نستضيف في الهامش اليومي عبر الملتقى الفكري الدكتور الفنان المسرحي السوري رياض عصمت الكاتب والمخرج والعميد الحالي لمعهد الفنون المسرحية في دمشق وليس هذا فحسب بل تجاوزت تجاربه الطليعية حدود الوطن العربي منطلقة في تجسيد أدبنا وتراثنا العربي إلى العالم. الحديث عن الحرية في المسرح له شجون في أدبيات وتجارب الفنان عصمت خاصة انه اصطدم بالمصطلح نفسه على أرض الواقع حينما كان باحثا ودارسا في بريطانيا معترفاً بكثير من الصراحة عن مجمل هموم المسرح العربي وما آلت إليه الفرجة واللغة من واقع الحال. وهاجس الدكتور لا ينقطع بل يتواصل بلغة درامية متقنة عالية, وإليكم الحوار: ـ ارتبط المسرح منذ بداياته بمفهوم الحرية, فمنذ عهد بركليس عند الاغريق كانت الحرية أساسا لمعالجة الكتاب اسخيلوس ثم سوفوكلس وبالأخص يوربيدس لموضوعات صراع الانسان مع القدر ثم صراع الانسان مع الانسان ثم اكتشافه إلى ذاته وانتقل الأمر إلى سنيكا اليوناني, ولكن الصراع مع السلطة الغاشمة امتد خاصة للمسرح أيام شكسبير والكتاب الاليزابيثيين ففي ذلك العصر أصبحت موضوعات أكثر انسانية, وكانت مسائل الاشباح كما في مسرحية ماكبث وهاملت مثلا حينما يظهر هذا الشبح والده عبارة عن محرضات من أجل الفعل الانساني بل يكاد النقاد المحدثون يجمعون ان هذه القوى الميتافيزيقية هي نتيجة تخيلات الذهن للبطل نفسه أو محاولة رمزية للدلالة على الشر المتأصل فيه أو عن صوت الضمير المنادي بالانتقام. أعتقد ان المسرح الحديث أيضاً من خلال الكتاب الواقعيين مثل أبسن وتشيخوف وسنبدبرنج. ثم عند الكاتب الأكثر مادة هو برتولد برشنت, أكد على مفهوم الحرية بطرائق متنوعة ومختلفة لكنها جميعاً نمت من خلال تحدي السائد والمألوف ومحاولة طرق ما هو جديد بالشكل والمضمون, والمفارقة التي أحب أن ألفت النظر إليها, الأرض لم تكن دائما ممهدة للحرية, فالحرية ظهرت في الأعمال الابداعية في أكثر البيئات قمعاً, مثل مسرحيات شون كنيس الكاتب الايرلندي المعروف كانت مسرحيات ثورية بكل معنى الكلمة بينما كانت تقدم المسرحيات كانت هناك تظاهرات ضدها بالشارع تصل إلى التلاكم بالأيدي, فالحرية لا تقدم على طبق من ذهب بل تنتزع انتزاعا وهذا شأن الكتاب الروس حتى في مجال الرواية مثل دستوفيسكي وتشيخوف لقد كتبوا أعظم الأعمال الابداعية في ظل القيصرية, ما أريد ان أقوله ان الأمر يتكرر في أماكن كثيرة وأزمنة كثيرة عبر تاريخ البشرية, ففي أمريكا اللاتينية حيث توجد دكتاتوريات قمعية ظهرت أعمال رائعة سواء في الأرجنتين, أو تشيلي أو غيرهما من البلدان, فكتاب مثل دراكون الذي رحل عنا إلى اريل درفان الذي هاجر بعد الانقلاب العسكري ضد الليندي وعاش في الولايات المتحدة وكان لي الشرف ان تعرفت إليه وأخرجت له مسرحية الموت والعذراء في دمشق, وهذه الأعمال جميعاً أعمال مقاومة ومتحدية ومعارضة وجريئة, سواء سمحت لها بيئتها أم أنها تجاوزت مقص الرقابة بشكل أو بآخر, أحيانا عبر الالتفات إلى بلد في أمريكا اللاتينية أو في مكان آخر وأحيانا عبر الترميز والمجاز أي المواربة في الطرح وهذا يكسبها شكلا فنيا متقدما, لكن الحرية هي مثل الماء بالنسبة للنبتة, فالمسرح لا يستطيع ان يكون بمعزل عن القضايا الساخنة والحارة بل لابد ان يتواصل معها, وكما قال برشت ذات مرة ان الكتابة عن جمال الشجرة في مكان يرزح تحت الظلم هو بمثابة جريمة. * كيف تصف العلاقة الجدلية بين حرية المسرح والحرية العامة كمفهوم انساني, أي كيف تفسر ظهور تجارب طليعية بالمسرح الغربي أكثر انفتاحا من التجارب العربية, ألا يعزا ذلك إلى استمرار عملية كم الأفواه بالمسرح العربي؟ ـ أنا لا أعتقد ان هناك حرية تعبير مطلقة حتى في الولايات المتحدة الأمريكية ولا حتى في بريطانيا فذات مرة أي قبل سنوات ظهر كاتب انجليزي اسمه جيم ألن بمسرحية اسمها الهلاك, وما كادت تقلع المسرحية في سقيفة رويل كوت حتى ضجت الدنيا فقامت ولم تقعد لأنه اعتبر انه يهاجم اليهود, وأوقف عرضها حتى في بريطانيا, معنى هذا ان الحرية مشروطة, حتى في تلك البلدان فهي حرية مفصلة على قياسهم. لكن طبعاً الحرية نسبية, ففي البلدان الديمقراطية والحضارات الغربية نسبيا توجد هوامش للحرية أوسع من العديد في مناطق العالم, منها بعض أقطار الوطن العربي, لكن الأمر بالتأكيد متفاوت بين بلد وآخر, ونحن الكتاب والمخرجون نحاول دائما توسيع هامش الحرية لكنني لا أقول اطلاقا اننا محرومون من الحرية كما تدعي وتزعم الجهات المعادية لنا في الغرب, فهناك هامش من الحرية معقول جدا في بعض الأقطار العربية ونحن كفنانين نحاول توسيعه باستمرار وهناك كما ذكرت تحايل من خلال الاسقاط والترميز والابتعاد عن المباشرة تقديم التاريخ بشكل ينذر بالمستقبل, وكل هذه الوسائل لتقديم مضمون وتجديد بالشكل, وربما كانت القيود بالشكل عندنا أكثر صعوبة مثلما عند الغرب الذي يتيح كل الامكانيات سواء التقنية أو الجسدية أو الاجتماعية لكن هذه مشكلة ثانوية تبقى ثانوية فالمهم هو المضمون. * وهل هناك هجرة معاكسة بين المفكرين سواء في الغرب أو العالم العربي غرضها البحث عن موطئ قدم للحرية. ـ أنا لا أعتقد ان الأجانب يهاجرون إلى المنطقة العربية, نعم انهم يهاجرون بين بلد وآخر ولا أذكر بهذا الخصوص شخصا مهما هاجر من أوروبا واستقر في الوطن العربي إلا بوزلي كاتب رواية استقر في طنجة بالمغرب ولكن حتى عدد العرب الذين هاجروا إلى الخارج محدود جداً, ففرص العمل بالنسبة للمؤلف والمخرج العربي في العواصم الغربية هي محدودة جداً وإذا نجح بعضهم فهو ينجح في دوائر مسرحية محدودة كمسارح الأطراف أو في المراكز الثقافية والجامعات, لكن هذا محدود جداً ولا أعتقد ان أي مخرج عربي أو مؤلف عربي حقق نجاحاً في المسرح المحترف في برودواي أو الوست اند, حتى أنا لا أخرج عن الدائرة, فقد قدمت لي مسرحية في احدى الجامعات الأمريكية وأنا أخرجت مسرحية لي في ويلز وهذا لا يجعلني عالميا, بل محاولات لمجرد التعريف بأدبنا العربي وترجمت لي أعمال إلى الأسبانية والألمانية, ولكن هذا لا يجعلنا منتشرين على المستوى المحترف ولا حتى توفيق الحكيم, رغم انه أكثر ترجمة إلى اللغات الأجنبية, اننا لا نزال نبحث عن موطئ قدم بالنسبة للثقافات الغربية, ونحاول ان ننتزع ولو بالقوة اعتراف الآخر بنا, ولكنني أقول بالمقابل اننا مظلومون, فابداعنا يرقى إلى أفضل الابداعات العالمية, خاصة في مجال التأليف إن لم يكن في الاخراج فبالتأليف حتماً فهناك العديد من الكتاب من مصر وسوريا والعراق ولبنان كتبوا مسرحيات جميلة وخاصة في الستينيات والسبعينيات لكن القليل منها ما ترجم إلى اللغات الأجنبية الحية, وما اعترف به في الأوساط الدولية وهذا اعتبره تحيزا وتحاملا وآمل ان يتغير مع السنين. * هناك ظاهرة مهمة, فحينما يهاجر الفنان من بلده الأصلي إلى بلدان أخرى نرى انه تتاح له بعض هوامش الحرية؟ ـ لا أعتقد ذلك فأنا أعتقد ان المجال يضيق عليه. * لكن هناك تجارب؟ ـ نادراً وقد يكون في الاخراج قد يتاح إليهم لكن كمؤلفين سيعانون من الرقابة بشكل أشد في البلدان الأخرى لأن الأجنبي لا يعترف إلا بما يسمى غرائبي, لا يتعرف ولا يتعامل معها على نفس المستوى, فحينما نقدم عملاً مسرحياً لا يأخذه أو يعترف به هو يجنح إلى ما يعجب جمهوره يعني يفصلنا على ذوقه ولذلك انني لا أعتبر انه يمنحنا حرية على الاطلاق عندما نعمل, وعن نفسي حينما عملت في بريطانيا وقدمت أعمالاً مسرحية لم يسمح لي ان أقدم مسرحية أجنبية بل سمح فقط ان أقدم مسرحية عن ألف ليلة وليلة, وهذا شرف لي لكنني أسعى ان أنجح بأن أقدم تراثي بطريقة معاصرة لكنهم لم يعترفوا بحريتي بأن أقدم ما أشاء, فلو شئت ان أطرح عملاً عن القضية الفلسطينية فإنهم لن يسمحوا لي.