بعض الآباء الذين امد الله في اعمارهم ليعيشوا زماننا هذا قد اصطحبوا الينا معهم هواياتهم وحرفهم وظلوا يعضون عليها بالنواجز يمارسونها دونما شعور بالحرج او الخجل. وبالرغم من التطور المذهل الذي طرأ على جميع امور حياتنا, فإن بعض الحرف القادمة من الزمان البعيد قد حافظت على اصالتها واستطاعت ان تجد لها موطىء قدم في الساحة التجارية والاجتماعية ولعل من ابرز المواطنين الذين نجحوا في الانتقال بمهنتهم الى عصرنا الحالي, هو الوالد عبدالله خميس راشد الحبسي اشهر صناع الطبل في رأس الخيمة. جلسنا في ضيافته ساعات عديدة حسبناها دقائق معدودة وهو يحدثنا بشهية مفتوحة عن ذلك الزمان الموغل في القدم. الحبسي ولد في قرية ملحة بمنطقة البريرات الجبلية وقد كان والده يعمل اميرا لبني زيد. وبالرغم من انه تخطى الستين من العمر إلا انه حينما يشد على يدك تجزم انه من جيل الاربعين او اقل. يقول نحن قوم اشداء تربينا على المشقة والركض والسير على الاقدام والاعتماد على الطاقة الجسمانية, بينما ينعم الناس في هذا الوقت برفاهية الحياة ونعومتها الامر الذي افقدهم صلابة الجسم وقوة التحمل. العمل مبكرا منذ الصغر اتجه الوالد عبدالله الحبسي الى صناعة الطبل وساعده في ذلك عمه احمد الذي كان من اوائل محترفي المهنة في الديرة. ويوضح ان صناعة الطبل كانت تحظى بأهمية خاصة اكتسبتها من كونها وسيلة اتصال وترويح وترفيه لا بديل عنها وقتذاك. وضرب الطبل يكون حينما يستدعي الامر تجميع الناس لحضور مناسبة من قبيل الابلاغ عن الوفاه.. او الزواج والختان والجهاد والاطلاع على تعليمات الحكومة والاعياد. ويقول الطبل هو الآلة التي تبعث على الامل والفرح في نفوس النساء وهي رمز الافراح وبدونها لا يرقص الناس العيالة والرزيف وايضا لا تكتمل مناسبات الافراح. ويستطرد كان جدي يجيد مهنة صناعة الطبل وكذلك عمي وقد تعلقت انا بالمهنة منذ كان عمري 20 عاما وقد كان دافعي لذلك ايجاد مورد أعين به اسرتي في مواجهة الظروف المعيشية علما بأن ابي بالرغم من مركزه الاجتماعي وهو امير المنطقة كان فقيرا لانه لم يكن يتقاضى راتبا. تصنيع الطبل ونسأل الوالد عبدالله الحبسي عن كيفية صناعة الطبل فيوضح بأنه يتكون من جزءين اولهما الجسم وهو الاسطوانة الخشبية التي تصنع عادة من اجود انواع الخشب مثل السدرة والقرط والشريش. ونحن نأخذ جذع الشجر ونقطعه الى قطع تعادل كل منها طول الطبل الذي هو عبارة عن ذراع بفتح اليد مع عرض أصبع. ويضيف: يجب ان يكون قطر جذع الشجر يعادل ذراعا ايضا لكن بكف مضمومة وهنا لابد من البحث عن الجذع المناسب لصناعة الطبل. ويمضي قائلا ان هذه العملية المتمثلة في البحث عن جذع الشجر المناسب تكون شاقة وتستغرق وقتا لاننا محكومون بمواصفات محددة ومقاسات معينة وبدونها لا يمكن تصنيع الطبل المطلوب. ونستشف من حديث الوالد عبدالله الحبسي ان صانع الطبل هو الذي يتولى مهمة البحث عن جذع الشجر لان جسم الطبل هو الجزع الاهم منها فكلما كان مناسبا امكن تصنيع طبل يعمر طويلا ويتوارثه الابناء. والجزء الثاني الذي يتكون منه الطبل هو الجلد الذي يغطي فوهة جذع الخشب ويقول عنه انه في الغالب الاعم من الهوش (الأغنام) متوسطي العمر وفي مناطق اخرى يصنع من جلد البقر. ومن وجهة نظره فإنه لا يوجد في السوق جلد جاهز لصناعة الطبل وانما يقوم صانع الطبل بمهمة تحضيره اذ تبدأ بذبح الدابة وسلخ جلدها. ويشرح الوالد عبدالله الحبسي الطريقة التي يتم بها تصنيع جلد الطبل فيقول يتم بسط الجلد المسـلوخ ويـوضع في خليط من الملح وطحين لشجر الالقه الجبلي مع الماء لمدة يوم ونصف حينما يكون الطقس باردا ويوم واحد في وقت الحر ثم ينثر ويجفف دون يباس. ويقول الجلد في هذا الوضع يكون جاهزا للتركيب حيث نستخدم في ذلك بعض المواد وهي عبارة عن خيوط غليظة نسبيا مصنوعة من النايلون بالاضافة الى الفتلة التي تستخدم لحفر جذع الشجر والقدم والمسحل لتنعيم الخشب من الخارج. الصانع والقارع وينفي محدثنا وجود علاقة بين صانع الطبل وقارعه, مشيرا الى ان مهمة صانع الطبل تنتهي ببيع الطبل باسعار متفاوتة حسب نوعية الخشب فعلى سبيل المثال فإن الطبل المصنوع من السدر يصل سعره الى اكثر من ستة آلاف درهم. اما الطبال فهو عازف الطبل فتبدأ مهمته في الافراح والمناسبات ولا يشترط ان يكون مالكا للطبل وانما قد يستعيره من آخرين. ويتطرق الوالد الحبسي للظروف القاسية التي عاشها الآباء والاجداد في الزمان الماضي حيث ابان ان الناس رجالا ونساء كانوا يكابدون المشاق لاجل الحصول على لقمة العيش. ويضيف ولكن بالرغم من كل ذلك فإن الناس كانوا يواجهون الحياة لمصالحهم خلافا لما عليه الحال الآن حيث الحياة هي التي تفرض سيطرتها على الناس فلا يستطيعون الافلات من قبضتها. ويقول حين اجلس بمفردي وافكر في الحياة التي عشناها في الماضي واقارنها بما هي عليه الآن ارى ان الامور في السابق لم تكن سيئة ويكفي ان الانسان كان يتحرك في كل اتجاه اعتمادا على قدراته الجسمانية وهذا بالضبط ما جنبهم الكثير من الامراض الخطيرة التي نراها منتشرة في الوقت الحاضر. عائلة كبيرة وتناول الوالد الحبسي حياته الاسرية مشيرا الى انه تزوج من امرأتين انجبتا 22 بينهم 12 ذكرا وتسع اناث وتوفي ثلاثة. ويقول كانت الاسرة تحرص على الزواج المبكر سواء للاولاد او البنات وذلك حفاظا على الابناء من الانحراف وكذلك للانجاب المبكر. ويضيف قائلا: حين يقدم الشاب على الزواج يستشير والده فلا يفعل شيئا إلا بما يتفق مع رأي ابيه أو من هم اكبر منه سنا. ويوضح ان ابناء الفريج ينظرون الى كل من هم اكبر منهم سنا بأنهم أولياء امورهم وبالتالي يتقبلون نصائحهم ويسترشدون بآرائهم ولا حرج او اعتراض ان هم (اي الكبار) مدوا اياديهم لضربهم عقابا على اخطاء ارتكبوها. ويقول ارى ان هذه الصورة المثلى قد تغيرت تماما في وقتنا الحاضر حيث لا مجال البتة لتوجيه النصح لاي كائن من كان بل الادهى من ذلك ان الأب ليس بوسعه اسداء النصح لابنه بل يمكن حينما يتقدم به العمر ان يجد نفسه مقيما في دارس للمسنين. واكد ان الدولة الاتحادية لم تقصر في جهودها الهادفة لخدمة المواطنين فبعد ان كانوا يعيشون فقرا وحياة بدائية بما لكل هذه الكلمة من معنى, فها هم اليوم ينعمون برغد العيش والرفاهية في كل الخدمات من تعليم وصحة ومسكن وطرق واتصالات. ويمضي قائلا من واجبنا جميعا ان ندعو لرئيس دولتنا واخوانه حكام الامارات بالصحة والعافية وطول العمر.