القاهرة ــ فوزى سليمان: المخرج منير راضي الذى كان فيلمه الطويل الأول (أيام الغضب) عام 1989- وفيلمه الثانى (زيارة السيد الرئيس) 1994 يعود بعد فترة توقف بمشروع فيلم من نوع الإنتاج الكبير، عن القضية الفلسطينية والمؤامرة الصهيونية هو (قائمة هراري) وهو عنوان يحمل ردا على الفيلم الأمريكى الصهيونى (قائمة شندلر) للمخرج ستيفن سيلبرج عن اليهود الذين أنقذوا من معسكرات الإبادة النازية فى بولندا, ليرسلوا إلى أرض فلسطين تمهيدا وتعزيزا لمشروع الصهيونية. لدولة إسرائيل, والقائمة هنا هى التى كان قد أعدها داود هرارى عام 1840 لذبح مجموعة من الشخصيات التى تنبهت مبكرا للمخطط الصهيونى للإستيلاء على فلسطين. أصل الموضوع من خلال رواية كتبها وزير الدفاع السورى العماد أول مصطفى طلاس, ونشرت فى دمشق منذ سنوات تحت اسم (فطيرة الدم) والتى تتناول الشعائر الطقوسية التى كان يمارسها بعض اليهود فى دمشق استنادا على خرافات متوارثة, وكان الأب توما من بين ضحاياهم توما هذا راهب من مواليد سردينيا اعتمدته فرنسا مندوبا كاثوليكيا فى دمشق عام 1807 وعاش فيها حتى مقتله عام 1840 على يد اليهود, وكان معروفا فى الأوساط الدمشقية بخدماته الإنسانية وتآلفه مع السوريين بإختلاف دياناتهم وبروحه المرحه وبعلاجه للمرضى بسبب معارفه الطبية, وفى يوم اغتياله كان فى حى اليهود يعالج ولدا يهوديا مصابا بالجدرى. ولما كانت سوريا وقتئذ تحت حكم محمد علي فى ظل الدولة العثمانية, فقد احتج قنصل فرنسا بدمشق لدى محمد علي والباب العالى فى الأستانة, وحاولت بعض الدول الأوروبية بتدخل من هيئات صهيونية التدخل لتبرئة اليهود من دم الأب توما. أعد المخرج والسيناريست سيد سعيد معالجة سينمائية لرواية العماد مصطفى طلاس, بإتفاق مع المخرج منير راضى برؤية تركز على الشخصية الصهيونية العنصرية, وليس الشخصية اليهودية, وهذه الرؤية تبعد عن موضوع (فطيرة الدم) رغم شيوع فكرتها وإن كانت غير مؤكده, وقد يؤدى ترويجها اليوم إلى الاتهام بالعنصرية. ولعل هذا كان داعيا لاقتراح عنوان آخر للفيلم هو (النهر الأسود) وهو النهر الذى قذفت فيه أجزاء جثة الأب توما وجثث أخرى بعد ذبح أصحابها, وعلى المستوى الرمزى فالنهر الأسود هو نهر الكراهية والتعصب والعنف وهذا من سمات الشخصية الصهيونية, التى سيهتم السيناريو بتعميق مكوناتها العنصرية وميلها للعنف السادى. ورغم أن جريمة قتل الأب توما هى العصب الدرامى الأساسي, فى الفيلم كما فى الرواية, إلا أن الفيلم سيحاول التعمق فيما وراء الجريمة إلى دوافعها التى ترتبط بجذور التشكيلات المبكرة للجماعات الصهيونية, والفكرة الصهيونية التى تبرر عنصريتها بخرافات قديمة يحاول قادة الصهيونية إقناع ليس الشعب اليهودى وحده بل العالم بفكرة (شعب الله المختار) و(أرض الميعاد). يحاول السيناريو رصد الأوضاع المحلية والعالمية السائدة فى ذلك الوقت والتى تتشابه مع أوضاع معاصرة, فقد كانت الشام فى ذلك الوقت متوحدة مع مصر فى دولة واحدة يحكمها محمد علي حاول السيناريو بالبحث تقصى دوافع الجريمة متجاوزا الأسباب التى وردت فى كتاب طلاس, إلى أفق أوسع حيث كان هناك صراع فى ذلك الوقت بين جماعات يهودية نشطة فى مجال التجارة والاقتصاد فى الشام تسعى إلى أن تسـيطر عليها وانتزاعها من الروم والكاثوليك والارثوذكس, ممن كان لهم باع طويل فى الشئون الاقتصادية, أى يتمثل هنا بعد الصراع الاقتصادى. وهناك مع البعد الاقتصادى البعد السياسى من خلال العلاقة بين الاستعمار الغربى والحركة الصهيونية وأن الصهيونية هى جزء من الحركة الاستغلالية, وكيفية استغلال اليهود للخطط الاستعمارية. يؤكد لنا سيد سعيد أنه ليس فى السيناريو أى عداء للدين اليهودى أو اليهود كبشر بل المعركة ضد الصهيونية أساسا وضد الدول العنصرية التى تتسلح بالعنف لتحقيق مطامعها مما أدى إلى قيام دولة إسرائيل التى مازالت تعتنق العنف حتى اليوم, بل فى المقابل هناك فى السيناريو شخصيات يهودية تقاوم الفكرة الصهيونية وتكشف مخططاتها فى نقل يهود العالم إلى فلسطين وطرد الفلسطينيين أو إبادتهم كما أن السيناريو يؤكد العلاقة الوثيقة بين مصر وفلسطين قديما وحديثا. مع اعتماد الفيلم على مادة كتاب (فطيرة الدم) وما ورد فيه من تحقيقات, إلا أنه الفيلم سيخضع مواده هذه للمفردات الدرامية والسينمائية من ناحية, ومن ناحية أخرى لمبررات جماهيرية من أجل عناصر الجذب, وإبعاد مناخ الكتابة وتوفير أكبر قدر من متعة التلقى. اجواء دمشق يقدم الفيلم أجواء دمشق فى عام 1840 بمعمارها وأسواقها وتكوينها السكانى بتركيز على شخصية الأب توما المرحة والمنطلقة والمحبوبة حيث يشارك الناس أعيادهم وحفلاتهم بل رقصاتهم, يفتح صدره لهم كبارا وصغارا لحل مشاكلهم اليومية يقيم فى فناء الكنيسة ملجأ للأيام. يعيش الأطفال المسلمون والمسيحيون واليهود معا فى وئام, لا يكتفى بتعليمهم القراءة والكتابة, بل أيضا بعض الحرف اليدوية ليسهل إيجاد عمل يرتزقون منه يعالج المرضى بفضل إطلاعه على كتب العلم والطب القديمة, يساعده شاب مسلم كان قد تتلمذ عليه. كما نتعرف على شخصيات يهودية طيبة.. فالناس يختلطون ويشتغلون معا بغض النظر عن اختلاف معتقداتهم ولك بين أفراد أسرة يهودية يخرج عليها أحدهم بنيامين حيث تم غسيل مخه من قبل داود هرارى لا يتحدث إلا بالعبرية التى لا يتكلم مع أهله إلا كلمات قليلة, ترفض الأسرة الحاحه إلى الانتقال إلى حارة اليهود فينتقل وحده نراه مع مجموعة من الشباب اليهودى المتعصب يرتدون الأقنعة (مثل الكلوكس كلان فى أمريكا) يتسلحون بالعصى يهاجمون الناس فى السوق ويبعثرون بضائع غير اليهود يحاول استقطاب أخيه الأصغر يكتشف الأب توما اختفاء بعض الأولاد اليهود من الملجأ رغم أن بعضهم لايزال يخضع للعلاج بتحريض هرارى الذى يضع قائمة للاغتيال يحاول قتل الأب توما.. ولكنه يتراجع حينما يجده يصلى ولتذكره أنه كان قد أنقذه من الموت, يكشف للأب عن أسرار جماعة هرارى, التى تعتبر النواة الأولى, لتشكيل الجماعات الصهيونية يرشده الأب توما إلى التوراة الصحيحة, يثور نزاع بين بنيامين وشقيقه الأصغر الذى تم تجنيده, يقتله ويتم ترحيله إلى بولندا حيث سيصبح أحد زعماء الحركة الصهيونية.. يستند الفيلم إلى ما جاء بالكتاب من تحقيقات, وتدخل اليهود وبعض مندوبى الدول فى التحقيق.. وإنتشار حوادث غامضة.. واضطرابات فى دمشق وانسحاب القوات المصرية بسبب التدخل الأوروبي. يقول لنا المخرج منير راضى: لقد تحمست لرواية العماد طلاس لأننى رأيت أنها تجمع بين الماضى والحاضر بل والمستقبل باعتبار انها لاتزال تمارسه الدولة الصهيونية فى فلسطين, وإذا كانت قد اغتالـت الأب توما عام 1840 الانباء تأتينا باستمرار اغتيالاتها للقيادات الفلسطينية. وإذا كان سيد سعيد قد قام بالمعالجة والرؤية الدرامية والمفروض كما قال لنا منير راضى أن يقوم مع الكاتب السورى حسن سامى يوسف بكتابة السيناريو والحوار, إلا أن سيد سعيد يفضل كما قال لنا أن ينفرد الكاتب السورى وحده فهو أكثر دراية بالأجواء السورية. رشح المخرج منير راضى عمر الشريف فى دور الأب توما, وإذا لم يوفق سيرشح نور الشريف, 80% من عناصر التمثيل من سوريا, سيشارك ممثلون مصريون وممثلون من جنسيات أخرى, التصوير فى دمشق القديمة وأسوارها وعمائرها باب توما مدير التصوير شقيق الدكتور منير راضى المدير الفنى ومنسق المناظر صلاح مرعى. * أسأل صاحب المشروع المخرج منير راضى لماذا أنت مقل فى أعمالك.. بين فيلمك الأول والثانى خمس سنوات, وبين الثانى والثالث سبع سنوات؟ ــ العبرة بالكيف وليس الكم.. إننى أتوقف لأبحث عن مواضيع مناسبة وحتى أحققها بمستوى عال فكريا وفنيا. وفى نفس الوقت.. طبعا هناك أزمة السينما ويبدو أن الدولة لم تعد مهتمة بأمر السينما.. ومع هذا فإننى سأدخل للتصوير فى القريب بفيلم جديد قبل مشروع فيلم (النهر الأسود) وهو (فيلم هندى), وهو يتعرض لقضية الوحدة الوطنية فى مصر, وهو فيلم إنسانى كوميدى أحاول أن أحقق فيه المزايا الفنية والتجارية أو الجماهيرية. * تخرجت من معهد السينما 1968 هل ترى أن جيلك قد حقق ذاته؟ ــ لقد حقق جيلى بعد جيل الكبار قبلنا أبو سيف وشاهين الكثير من الإنجازات المهمة, إلا أن هناك مشاكل إنتاجية يبدو أن الدولة لم تعد السينما من اهتماماتها. ومع هذا نحاول تجاوز المشاكل.. ونعمل.