في قريتنا امرأة حضرية. تأتي من المدينة البعيدة, كل عام. في موسم جني القطن, لتحصل على إيجار أطيانها من الفلاحين والمزارعين والأجراء. المرأة ــ البندرية ــ لدنة بيضاء. لها بيت جميل وصغير ــ استراحة ــ على قمة الطريق الزراعي عند مدخل القرية. تنزل فيها لحين الانتهاء من جني المحصول وبيعه, تجمع إيجار الأطيان الزراعية التي ورثتها عن أبيها, أحد أعيان القرية في الزمن الغابر.. وترحل. ولا تترك أثراً أو ذكرى في مجرى أحداث قريتنا. كأي عابر سبيل يمر علينا... وفي المساء, نجلس نتبارى في الأحاديث عن هذه (البندرية) وعما يحتويه بيتها الصغير الجميل, من تحف وأثاث وصور وتماثيل.. وكنوز!!. أحدنا يحكي عما شاهده والباقون صامتون, في إصغاء تام, فاغرين أفواهنا, ونحلم.. نحلم عندما نكبر, أن نرحل الى تلك المدن البعيدة, للحصول على هذا الثراء الواسع الذي تنام فيه هذه المرأة البندرية. عندما نختلف في الحديث حولها وعن ممتلكاتها نتشاجر, ونفض الحلقة ونتفرق.. كل واحد منا إلى داره. هذا العام حدث ما لم يكن في الحسبان.. ذات يوم.. من الأيام المسجلة شفاهة في تاريخ قريتنا.. قبيل الغروب.. سارت هذه المرأة البيضاء اللدنة في دروب القرية ــ وهي ترتدي ثوبها الحريري الأسود الفضفاض ــ وأخذت تشاهد بيوتنا الحقيرة الخشنة وأزقتنا الضيقة والناس الفقراء ــ أهالي قريتنا الطيبين ــ عند الساحة الواسعة, لفت نظرها طفلة صغيرة, مهملة الثياب والشعر والبدن. لكن ملامحها الطفولية.. جميلة وبريئة. اخذت المرأة البندرية تتطلع إليها في صمت وذهول. والصغيرة تقف في توجس وخوف وهي لا ترتدي سوى ثوب غليظ وخشن يستر لحمها.. قلت لكم انه يوم مشهود في تاريخ قريتنا.. لأن هذه (البندرية) لا تسير على قدميها. دائما تركب (الكاريته): عربة صغيرة وجميلة وأنيقة يجرها بغل رمادي قوي, يقوده غلام شديد العضلات أسود قاتم. دوماً نشاهدها تمرق بالعربة على جسر البلدة, ودائماً نركض ونفسح الطريق لتمر.. حتى لا تدوسنا العربة تحت إحدى عجلتيها القويتين, أو يرفسنا البغل الأرعن بإحدى مؤخرتيه. وهي تمر كالبرق, لا نستطيع أن نتأملها جيداً, أو ترد علينا, عندما نلقي عليها التحية بأيدينا الصغيرة وأصواتنا الضعيفة التي لا تصل اليها.. ماذا حدث في هذا اليوم. عندما توقفت البندرية امام الطفلة؟ ظلت صامتة مدة طويلة. لفتت اليها أنظار اهل القرية.. نسيت ان اخبركم في البداية, أن المرأة.. عاقر!! هي لم تنجب البنين او البنات. وهي تمتلك كل هذه الأموال والأراضي الزراعية والبيت الصغير. وفي المدينة البعيدة, تمتلك العقارات والبيوت العالية, ولم يستطع احد منا ان يذهب الى هناك لمشاهدة هذه الممتلكات ــ لو ابتعدنا عن حدود قريتنا فلن نعرف طريق الرجوع ــ لكننا سمعنا الحديث ــ عنها ــ من عجائز النسوة والرجال. ومع ذلك.. في هذا اليوم المشهود الذي وقفت فيه هذه المرأة الثرية في الساحة وأغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول في حزن: ــ خذوا كل ما أملك... هل أصاب هذه المرأة.. الجنون!! لا حول ولا قوة الا بالله.. ثم أشارت بيدها ناحية الساحة حيث تقف الصغيرة, واستطردت: ــ اعطوني.. هذه الطفلة البريئة... هز أهالي قريتنا رؤوسهم في يأس وقلة حيلة, من عجزهم عن تحقيق هذه الأمنية الغالية لها, والتي تعادل كل هذا الثراء.. الساحة التي تتوسط بنايات القرية, واسعة مترامية الأطراف. تستغل في أيام الحصاد. في باقي الأيام تكون خالية من المحاصيل الزراعية, وهي فرصة نادرة تسنح لأطفال القرية باللعب والجري والجلوس في أنحاء الساحة وعلى أطرافها.. الطفلة الصغيرة البريئة, تقف عن كثب تشاهد البنات الأكبر منها سناً يلعبن (السيجة) بسرعة ومهارة في القفز من فوق الخطوط المرسومة بالحجر الجيري على أرض الساحة. الطفلة الصغيرة, ذات الشعر المهوش لا تنسى الخبز الجاف الرقيق الذي تحمله في يدها. كل برهة تقضم قطعة صغيرة بأسنانها البيضاء اللامعة وهي لا تتوقف عن مشاهدة البنات يلعبن أمامها.. المرأة الغريبة عن الديار, اقتربت من داخل الساحة وتوقفت على بعد خطوة واحدة من الطفلة الصغيرة, ثم جثت حتى اصبحت وجها لوجه معها. سألتها بهدوء: ما اسمك ياحلوة؟. اضطربت الصغيرة وتوقفت عن مضغ الخبز وبدأت تتراجع الى الوراء, استدارت, وفرت هاربة وهي تصيح على أمها.. واختفت بين البنايات الطينية الواطئة. استقامت البندرية واصلحت هندامها وجففت دمعة انحدرت من عينها. جففتها بمنديل حريري صغير, وتراجعت الى الوراء حيث يقف مرافقها, سألته: ابنة من هذه الطفلة؟ أجاب الرجل بدون اهتمام: ابنة رجل أجير يعمل في الحقول طوال النهار. عادت المرأة تسأل وهي تتحرك بخطوات بطيئة صوب ان اختفت الصغيرة: يعمل في أرضي.. أجاب المرافق وهو يهز رأسه: يعمل أجيراً باليومية.. بعد قليل عادت البندرية تسأل باهتمام: ــ وزوجته.. وصمتت المرأة. قال الرجل وهو يمشي على مقربة منها ولا يسبقها فهو يدير أعمالها ويلبي طلباتها وينفذ أوامرها وتعليماتها بخصوص الارض والمستأجرين وقيمة الايجار وموعد سداده. قال باقتضاب: ــ امرأة فقيرة.. ولم يزد في الحديث. لا يود في قرارة نفسه أن يأخذ هذا الأمر كثيراً من حديثهما, لكنها نظرت اليه كمن يحثه على مواصلة الكلام. هز رأسه مستكملاً: ــ امرأة مثل الأرنبة, لا تتوقف عن الانجاب كل عام. ولا تكفيهم الطعام او الشراب أوالملبس. تلقي بهم في عرض الطريق. تنجبهم وتتركهم في الساحة, وعندما يسألونها ما الداعي لكثرة الأولاد مع ضيق ذات اليد تقول: انهم رزق, والأرض تربيهم.. صمت الرجل ومازالت البندرية في شوق للحديث. قال: عندها من الأولاد عشرة.. من البنين والبنات. قالت في اندهاشة وهي تتسمر بالارض: ياالله!!. وصمتت. تحركت واستطردت: يعطي الحلق لمن لا أذان له.. عقب المرافق قائلاً بهدوء حتى لا يجرح احساس هذه المرأة العاقر: ــ دنيا.. أمرها غريب!! واصلت البندرية خطواتها, لكنها غيرت اتجاهها ناحية الطريق المؤدي الى خارج قريتنا حيث بيتها المقام عند مدخل البلدة. فجأة توقفت وسألت المرافق بدون مقدمات بعد ان انقطع الحديث: ــ اسألها, ان تعطيني هذه الطفلة, اربيها وانظفها والبسها أجمل الثياب.. وأعلمها, واذا رغبت ان تأتي لزيارتها, لا مانع عندي.. وسأعطيها ما تريد. اريد طفلة تملأ عليّ حياتي الخالية, ولكن ليست اية طفلة. هذه البريئة الصغيرة... هز الرجل رأسه في حيرة.. شاع الخبر في قريتنا.. سرى بين الديار, سريان النار في الهشيم.. المرأة الحضرية سوف تتبنى احدى طفلات القرية. ستأخذها معها الى المدينة البعيدة, لتقيم هناك. ولم يتحقق احد الأهالي, من صدق او كذب هذا الخبر, او حقيقة هذه الشائعة. لكن الجميع يعلمون رغبة المرأة في أخذ طفلة صغيرة من أطفال القرية, وأن المشرف على أراضيها وممتلكاتها وعدها بنقل هذه الرغبة الى الاب والأم.. هذا ما يتداوله الاهالي ــ الان ــ في قريتنا.. قال الرجال: ــ انها ضربة حظ!! فرصة. والفرص لا تأتي الا مرة واحدة في العمر.. عقبت النسوة على حديث الرجال: ــ الضنا غالي. القطة.. الحيوان الاخرس تخاف على اولادها, ولا تسمح لأحد بالاقتراب منهم.. انقسم أهالي قريتنا الى فريقين. لكل فريق طابع خاص ووجهة نظر معينة ومختلفة تجاه هذا الموضوع. الفريق الأول من الرجال الكبار وانضم اليهم المتعلمون وتلاميذ المدارس وبعض الشباب, يقولون: ــ لا ضرر من اغتنام هذه الفرصة الثمينة من التربية الراقية, اضافة الى الملبس النظيف والمأكل الصحي, ناهيك انها ستتعلم القراءة والكتابة, وهذا ما يريده كل أب وتريده كل ام لأولادهما. والام فقيرة عندها دستة اولاد صغار, كلهم مغبرون في التراب وأوحال الطريق. ماذا يضيرها لو نقصوا واحدة؟! وما المانع في أن تتعلم وتصير احسن حالاً من بقية الاخوة والأخوات.. الفريق الآخر, كان مجتمعاً امام دكان البقال, تحت المظلة. ثار نقاش وجدال حاد بينهم وكان هدفهم الأول والأخير هو محاولة الوقوف امام اتمام هذه (الصفقة). كيف تبيع القرية أحد أطفالها؟!. إنها مسألة تتعدى حدود الجوع والعطش ــ والحياة الرغدة والملبس الناعم الطري ــ انها اهانة للجميع. وبداية لفتح الطريق للبيع والشراء ــ في أطفال قريتنا ــ تحت مسميات عديدة, وأسباب وحجج واهية. وانبرى شيخ البلدة يقول: ــ كيف يبيع الأب ابنته في مقابل نقود زائلة تقدمها له البندرية؟ هل تود أن تشتري اولاد القرية بما تملك من مال. انتهى زمن العبيد, الان اصبحت مسألة كرامة تخص البلدة بأكملها ومحال ان تتم هذه الصفقة.. ضحك البقال اللئيم وهو يقف داخل دكانه, وساد الصمت, نظروا ناحيته, قال: ــ كلكم تتطاحنون وتتشاجرون حول ما سمعتموه.. في شيء لا يخصكم في المقام الأول... سألوه: ــ يخص من ونحن اهل البلدة؟ أجاب: ــ الأب, والأم, ما هو رأيهما في هذا الأمر؟ بهت الجميع, وساد الصمت, تبادلوا النظرات في حيرة حول إجابة السؤال الذي طرحه عليهم هذا البقال اللئيم!! كانت المرأة الفقيرة ولوداً, تنجب البنين والبنات, كل عام يرزقها الله بمولود ذكر أو انثى. وكانت سعيدة بهم, لكثرتهم.. مع فقرها المدقع. تقول لكل امرأة تطلب منها ان تكف عن الإنجاب: ــ الأولاد رزق من عند الله, أرسله الينا... تتعجب النسوة من حديث هذه المرأة, كثيرة الإنجاب. تعطي كل عام ثمارها بوفرة, ولا تتخلف, كالأرض المطمئنة. ويرددن: ــ له في خلقه حكم!! والزوج, فلاح أجير, لا يملك شروى نقير. سوى قوة ساعديه. يعمل بالفأس ــ طوال النهار ــ في حقول الأعيان ليحصل على قوت يومه, ويقيم اود زوجته وأولاده الكثيرين, لم يكن اجره الزهيد يكفيه, سوى خبز يابس وجبن قديم.. وكان سعيداً بحياته وعمله وبيته وأولاده, محباً لزوجته ومؤمنا بقدره, راضياً كل الرضا بعطاء الله ورزقه. الأولاد, الصبيان والبنات, كثر.. لم يزد فارق العمر بينهم كثيراً, بين الولد والبنت.. عام واحد فقط, جاؤوا كما تقول (القابلة): (فوق رؤوس بعضهم البعض). وهم لا يستطيعون تحمل عبء العمل في البيت او الحقل, ولا حيلة لهم سوى اللعب طوال النهار في ساحة قريتنا. يلهون على التراب, وفوق اكوام القش وحطب القطن وأعواد الذرة الجافة الرفيعة, وفي ظل الجدران الطينية الخشنة. وحين يأتي موعد الطعام يطلبونه من امهم.. فما كان منها الا ان تقدم كسرة يابسة رقيقة من الخبز الأسمر عليها قطعة صغيرة من جبن ابيض.. لكل واحد من الأبناء, البنين والبنات. يحملون الطعام ويعودون مرة اخرى الى الساحة لمواصلة اللعب والجري واللهو من جديد. كل منهم يحمل طعامه على يده بحرص, ولا يتوقف عن اللعب, كما لا يتوقف عن قضم الخبز الجاف بصوت مسموع.. جارتهم العاقر تجلس امام باب دارها وتنظر الى الاولاد الصغار وهم يلعبون في التراب, حفاة شبه عراة, وتمصمص شفتيها, تقول بحسرة محدثة نفسها: (تعطي الحلق للي بلا ودان!!). في البيت الريفي الصغير, استقرت المرأة الثرية في مجلسها على الفراش الوثير, وتنفست الصعداء, ساد جو من الصمت على جنبات المكان, أخذت المرأة تتطلع الى الجدران واللوحات والثريا والأثاث الفاخر.. ثم تنهدت وحدثت نفسها بصوت مسموع: دنيا.. امرها غريب وعجيب!! ترامى الصوت الهادىء الى أذني مرافقها ورجل أعمالها, هز رأسه وسأل بهدوء: خيراً.. تنبهت المرأة الحضرية الى وجوده في المجلس, منذ ان رافقها في سيرها بين جنبات الديار.. حتى عاد خلفها في صمت مشوب بالتوتر والقلق. فهي تريد شيئا يستعصي عليه تنفيذه, فهذه الأشياء لا تشترى بالمال, ما العمل الان.. وهذه البندرية اذا ارادت فإنها قادرة على تنفيذ ما تريد. قالت المرأة بعد ان زفرت من صدرها هواء القرية الممزوج بالغبار: هذه الدنيا تعطي من لا يريد, وتحرم من يريد!!. احتار الرجل بماذا يعقب على قولها, لكنه عرف ما يدور في ذهنها, فقال بتلقائية: وعندما تعطي, تعطي بلا حساب!!. نظرت اليه في حيرة من رده, هل يقصدها هي المرأة الثرية أم المرأة الفقيرة الولود؟ صمتت على مضض.. سألته: ما العمل الان؟ اجاب وهو يعرف ما يجول بخاطرها: الزوج, ابو الاولاد ما بيده شيء.. الحل والربط عند المرأة التي تشبه الارنبة. سألت في قلق: هل تعتقد بأنها ستوافق؟ اجاب مستنكراً بدهاء: ولماذا ترفض!! طاقة في ليلة القدر انفتحت لابنتها من السماء.. ولها ولزوجها وبقية الأولاد... هزت المرأة رأسها بارتياح.. وظلت قريتنا ــ طوال موسم الحصاد ــ هادئة, والبندرية تقيم في منزلها الجميل, وتجمع إيجار الأطيان من المزارعين. ولم تتوقف الديار والحارات والأزقة عن السؤال حول نتيجة هذه الصفقة التي تحدث لأول مرة في تاريخ قريتنا. والرجال يسهرون امام دكان البقال وهم يراهنون: هل ستتم؟ وتوافق المرأة الفقيرة ــ تضعف امام اغراء المال ــ وتسلم وتبيع طفلتها للمرأة الغنية؟ وبأي شكل وبأية طريقة ستكون الصفقة؟ وما هي الشروط والارتباطات والتعهدات من كلا الطرفين؟ سأل البقال بصوت مرتفع عن موقف الأب مما يدور في الخفاء حول شراء ابنته. هز الرجال رؤوسهم في يأس دلالة على أنه (رجل على الهامش) غير قادر على اتخاذ القرار والتمسك به, بمعنى انه: (لا يهش ولا ينش). وقال رجل عجوز خبير محنك: انه (شرابة خرج). وان امرأته مع فقرها وقلة حيلتها, بيدها كل شيء. فمادامت قد وافقت او اعترضت, فهو لن يؤخر او يقدم من الأمر شيئاً. وهو يعمل في الحقول بفأسه, ويأكل ما يقدم له, ويشرب كبقية القطيع, وينام كالحيوان الذبيح ــ والدجاج والبط والأوز ــ من غروب الشمس ولا يوجد شيء يتسلى به سوى معاشرة زوجته عندما يحس بأنها بجواره في الهزيع الاخير من الليل. ومن الشروق حتى الغسق, يظل مقيما بالحقول. وفوق كل هذا ــ أضاف العجوز ــ فهو لا يعرف عدد اولاده ولا أسماء البنات او الصبيان, وربما في بعض الأحيان ــ قال في تهكم ــ لا يستطيع ان يفرق بينهم وبين أبناء الجيران او غيرهم من اولاد قريتنا!! في يوم من الأيام التي لا تنسى من ذاكرة قريتنا, وكان ذلك قبل رحيل المرأة البندرية بيوم واحد. شاهدناها وهي تسير على الارض المتربة, غير الممهدة, والتي عليها بقايا الدواب. وهي عادة لا تمشي على قدميها ــ لم يحدث هذا الا مرة سابقة حكيت لكم عنها ــ بين دروب القرية او طرقاتها الضيقة. دوما نلمحها تعبر الجسر بعربتها في لمح البصر. وعربتها هي (الكاريتة) التي يجرها بغل قوي وسريع الركض, يثير خلفه الغبار والخوف. اليوم سارت المرأة الغنية الى بيت المرأة الفقيرة, يرافقها المشرف على اطيانها وأملاكها. الهدوء بدأ يسري بين جنبات الديار. كلاب القرية توقفت عن النباح. الأنفاس هدأت في الصدور. اشرأبت الأعناق من وراء الجدران الواطئة والطاقات المظلمة والأبواب المواربة. لماذا عم القرية السكون؟! تساءل الجميع في حيرة عن هذه الحالة غير العادية التي عليها البلدة.. عندما ابصروها, قالوا: سوف تذهب لتأخذ الطفلة معها الى المدينة البعيدة.. امرأة قوية وقادرة.. ارادت وقدرت على تنفيذ ما تريد!! الاطفال الصغار ــ في مثل عمري ــ تسابقوا ركضاً الى هناك, الى الساحة التي تمتد امام بيت المرأة الفقيرة, المقام من الطين والقش وفروع الأشجار اليابسة. امام الباب الخشبي الضعيف, توقفت البندرية والرجل المرافق لها في تنقلاتها بين أرجاء القرية, اقترب الرجل وطرق الباب بمؤخرة عصاه الغليظة التي لا تفارقه في سيره, خرجت الام تحتضن طفلتها الرضيعة على صدرها الضامر الهزيل. خرج في اثرها زوجها, تبدو تكشيرة الحزن والغضب على وجهه المحروق تحت أشعة شمس الحقول, لابد انه كان على دراية بالأمر كله وان الموضوع وصله بشكل او بآخر. وربما الأيام التي انهمكت فيها قريتنا في بيع المحصول وتخزين الغلال بالصوامع, شغلها عن اي موضوع سواه.. حتى جاء هذا اليوم الموعود ــ لم اكن اعرف بان البندرية سترحل غدا صباحاً ــ وهذا اليوم ظل محفورا في ذاكرة الاجيال التي عاصرت هذه الأحداث, وظل هذا اليوم يذكر في المجالس والسهرات, وأحاديث الرجال أمام دكان البقال, وفي حساب الزمن ومعرفة انقضاء السنوات التي مرت منذ يوم.. ان جاءت البندرية تريد ان تحمل الطفلة البريئة معها الى البلاد البعيدة.. في مشهد امام عيون اهالي قريتنا. المرأة الثرية, الان, تقف وجها لوجه مع المرأة المعدمة. ومن بعيد, كنا نشاهد ختام الصفقة, دون ان يصل الى آذاننا شيء من المداولات والمحاورات.. لكننا كنا نعتقد أن اليوم هو موعد التسليم وإتمام الصفقة بين المرأتين. اقتربنا اكثر لنسمع هذا الجدل الدائر بينهما, ولم أفهم مغزى الكلمات المبهمة التي كانت تقال في هذا الموقف. الام وضعت طفلتها على الارض وهي تقول: هذه هي اخر بطن لي. فلتأكل التراب. تعض الارض من الجوع. تلوث ثوبها ووجهها.. ولكنها مثل اخواتها البنات, سوف تظل طوال اليوم امام عيني. اشاهدها ويطمئن قلبي عليها, انام الليل وانا مرتاحة البال, قريرة العين.. والدنيا لا تسعني... واستطردت بصوت مسموع: لا اريد لابنتي ان تخرج من دارها فقيرة, وتعود اليها اميرة, تتنكر لاخواتها, وترفض كل شيء حولها, تصبح غريبة في دارها ووسط اهلها.. سنكون قد جنينا عليها وعلى بقية البنات... قالت البندرية في يأس: سأعطيك كل ما تريدين... هزت الام رأسها وقالت عبارة مازالت قريتنا ترددها, حتى الان: ــ اولادي ليسوا للبيع... انصرفت البندرية من امام الدار حزينة, وتمهلت عند الساحة الواسعة, تبحث عن الصغيرة التي احبتها. هذا الحلم عسير المنال. لم تجدها. ربما حبستها الام بالدار حتى لا تخرج وتشاهدها البندرية فيزداد تعلقها بها واصرارها على أخذها. الرجال تألموا لحالها. النسوة تعاطفن معها لأول مرة, القرية كلها حزنت!! لكننا نحن الصغار كنا سعداء, لان قريتنا.. لم ينقص منها, طفلة واحدة.. وتوقفت المرأة الحزينة, اخذت تفحص الوجوه المحيطة بالساحة من الرجال والنساء والأطفال, ثم استدارت ونكست رأسها وتحركت في خطوات ثقيلة..