خاصة بعد توليك المسئولية؟ وهل يؤيد فكرة مواصلة طموحاتك السياسية؟ ــ أولا زوجي من خارج الوسط السياسي والمناصب القيادية, ويهمه نجاحي, لكنه يحذرني كل مرة من تبعات المنصب ويحرص على أن أقوم بواجباتي دون أخطاء, أما حياتنا فمستمرة على النمط القديم وليس هناك أي تغيير. * وما هي المحطة المقبلة؟ ــ سأترشح للبرلمان, لأنني أرى فيه الهيئة التي يمكن أن أساهم من خلالها في سن قوانين ترفع الغبن عن المواطن عموما وعن المرأة بصفة خاصة. * وما هي نظرتك تجاه الرجل الشرقي والرجل الجزائري؟. ــ أنا لا أعرف الرجل الشرقي عن قرب لأحكم عليه لكن من خلال الأفلام والتلفزيون عموما يبدو أكثر ليونة من الرجل الجزائري, ففي الرجل الجزائري رهبة وشهامة وأنا فخورة بهذه الميزة. * بعيدا عن العمل ما هي هواياتك؟ ــ أولا شغل البيت, فأنا قبل كل شيء امرأة وتهمني الأشغال النسوية, ثم الاستماع للأغاني العربية ومطربتي المفضلة هي ماجدة الرومي, والشغل لم يترك لي مجالا للقراءة كما في السابق وأكتفي في الغالب بمطالعة الصحف والمجلات. لكن الصحافة الغربية عملت على تشويه الحقائق في الجزائر, وتصور الحياة في بلادي وكأنها جحيم مع ان الواقع غير ذلك لذا حينما يأتي الأشقاء العرب إلينا يتعجبون لأنهم يجدون الحياة عادية تماما فالطلبة في المدارس والعمال في المصانع والحياة مستمرة. وأكتفي في الغالب بقراءة الصحافة الجزائرية لأنها أكثر مصداقية. حقوق الإنسان * وما قولك عن تقرير المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان التي وصفت الأوضاع بالجزائر بالمأسوية وتحدثت عن استغلال النساء؟ ــ هذه قنوات أخرى يستعملها الغرب لتشويه صورتنا قصد تحقيق أغراض مبيتة.فالمرأة الجزائرية تقوم بواجبها تجاه وطنها وتساهم في حركة التنمية فهل هذا استغلال؟ ربما هذه المنظمات هي التي تستغل نساء نصف جزائريات من أمهات أوروبيات لتشويه صورة المرأة الجزائرية. * بصراحة ما سر نجاح المجلس البلدي للقبة الذي ترأسينه رغم وجود معظم التيارات السياسية داخله؟ ــ مجلسنا يضم كل الأحزاب السياسية الفاعلة في الجزائر من التجمع الوطني الديمقراطي وجبهة التحرير ومجتمع السلم وجبهة القوى الاشتراكية والتجمع من اجل الثقافة والديمقراطية, ومع ذلك هناك وفاق ووئام داخل المجلس, وأعتقد أن هذا الاستقرار لا يعود الى كون امرأة ترأس المجلس لأنه كان على ما يرام حتى في عهد صديق شهاب الذي انتخب عضوا في مجلس الأمة, والسر كله في العلاقة الإنسانية الموجودة بين الأعضاء. فنحن نشعر وكأننا أسرة واحدة نخدم من اجل هدف واحد, وأحدثنا علاقات عائلية متينة بيننا وصرنا نتزاور في المناسبات والأعياد, وهو ما خلق جو التفاهم والود وساعدنا على العمل المثمر. ويمكن أخذ هذا دليلا على إمكانية تطبيق الديمقراطية في الجزائرية التي دفعنا ثمنا غاليا من اجلها. * كلمتك للمرأة العربية بمناسبة الثامن من مارس؟ ــ أهنئ المرأة العربية بعيدها, وأهنئها أيضا بالمكاسب التي حققتها ميدانيا, كما أدعوها الى التواصل بين النساء والهيئات النسوية العربية, لأن المرأة الأوروبية لا تمثلنا ولا يمكن أن نستفيد من تجربتها, فقيمنا الحضارية وحدها هي التي يمكن أن نبني على ضوئها مستقبلا واعدا للمرأة العربية وبالتالي المجتمع العربي.