صدر عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة أول موسوعة شاملة ومتكاملة عن العمارة والفنون والآثار الإسلامية للدكتور حسن الباشا أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة, في خمسة أجزاء وأكثر من 2700 صفحة, وتشتمل الموسوعة على مئتي بحث باللغة العربية وخمسين بحثا باللغة الإنجليزية مرتبة موضوعيا وزمنيا فضلا عن كشافات عربية وإنجليزية مرتبة هجائيا بالإضافة إلى حوالي 1850 لوحة تعد دراسة مصورة للآثار الإسلامية منذ نشأتها وحتى اليوم بعضها بالألوان وبعضها بدون ألوان مثل الخرائط والأصول المعمارية, ورتبت الصور أيضا ترتيبا موضوعيا وزمنيا لأنها تفيد الباحث في التعرف على تاريخ العمارة والآثار والفنون الإسلامية. وتتناول الموسوعة موضوعات عديدة فهي تبدأ بدراسات موسعة عن المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى وتتضمن بحوثا عن الفنون الإسلامية منها الفن الإسلامي ومدى انتشاره وأصوله وتأثير القرآن الكريم في الزخرفة الإسلامية, وتناولت أيضا عن العمارة والفنون الزخرفية والتطبيقية والفنون التشكيلية والكتابة العربية والخط القرآني وتذهيب المصاحف دوافعه وتطوره وتخطيط المدن العربية والإسلامية ومعالم الطرق في البلاد العربية والإسلامية مثل الأميال التي تحدد بعد المنطقة عن مدينة ما. وتتحدث الموسوعة عن العمارة الإسلامية حتى في الدول غير الإسلامية مثل الصين والهند وأسبانيا وغيرها سواء تعلقت بالمساجد أو البيمارستانات أو عمارات مدنية أو دينية أو متعلقة بالمساعدات الاجتماعية أو صوفية مثل الخانقاه. وفي هذا اللقاء مع الدكتور حسن الباشا نتعرف على الموسوعة وما تضمنته من موضوعات ويتطرق الحوار إلى قضايا أخرى. * كيف كانت البداية في التفكير في إصدار هذه الموسوعة؟ وما الدوافع التي جعلتكم تحرصون على إنجازها؟ ــ وجدت المكتبة العربية ــ والأوروبية أيضا ــ تخلو من عمل شامل متكامل عن العمارة والفنون والآثار الإسلامية كموسوعة ففكرت في تأليف هذه الموسوعة لتسد هذا الفراغ ويستفيد منها القارىء المتخصص والهادي والمثقف العام, وكنت ــ منذ زمن طويل ــ اكتب بحوثا مختلفة في العمارة والفنون الإسلامية والآثار الإسلامية قدمتها لمؤتمرات ونشرتها في مجالات علمية فجمعت هذه البحوث وأضفت إليها حتى تصدر الموسوعة في شكل متكامل. * ما مدى اهتمام الموسوعة بالخط العربي وتأثيره في الفنون والعمارة الإسلامية؟ ــ الموسوعة اهتمت بالفنون التشكيلية والتطبيقية مثل التصوير والنحت والزخرفة وحظي الخط العربي باهتمام أكبر فتحدثت عن نشأته وأنواعه وجمالياته وما يشتمل عليه من قيم زخرفية, وأنواع الخطوط من حيث الموضوعات كخطوط المصاحف وتطورها والخطوط الموجودة على الآثار والتحف وهكذا.. هذا بالإضافة إلى التصوير الإسلامي وصلته بالعقيدة وبالآداب وتطور المدارس وأسماء الفنانين في العصور المختلفة سواء كانوا خطاطين أو مصورين أو مهندسين وتتناول الموسوعة أيضا الصلة بين الفن والأثر نفسه والكتابات الأثرية وأسلوبها ومضمونها وعلاقتها بالفن. موسوعات * هل هناك موسوعات في العمارة والآثار والفنون الإسلامية سبقت هذه الموسوعة؟ ــ نعم هناك كتب وموسوعات سبقتني لكنها تتعلق بالإسلام وعموما وكل ما يتصل به أما هذه الموسوعة فهي رائدة لأنها تتكلم عن كل ما يتعلق بالفن الإسلامي وصلة هذا الفن بأشياء أخرى بجانب التركيز على النواحي الاجتماعية والأدبية والعقائدية المرتبطة بالفن وهذا ما لم يتناوله حتى الغربيين. * بعض علماء الآثار والمستشرقين الغربيين يزعمون أن العمارة والفنون الإسلامية لها مصادر ومنابع غير إسلامية, فما ردكم على ذلك؟ ــ الغربيون يريدون أن يقولوا أن العمارة والفنون الإسلامية نبعت من مجتمعات غير إسلامية لقد دحضت هذا الرأي وأثبت أن العمارة والفنون في المجتمعات الإسلامية مرتبطة بالعقيدة الإسلامية فأول مصدر للعمارة الإسلامية هو مسجد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ فهل من المنطقي أن يكون مسجد النبي متأثر بمصادر غير إسلامية وهو أصل العمارة الإسلامية؟ أيضا توجه المسجد نحو القبلة وهذا توجه إسلامي فعند تصميم المسجد لابد أن يكون جدار القبلة متجها نحو الكعبة وكذلك وجود المحراب والمئذنة هذه أمور لا تنبع إلا من العقيدة الإسلامية, والفن الإسلامي يقوم على ثلاثة محاور مهمة هي المسجد والقرآن (المصحف) والخط العربي فالعناية بعمارة المسجد أدت إلى المنشآت المعمارية المختلفة والعناية بأثاث المسجد من سجاد وقناديل للإضاءة وشمعدانات ومشكاوات أدت إلى ازدهار الفنون التطبيقية المختلفة والمصحف أيضا جعل المسلمين يهتمون بالخط والتجليد والتذهيب بالإضافة إلى الخط العربي الذي لعب دورا مهما في العمارة والفنون الإسلامية فلا تكاد تحفة تخلو من الخط العربي, فهل هذه المحاور غير إسلامية؟ * ما أهم مميزات الفن الإسلامي؟ ــ أهم مميزاته الإتقان والزخرفة تمسكا بحديث رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه) فالدعوة الأساسية في الإسلام إلى الإتقان, وقد تميز الفن الإسلامي بهذا الإتقان فهل يستطيع أن يزعم أحد أن الفن الإسلامي أخذ مبدأ الإتقان من حضارات أو ديانات أخرى؟ لقد أخذ الغربيون هذه الكلمة من المسلمين وأطلقوا عليها مسمى (تكنولوجيا) وترجمت إلى العربية بكلمة (تقنية) وهذا الإتقان أدى إلى النهوض بالزخرفة والتزيين ومن هنا زعم البعض أن الإسلام دين تقشف وهذا خطأ فلا رهبانية في الإسلام والقرآن يدعو الإنسان إلى أن يتزين ويتجمل (خذوا زينتكم عند كل مسجد), (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) فالفن الإسلامي فن زينة وتجميل وزخرفة وهذا منبع إسلامي وليس غير إسلامي فالله سبحانه وتعالى نسب إلى نفسه التزيين والإبداع فهو زين السماء الدنيا بمصابيح وبديع السموات والأرض وخلق الإنسان في أحسن تقويم, فالفن الإسلامي زخرفي في أساسه وهذا يقره الإسلام ويشجعه. النهضة الأوروبية * كيف ينكر الغربيون المنابع الإسلامية للفن الإسلامي ولاتزال الآثار والفنون الإسلامية والخطوط العربية في بقاع عديدة من العالم خاصة في أسبانيا التي لا تزال تزخر الكتابة العربية على المساجد التي تحولت إلى كنائس ومتاحف حتى الآن؟ ــ لقد أثبت تأثير العمارة الإسلامية في العمارة والزخرفة الأوروبية وحتى في الخط الأوروبي فالخط الكوفي كان له تأثير على الخطوط الأوروبية وكذلك كان لشكل المئذنة تأثيره في شكل الأجراس في الكاتدرائيات الأوروبية وهذا أثبته بعض الأوروبيين أنفسهم الذين أثبتوا وجود تأثيرات فنية ومعمارية إسلامية على الفن الأوروبي بل إن الفن القوطي الأوروبي أساسه العقد المدبب في الفن الإسلامي الذي أخذ عن الأقبية والقباب المروحية في الأندلس, فالتأثيرات الإسلامية موجودة حتى في المسكوكات الأوروبية, والتصوير فالفن التيموري له أثره في الفن القوطي الدولي, بل إن فن عصر النهضة الأوروبية نفسه كان متأثرا بالروح الإسلامية فبعض رواد عصر النهضة الأوروبية نشأوا في بيئات إسلامية, مثل نيقولا بيزانو الذي عاش في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الميلادي وهو رائد فن النهضة الأوروبية نشأ في بيئة إسلامية في مدينة بوليا وكانت جزءا من مملكة صقلية وهي بيئة إسلامية, والأوروبيون أنفسهم لا ينكرون أن فن النهضة تأثر بالحضارة الإسلامية خاصة من الناحية العلمية والأدبية لكنهم لم يكونوا يتناولون التأثير الفني رغم أن النهضة الأوروبية أساسها فني وقامت بفضل الفنانين الكبار مثل ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو وروفائيل سانزيو وغيرهم. طراز فني * لكن المسلمين هم الذين تأثروا الآن بالفنون والعمارة الأوروبية فما واجبنا من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية والحفاظ على التراث الإسلامي وعدم الذوبان في الوافد والدخيل؟ ــ يجب ان نسعى إلى تكوين طراز فني إسلامي يناسب العصر والحداثة فنحن في عصر التقدم التكنولوجي وهناك تكييف هواء للبيوت وهناك مبان مثل البنوك ودور المسارح والأوبرا والمعارض وهذه المباني لم تكن موجودة في الماضي وبالتالي فلابد من إيجاد فن إسلامي يناسب هذه المستحدثات والتكنولوجيا الحديثة, للأسف نحن انغمسنا إلى درجة كبيرة في تقليد الأوروبيين في العمارة والفنون لكن هناك روح جديدة تعمل على تكوين طراز إسلامي يلبي متطلبات العصر ــ فهناك الآن مدرسة إسلامية في الفن والعمارة تضم فنانين ومهندسين بل وحكومات ــ رغم انسياقها في الماضي لتقليد الغرب ــ مثل مصر في عصر الخديوي إسماعيل ــ وهذا لا يعني أن تكون عمارة تقليدية لأنه حتى في العصور الإسلامية تطور طراز المسجد فكان المسجد في الأصل عبارة عن فناء تحيط به أربعة أروقة ثم تطور إلى فناء تحيط به أربعة إيوانات كذلك تغير شكل المئذنة وفي العصر العثماني أصبح بيت الصلاة في المسجد تعلوه قبة كبيرة, فالعمارة تتطور وعندما نطالب بطراز إسلامي فهذا ليس معناه تقليد القديم كأن نقوم ببناء المساجد على الطراز الفاطمي في الجامع الأزهر لأننا بهذه الطريقة نعود إلى العصر الفاطمي أو أن أبنيتها على نمط جامع أحمد بن طولون لأن هذا يعد رجوعا إلى العصر الطولوني, إذن لابد أن تكون العمارة أو الزخرفة أو الإنتاج الفني عموما نابعا من مجتمعنا الإسلامي ويتشكل حسب إحساسنا الإسلامي على أن يكون ملائما للروح الجديدة والتطورات التكنولوجية في المنشآت الحديثة. * لعل هذه الفكرة التي ذكرتموها يؤيدها تطور العمارة الإسلامية من عصر إلى آخر مع تغير الحكم الإسلامي أليس كذلك؟ ــ هذا صحيح وعلى سبيل المثال تأثرت بعض العصور الإسلامية خاصة العصر المغولي في إيران بالصين فالصورة الإسلامية في هذا العصر أخذت ملامح صينية بسبب سيطرة العناصر الصينية والحضارة الصينية في هذا العصر إلى حد ما لكن رغم هذا التأثير ظلت العمارة ذات طابع إسلامي ثم تطورت بعد ذلك إلى الفن التيموري بأسلوب تيموري صرف. السيطرة الأوروبية * ما أهم العوامل التي أدت إلى ضعف الفن والعمارة الإسلامية وغلبة الفنون الأخرى على المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر؟ ــ الدول العربية ــ ومن بينها مصر ــ يتنازعها ماض عريق لا يزال يحتل مركزا ساميا في نفوس أبنائها وبين حاضر غربي براق يستهوي المثقفين وتحار هذه الدول بين هذا وذاك في رسم خطط مستقبلها ورسم أسس نهضتها, وللأسف التيار الغربي يسيطر على نهضتنا الفنية فقد انساق فنانونا نحو أوروبا ووقعوا تحت تأثير إنتاجها الفني ونظرياتها الفنية وقلدوا الفنانين الأوروبيين في معظم إنتاجهم وصارت أعمالهم أوروبية أكثر منها عربية إسلامية ويكاد الفنانون أن يفقدوا هويتهم العربية والإسلامية, نحن نريد للفنان أن يكون صاحب شخصية مستقلة غنيا بعواطفه وأفكاره يستوحي أعماله من خيال فني خصب ويكون فنه مرآة صادقة لمجتمعه, وشخصية الفنان متفرعة من شخصية أمته ومرتبطة بماضيها وحاضرها ومستقبلها, وقد شعر بعض المسئولين في بلادنا بالوضع الذي وصلت إليه فنوننا بسبب فقدان شخصيتنا وانسياقنا وراء التقليد الغربي فقاموا بمحاولات جريئة من أجل تحقيق استقلالنا الفني. وتكرست هذه الهيمنة أثناء الاحتلال البريطاني لكن رغم هذه الهيمنة وجد تياران أحدهما ينادي بالعودة إلى الأصل الفرعوني والآخر يدعو إلى التمسك بالتراث الإسلامي. الزخارف في المساجد * لكن من الملاحظ أنه حتى في داخل البلاد الإسلامية نفسها هناك من يعادي الفن الإسلامي ويرفض حتى زخرفة المساجد فهل ساهم ذلك في إضعاف الفن الإسلامي؟ ــ اختلف الفقهاء منذ القدم حول تزيين المساجد وزخرفتها فهناك رأي يجيز ويحلل, ورأي آخر يرى في ذلك كرامة ورأي ثالث نادر يحرم الزخرفة, فالذين يجيزون يستندون إلى حديث (لا ضرر ولا ضرار) ويرون أنه ليس هناك ضرر يجعلنا نحرم زخرفة المساجد وتجميلها طالما لا تتعارض مع تعاليم الإسلام كالزخرفة بصور كائنات حية أو بصورة خارجة عن الآداب فالمساجد تزخرف بزخارف هندسية أو بخط عربي أو بالتذهيب وقد ذهبت تيجان المسجد في عهد الخليفة عثمان بن عفان ــ رضي الله عنه ــ أما الذين يكرهون تزيين المساجد فيرون أن الزينة قد تشغل المصلي عن الصلاة. * ما مدى سماح الإسلام باستخدام الصور في الفن والمعمار الإسلامي؟ ــ طالما أن هذه الصور لا تمثل الدين أو العقيدة أو الإله أو الرسل ولا تمثل قصصا دينية مثل الإسراء والمعراج ولا تخرج عن حدود الأدب فلا بأس بها خاصة أننا الآن لا نستطيع الاستغناء عن التصوير بسبب استخداماتها المتعددة في مختلف جوانب الحياة, فحتى الذين حرموا التصوير قالوا ان الصور الفوتغرافية ليست حراما, والصور لم تغيب عن الفن الإسلامي فهي موجودة على قبة الصخرة منذ عهد عبد الملك بن مروان وفي المسجد الأموي منذ عهد الوليد بن عبد الملك, بل أن إيوان كسرى كان فيه صور ورغم ذلك صلى فيه سعد بن أبي وقاص وظلت هذه الصور موجودة حتى عصر البحتري الذي وصفها في شعره, والرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون تعاملوا في بداية الأمر بدنانير ودراهم ونقود عليها صور. والآن أصبح يقام للصور معارض في مختلف البلاد العربية والإسلامية أما الذين يرفضون استخدام الصور فهم أحرار لكن عليهم ألا يفرضوا ذلك على الناس وألا يتصوروا أن هذا هو الإسلام وأن غيرهم خارجون عن المنهج الإسلامي, والفن مثل أي شئ آخر يمكن استخدامه في الحلال وفي الحرام. كيف نستطيع التفرقة بين الآثار الإسلامية والآثار العربية التي كانت موجودة قبل الإسلام؟ وكيف نستطيع التأريخ للفن المعماري الإسلامي؟ ــ ما يميز الإسلامية خلوها من الرموز الوثنية وغير الإسلامية التي كانت موجودة في الغالب في المنتجات الفنية قبل الإسلام هذا بجانب وجود كتابات عربية وزخارف ووجود معالم إسلامية في فنون الدول العربية مثل سوريا والعراق واليمن والشام ومصر بعد الإسلام خاصة بعد خضوع هذه الدول لنفوذ الدولة الإسلامية التي تضم العديد من الشعوب الأخرى وبالتالي أصبح هناك مجال لانتقال التأثيرات الفنية من مكان إلى مكان لأن الصناع والفنانين كانوا ينتقلون من مكان إلى آخر داخل الدولة الإسلامية فعلي سبيل المثال في بناء الجامع الأموي في عهد الوليد بن عبد الملك وكذلك في إعادة بناء المسجد النبوي اشترك في البناء من أقطار مختلفة.