ما ان صعد جورج بايس إلى حافلة المطار حتى سأله السائق عن طبيعة عمله, فرد انه يعمل في البعثة المريخية, اي الرحلة المقبلة إلى المريخ. (آه, يجب ان تنجح الرحلة), يقول السائق, متذكراً فشل الرحلات المريخية في العام الماضي). ويرد بايس مرة اخرى: (اجل, لقد سمعت هذا القول من قبل). وبعد اسابيع يضحك بايس وهو يتذكر ذلك الحديث. انه الآن يتفقد باعجاب المركبة الفضائية التي كلف بالاشراف عليها, مركبة (2001 Mars Odyssey) المقرر اطلاقها في السابع من شهر ابريل المقبل. سبعة خبراء فنيين يجرون تجارب كهربائية على المركبة التي تزن نصف طن والمنصوبة على قاعدة مربعة ومنخفضة وغير المعبأة بالوقود بعد. ويراقب بايس ــ مدير المشروع ــ العمل من وراء نافذة في غرفة خارجية صغيرة, ويتذكر كلمات سائق الحافلة: (يجب ان تنجح الرحلة). اجل يجب, بل من الضروري ان تنجح الرحلة باعتبار ان هذه المركبة خضعت لتجارب وتدقيق لم تخضع لمثلها اي مركبة من قبل في تاريخ وكالة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا). ويشدد بايس على انه لم يشعر شخصياً, ولا احد من العاملين في المشروع, بقلق زائد عن العادي, رغم الفشل الذي منيت به آخر مركبتين اطلقتهما ناسا إلى المريخ, ونجم فشل احدهم عن خطأ حسابي بسيط, وهو ان مجموعة من المهندسين تعاملت مع ارقام الملاحة بوحدات القياس الانجليزية (البوصة) فيما عملت مجموعة اخرى من الخبراء بالنظام العشري. وكانت النتيجة فشل مركبة .Mars Climate Orbiter وضاعت رفيقتها Mars Polar Lander بعد اشهر قليلة, اذ هوت على سطح المريخ بسبب اغلاق المحرك قبل الموعد المحدد, على ما يعتقد. الا ان كثيرين يعتقدون ان السبب الحقيقي للفشل هو تشذيب برنامج ناسا الخاص بالمريخ وتوفير النفقات. ولذلك فإن (ناسا) انفقت ملايين الدولارات الزائدة هذه المرة كما زادت عدد العاملين. ولقد كلف مشروع رحلات المريخ برمته 305 ملايين دولار فيما كان المبلغ المخصص اصلا 282 مليون دولار (ناقص تكاليف الاطلاق). اما مارس اوديسي لوحدها كلفت 150 مليون دولار. ويقول بايس: (انني ارى تصميما حقيقيا على احراز النجاح وعلى اثبات اننا نستطيع ان نقوم بالعمل الصحيح. غير انني لا احس بوجود قلق حقيقي ـ ربما باستثناء الادارة. ان هذه اول فرصة يتاح لـ (ناسا) منذ المحاولتين الفاشلتين لاطلاق مركبة الى المريخ, وهي اخر فرصة ايضا حتى اصطفاف الكواكب في العام 2003. وستدور المركبة مارس اودسي حول كوكب المريخ وستستغرق الرحلة ستة اشهر تقطع المركبة خلالها حوالي 500 مليون ميل. وفور ان تصل المركبة الى هناك في شهر اكتوبر المقبل ستدخل في مدار يبلغ ارتفاعه 220 ــ 250 ميلا فوق قطبي الكوكب ما يعني انها ستحلق فوق الكوكب بأكمله. وستقوم ثلاث مجموعات من الادوات العلمية في المركبة بقياس كمية الهيدروجين في التربة بحثا عن المياه المتجمدة, وتفتش على سطح الكوكب عن صخور غنية بالسيليكات وتعتبر مؤشرا على محتوى قلب المريخ, وتسجل الاملاح المعدنية في التربة والصخور وترصد الاشعاع المحيط بالكوكب. وهدف (ناسا) من فهم البيئة الشعاعية حول المريخ هو حماية المستكشفين من بني البشر في المستقبل. ويعترف مدير برنامج المريخ في ناسا سكوت هابرد بأن الرهان كبير, وهو يتمنى, مثله مثل كل العاملين على المركبة معه, تحقيق نجاح اخر مثل ما حققته المركبة ْملَىنوفذ ْفح التي هبطت على سطح الكوكب الاحمر في 4 يوليو الماضي ونشرت العربة الجوالة ْمَُْيُس لتبحلق بالحجارة عن كثب. ويقول هابرد ان الحكم على مشروع المريخ سيصدر على اساس رحلة مارس اودسي المقبلة. وقد قام فريق من الخبراء يضم اعضاء من (ناسا) وخارجها بالمراجعة والتدقيق بكافة تفاصيل الرحلة المقررة وقدم اكثر من 140 توصية نفذت غالبيتها, وكان أبرزها اضافة صمامات احتياط بين انابيب الوقود والاكسدة. وقد حرص الرصد الشديد في اجراء التغييرات لأن التغييرات التي تجري في اخر لحظة قد تتحول الى قنابل مفخخة. ويصر بايس على ان هؤلاء الخبراء لم يعثروا على اي شيء يمكن ان يشكل عامل خطر في رحلة مارس اودسي وان الاقتراحات التي قدموها كانت من قبيل الاحتراز. وأجل, ثم اجل. روجعت كافة العمليات الحسابية والخرائط مثنى وثلاث. وهذه المرة ليس هناك التباس بين النظام المتري والبوصة, على ذمة مسئولي ناسا. ويشبه هابرد الانتباه والعناية اللتين خصصتا لهذه الرحلة بالدقة التي احيطت بها رحلة مكوك الناسا في العام 1993 لتصحيح الخطأ الذي ظهر في تلسكوب هابل الفضائي, وكانت للرحلة نهاية سعيدة. ويقول هابرد: (لقد عملنا كل ما يمكن عمله لهذه المركبة الفضائية ووصلنا الى كل ما يمكن الوصول اليه على صعيد التصميم والتصنيع والتجميع. مع ذلك يعرف هابرد تمام المعرفة انه رغم كل الجهود التي بذلت فإن حدوث خطب ما امر وارد. فقد ينفجر صاروخ دلتا غير المأهول. وقد ينحشر القسم العلوي من الصاروخ في مكانه او يعجز عن الاشتعال فتبقى المركبة المريخية في مدار واطئ وحول الكرة الارضية. وقد تمر المركبة بالمريخ مرور الكرام او تنزل على سطحه بسرعة كبيرة وتحترق. ويقول هابرد: (اذا اظهرنا اننا عملنا كل ما يمكننا عمله من اجل ضمان نجاح الرحلة ثم حررت منا المركبة, او اذا صادفتنا مشاكل على منصة الاطلاق او حدث شيء اعتباطي تماما اعتقد ان الرأي العام سوف يتفهم. واعتقد ان ما قاله لنا الناس بعد فشل المحاولتين السابقتين, هو ان اشياء غبية حدثت هنا ولا نريد منكم ان تبذلوا قصارى الجهد للتوفير في النفقات الى درجة حدوث اشياء سخيفة. ولقد حاولنا ان نصغى الى ذلك.