تحدث صديقي الذي يعيش في أوروبا عن المسلمين هناك وكيف صاروا يمثلون نسبة عالية من السكان, اقتربت من النصف ولأنه يدرس مثل هذه الأشياء فلقد حدد تواريخ قريبة تتحول فيها الدول الأوروبية الواحدة تلو الأخرى، الى الأغلبية الاسلامية. وقال صديقي لا أدري أكان ساخرا أم تحدث بجد أن الاسلام الذي توقف من الجنوب عند بلاط الشهداء في جنوب فرنسا ومن الشرق عند وسط أوروبا. آن له أن يستولي على أوروبا سلما, وعن طريق التكاثر. فالأسرة العربية أو الاسلامية التي تعيش في أوروبا تتسم بغزارة هائلة بالمقارنة بالأسرة الأوروبية. ولقد رأيت كيف أن كل عربى يستقر في بلد ما يبدأ في جذب أقاربه وأصدقائه, ثم اذا تزوج, وهو غالبا مايتزوج صغيرا ينجب عددا كبيرا من الأطفال. في حين أن الأوروبي ينجب عادة طفلا واحدا. هذا اذا انجب. ومن النادر أن يزيد عدد أطفاله عن واحد. وفي كثير من الأحيان يعيش الأوروبى بدون زواج. وفي الأسابيع الأخيرة شاركت في تظاهرة عربية ايجابية في هولندا, ونادرا ماتكون الظواهر العربية ايجابية في أوروبا. وكانت أول مهرجان للفيلم العربي في مدينة روتردام التي تحظى بواحد من أكبر مهرجانات السينما في العالم. ويأتي المهرجان العربى على أثر مهرجان روتردام متواضعا وفقيرا, لكن أثره منذ مولده يبدو كبيرا وهاما. ولقد عرضت فيه عشرات الأفلام العربية في مصر وتونس وسوريا ولبنان والعراق. واقيمت عدة ندوات. وكان ذلك كله فرصة لأن استمر في متابعة ظاهرة العرب الذين يعيشون في أوروبا. ولسوء حظي لم أر فيلم (همام في أمستردام) لكنني تمثلته وأنا أرى الكثير من الشباب وهم يقفزون الى أوروبا كما تقفز الحيوانات المدربة في السيرك من خلال دوائر النار. يدفعهم طموح هائل. طلب منى شاب من شباب قريتى أن أجد له فرصة للذهاب الى أي بلد في أوروبا. وتعجبت لذلك. وسألته ساخرا أي بلد يريد. فقال: ليس مهما.. ولكن اذا خيرتنى فأنا اختار النمسا. فسألته: أتعرف كيف تحكم النمسا؟ اجابنى بالنفي. سألته اذا كان يعرف لغتهم؟ فكانت الاجابة نفسها. قلت له: لعلك تريد الذهاب الى النمسا تأثرا بفيلم (غرام وانتقام) عندما تغنت اسمهان ليالي الأنس في فيينا. فاكتشفت انه لا يعرف أن فيينا هي عاصمة النمسا. لقد وقع في حلم الذهب الذي أصاب أمريكا بالجنون في القرن التاسع عشر, فلقد اندفع المغامرون والمفلسون والفاشلون للبحث عن الذهب. وبالطبع نجح أفراد قلائل, ولكن راح ضحية هذا الهوس آلاف وآلاف. وفي هولندا اكتشفت ان كثيرا من العرب الذي يعيشون فيها لا يعرفون الهولندية بل لا يعرفون الانجليزية التي تعتبر لغة تفاهم مقبولة جدا في هولندا. وادركت انهم يعتمدون على لغة الاشارة وهي لغة كما نعرف قديمة جدا. وهم هناك لا يدعون أحدا يحتاج شيئا. مثلا أقام أحد القسس المشهورين ملجأ في قلب روتردام يستضيف مدمني المخدرات يقدم لهم الطعام والقليل من المخدرات. ولقد صادفت ليلا أحدهم وهو خارج غضبا من المكان لأن كمية المخدرات لم تكن كافية. وقصده بالطبع من هذا أن المدمن لا يمكن علاجه بمنع المخدرات عنه لأن ذلك قد يدمر صحته فورا بدلا من تدميرها على فترات. والحكومة أيضا تقدم المساعدة لأي أحد وبعض اخواننا العرب يستغلون هذا, فلا يعملون. وبالتالي تعطيهم الدولة معونة يرفضها الهولنديون عادة لأنها تعنى انهم لا يعملون, وفي هذا عار كبير. ولكن بعض اخواننا العرب في هولندا لا يحسون بالخجل من البطالة وايضا من اشياء أخرى. فتجده يتسول المعونة في موعدها, ثم ينام حتى الظهيرة وفي المساء يسعى الى زملائه العرب ليناقش معهم الدور الامبريالي لأوروبا, وضرورة الثورة العربية وهذا الشخص في غالب الأمر يدين الجميع من شارون واسرائيل وأمريكا والحكام الى الانتفاضة والفن والتاريخ. أحدهم سعى للسفر الى أوروبا, وذهب الى هولندا فاكتشف انها بلاد الكفر والعياذ بالله, فتوقف عن العمل واكتفى بالمعونة التي تقدمها الدولة الكافرة, وقبل بها ربما على اعتبار انها غنيمة حرب! وربما على أنها جزية مفروضة على أهل الذمة! وخلع البدلة وارتدى جلبابا أبيض قصيرا أعانه الله عليه في هذا البرد الشديد, وأخذ ينتقل بين التجمعات العربية يدين كل شيء ويكفر الجميع. وفي ندوة عن السينما اقتحم صاحبنا المكان وطلب الكلمة فقال ان السينما حرام حرام حرام, ودلل على ذلك انه شاهد فيلم (الرسالة) فرأى فيه النساء يتمايلن. وأنا شاهدت فيلم (الرسالة) أكثر من مرة, وشاهدت النسخة العربية التي مثلها عبدالله غيث ومنى واصف والنسخة الأجنبية التي مثلها انتوني كويني وايرين ياباس ولا أذكر انني رأيت فيها نساء يتمايلن, وان كنت لا أقطع بأن هذا لم يحدث أولا لأننا لسنا متفقين على معنى كلمة (التمايل) وثانيا لأن ماتركز عليه في فيلم ليس بالضرورة مايلفت نظر شخص آخر. وبعد أن قام صاحبنا وجرم السينما ودلل على ذلك ببرهانه, انسحب من المكان فجأة بشكواه. وترك في المكان حالة من الاستنكار خاصة على الدكتور خالد شوكات مدير المهرجان والذي يتسم عادة بسعة الصدر أما أنا فلقد رثيت لصاحبنا فالرجل ترك بلده العربى الى هولندا كما استنتج الآن لينجو بدينه من مظاهر الكفر, وخاصة في الأفلام العربية مثل فيلم الرسالة. أما الآن فهو يفتح التلفزيون أو يمد يده بجهاز الريموت كونترول فيرى نوعا من التمايل لا يطيقه كاتب هذه السطور وأظن أن قارئها أيضا لا يطيقه. فاذا أغمض صاحبنا العين عن التلفزيون وهو في كل مكان, كيف يغمضها عن السائرات في الطريق كاسيات عاريات, ونحن في مارس والجو شديد البرودة, فما بالك في يوليو وأغسطس. ولو كنت مكان صاحبنا لاصابني الجنون. في وطني أفلام قديمة مثل الرسالة وفي وطني الجديد عاريات يسرن في الشوارع أين الهرب من هذا الانحلال؟ اصابتني الدهشة في هذا المنطق. قال لي صديق عاش هناك أكثر من ربع قرن ان الرعيل الأول الذي أتى الى أوروبا أفنى عمره في الفساد والخمر. وان الرعيل الثاني يفني عمره في محاربة النساء والخمر. وبصراحة شديدة يعيش العرب في المهجر. وهم يستخدمون كلمة المهجر بوضوح. يعيشون بعيدا عن هذه الدول الأم, التي تركتهم يسافرون وكأنها تخلصت منهم. ومن المدهش أن بعض العرب في أوروبا هم الذين يحاولون الارتباط بالأم. أكثر مما تحاول الدول العربية ربطها بهم. قال لي محمد أبوليل وهو عضو منتخب في المجلس المحلي ورئيس مهرجان الفيلم العربي في وتردام: أننا من الممكن أن نفيد بلادنا كثيرا ونحن هنا, بدءا من اعطاء صورة مشرفة إلى الحصول على معونات كثيرة في مجالات مختلفة. ومحمد أبوليل مسلم متدين الى حد انه عندما دخل غرفة العمليات لاجراء عملية في القلب أخذ يشرح لاطبائه فضائل الاسلام. ويبدو أن المهجر صار منفى للجميع. وفي مدينة دلنت قضينا ليلة في منزل انتشال التميمي الناقد السينمائي مع المفكر الاسلامي الشهير الدكتور نصر أبوزيد الذي طاردته لعنة التكفير حتى أوصلته الى المنفى. وحضر اللقاء عدد من الأصدقاء منهم المخرج السوري ينيس المالح والمخرج العراقى خليل شوقي. ولكن الحديث مع أو عن نصر أبوزيد يحتاج الى وقت آخر. مايقرب من أسبوعين قضيتهما في هولندا, وكل شئ منظم ويدرو كالساعة, وفي المطار عند العودة تأخرت الطائرة ست ساعات. وتنهدت في ارتياح فلقد عدنا.