منذ 20 عاما, تقريبا راقب العالم الحرب وهي تلوح في الافق على الحدود الهندية ــ الباكستانية على قمم جبال الهمالايا الغربية المتجمدة والعصيبة وهذه المنطقة هي من بين المناطق الاشد صعوبة ، من حيث امكانية التحرك البشري فيها على امتداد العالم اجمع, ولهذا السبب تدور معركة سنوية, اقل شأنا من دون ان يسمع بها العالم, ويخوضها حوالي 5000 من افقر ابناء الهند, لكن معركة هؤلاء تدور مع الطبيعة القاسية فهمتهم المحددة هي شق طرق تحرك القوات الهندية التي تصل بين الخطوط الخلفية وبين المواقع المتقدمة على قمم الجبال وصيانة هذه الطرق. معركة الدروب هذه معركة شرسة, ولا تنتهي تقريبا, فكل عام بين شهري مايو واكتوبر, وهي الفترة الوحيدة التي يسمح خلالها الطقس بفتح الدروب, يقوم هؤلاء العمال بشق اجزاء جديدة من الطرق وصيانة القديم منها, وهذا العمل يعتبر ذا اهمية كبيرة بالنسبة للجيش الهندي, حيث يوفر امكانية الاتصال مع مناطق الحدود ولذلك فإن الجيش نفسه هو الذي يوظف هؤلاء العمال, ويشرف على العمل الذي يقومون به. وتأخذ عملية البحث عن عمال مناسبين مسئولي الجيش الى منطقة سهول بيهار ودومكا, وهما من افقر المناطق واكثرها فسادا حكوميا في الهند قاطبة, ان لم يكن في شبه القارة الهندية بأكملها ويعتقد عموما في صفوف المسئولين العسكريين ان هؤلاء الرجال وحدهم هم القادرون على تحمل الارتفاع والمصاعب البدنية التي تتسبب بها هذه المهنة العجيبة التي يمارسونها. وبعد اختبارات طبية تتضمن قياس محيط القفص الصدري, لمعرفة ما اذا كانت سعة الرئتين تسمح بالعمل في الجبال, يبدأ العمال المجندون رحلة تدوم اسبوعا الى منطقة لاداخ, وهي الابعد في الهند من الجهة الشمالية. ويعني اسم لاداخ حرفيا ارض (الدروب الكثيرة) وهي صحراء مرتفعة تتشكل من متاهة من القمم القاحلة والبعيدة المكللة بالثلوج وجبال جليدية تتضخم ثم تنكمش بالتناوب كل ذلك تحت طبقة رقيقة من الهواء وحرارة تهبط الى ما يتراوح بين 10 و 50 درجة مئوية تحت الصفر, وهي تعد من اعلى المناطق المأهولة بالسكان في العالم, وتبقى محرومة عمليا من اي وسيلة اتصال برية طوال ستة اشهر متواصلة سنويا. ومع ذلك فهي منطقة اتصال ثقافي واقتصادي مستمر حيث تلتقي اعراق واديان على هذه المنطقة الحدودية بين الهند وباكستان والصين وافغانستان وطاجيكستان. وهذا كله ادى دوما الى نزاعات حدودية مستمرة, تدور رحاها فوق اراض ذات جمال طبيعي, مثير, وغريب وفي عام 1962 خسرت الهند الحرب وفقدت قطعة كبيرة من هذه الاراضي حصلت عليها الصين ومنذ ذلك العام بدأت الهند تهتم بشق طرق فعلية الى جانب طرق الحرير الموجودة التي ما كان يعبرها الا قوافل التجار, واليوم اصبحت العلاقات بين الهند والصين اهدأ بكثير من السابق, الا ان الهند مازالت تبدي اهتماما بالغا بالاحتفاظ بقوات لها على طول الحدود مع الصين, صاحبة اكبر جيش من حيث التعداد في العالم. لكن المنطقة الاكثر خطرا تقع الى الغرب, حيث الحدود مع باكستان اذ ان الصراع الهندي ـ الباكستاني المرير حول وادي كشمير الخصيب لايزال صراعا مزمنا منذ 50 عاما, ولهذا تعمل مجموعات عمال الطرق كل صيف للابقاء على الطرق المؤدية الى هذه المرتفعات مفتوحة بعد الاضرار التي تكون قد اصابتها في الصيف السابق. واعمال الصيانة في هذه الانحاء ضرورية جدا, اذ ان السيول في الشتاء وحركة المرور المكثفة في الصيف تترك على الطريق ضررا بالغا يتعين اصلاحه سنويا, ومع ان منطقة لاداخ لاتتأثر بالأعاصير الممطرة التي تضرب جبال الهمالايا لان سلاسل الجبال تمنع وصول الغيوم المطيرة اليها الا ان السيول الغزيرة تحدث دوما بفعل ذوبان الثلوج والجلي حيث تتدفق المياه في الصيف غزيرة ومدمرة, تأخذ الطرقات وتقتلعها في غمار اندفاعها الى الامام. ومع ان سلاسل الجبال في لاداخ لاتشتمل على قمم جبلية كبرى مثل ايفرست, الا ان متوسط ارتفاعها هو 6000 متر, وعدد محدود من الدروب التي تعبرها يقل ارتفاعها عن 5000 متر, والطرق الرئيسية في المنطقة تصل بين مدينتي مانالي ولياه وبين لياه وسريناجار مارة ببقية البلدات والمدن الواقعة بينهما وليس هناك سوى هذين الطريقين الرئيسيين لينقل الجيش الهندي عبرهما امداداته الى قواعده التي تصل حتى سياتشين وهي جبل جليدي في اقصى الحدود مع باكستان, كما انهما الطريقان الوحيدان المتوفران للمسافرين برا في المنطقة. ومع ان هناك مطارا قريبا, الا ان الارهاق الذي يصيب جسم المسافر جوا يقلل من الحركة الجوية بين المناطق المنخفضة في الجنوب وبين هذه الجبال, وغالبا ما يتجنب الناس السفر جوا, لان الاطباء يطلبون من المسافرين الدخول في فترة راحة مطلقة لمدة 36 ساعة بعد الوصول ثم تجنب الاعمال المرهقة ليومين اخرين على الاقل. في هذه الظروف القاسية يجهد عمال الطرق انفسهم بشق الدروب الاستراتيجية بالعمل اليدوي كلية, وعلى مثل هذه الارتفاعات تصبح قوة اشعة الشمس اكبر مما هي عليه في السهول, بل ان اهالي المنطقة يقولون ان المرء اذا ما وضع رأسه الحاسره تحت اشعة الشمس وقدمه الحافية في الظل فإنه من الممكن ان يصاب بضربة شمس وبتجمد القدمين في وقت واحد, ولهذا السبب يوفر الجيش الهندي لهؤلاء العمال قبعات واحذية بلاستيكية ذات قياس واحد للجميع, الى جانب بعض الادوات البسيطة جدا, التي يجب ان يكونوا مسئولين عنها باعتبارها (عهدة) طوال موسم العمل. جلال الخليل