القاهرة ــ مكتب (البيان): فى واحد من أكثر المشروعات الفكرية طموحا لرسم آفاق المستقبل المصرى, إنتهى فريق من العلماء والباحثين فى الدراسات الفلسفية والاجتماعية والتربوية والأدبية.. من وضع خطة علمية متكاملة تنهض بالمجتمع المصرى حتى العام ,2020 فى مجالات التعليم والبحث العلمى والتراث الثقافى والديني. وتأتى هذه الخطة كجزء من مشروع شامل حول مستقبل مصر, يتولى تنفيذه منذ سنوات (منتدى العالم الثالث), الذى يديره ويشرف عليه المفكر المصرى د. إسماعيل صبرى عبد الله. وطبقا للتقرير الذى أعده د. عبد المنعم تليمة أستاذ الأدب العربى بجامعة القاهرة, والمشرف على فريق البحث فى الجانب الثقافى للمشروع, فإن المرجعية الأساسية فى التفسير والنقد والتقويم, ثم التخطيط يقوم على جملة المتغيرات التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية فى مصر المعاصرة خلال ربع القرن الأخير, وآفاق التطور المتوقعة القائمة على أسانيد فى ربع القرن الآتي. أربع غايات ويذكر التقرير أن البحوث التى ترتكز عليها خطة المستقبل الثقافى تقع فى جانب منها, ضمن غايات أربع للنهوض المصرى, والمتمثلة فى سبل تحرير الوطن وتحديث المجتمع وتعقيل الفكر وتوحيد الأمة وهو ما تجلى فى إتجاهات ومشروعات فكرية وسياسية أربعة, هى الليبرالى والإشتراكى والسلفى والقومى. لكن المسئولين عن خطة المستقبل المصرى يتوقعون أن تؤول هذه المشروعات الأربعة إلى برنامج وفاق وطني, جبهوى كى ينهض عليه مجتمع المشاركة الشعبية. الخطة المزمعة تتضمن ثلاثة أقسام, الأول يرصد قضية إعمال العقل وجهود المجددين لجعل (العقلانية) أفقا للإبداع الثقافي, وجهودهم لتأسيس علم كلام معاصر, يستعيد النص الدينى, من خلاله, آفاقا أرحب فى مواجهة الجمود الفكرى والتفسير الأحادى الجانب. فيما يدور القسم الثانى حول قضية التعليم والبحث العلمي, مقوما الفلسفات والسياسات القائمة, ودراسة الموروثات المعطلة. أما القسم الثالث فيتصل بكيفية تعامل الجماعة المصرية, فى نهوضها الحديث والمعاصر, مع موروثاتها المختلفة, وسبل إستحداث طرائق جديدة للتعامل الخلاق مع هذا الموروث. عقلانية جديدة ففى رأى أصحاب هذه الخطة أن العقبات التى اعترضت نمو حركة العقلانية المصرية تكمن فى (انفراد الدولة واحتكارها لإدارة الحياة الثقافية) وما اعتمدته من (سياسات تجريبية وانتقائية ومؤسسات بيروقراطية). لذا فإن مستقبل العقلانية فى هذا البلد يظل مرهونا بـ (الآفاق الجديدة للديمقراطية وتصفية الاحتكار وتنشيط العمل الثقافى المستقبل الحر), وهو ما يفضى كذلك إلى المحاورة والمصالحة بين المشارب الفكرية المختلفة, وصولا إلى برنامج إصلاح شامل. كما يرى واضعو الخطة أن تصحيح علاقة مصر بالآخر الثقافى هو الأساس لمشاركتها الفاعلة فى تأسيس نظام جديد لإدارة العالم. فالأسس التى تقترحها هذه الخطة لما تسميه النهضة المستقبلية هى (السبيل لإزدهارة ثقافية تحيى بها مصر تقاليدها الثقافية العريقة (وتعيد إليها) مبادرتها فى التاريخ البشرى) كى تشارك فى تأسيس بنية ثقافية ذات طوابع إنسانية للعالم الجديد. لذا تدعو هذه الخطة إلى تصور بديل موضوعى للفكر الفلسفى, بغية التأسيس لفلسفة مستقبلية, تتجاوز الأوهام والتناقضات بين كل من التعليم ونظريتى العلم والتنمية البشرية الشاملة. وهو ما ينبغى أن يواكبه تحريرا للفكر الفلسفى المصرى (من أية ممارسات قمعية سلطوية وسلفية). وفى هذا الصدد ترى الخطة أن فتح الطريق أمام تأويل النص الدينى الذى يشمل الاجتهاد الفكرى وإعمال العقل وترقية الحس وتنبيه الحدث, هو الذى يتيح تحليلا أرحب للنص, بدون قطع أو الشهادة على الله, مقارنة بالمتواتر من تفسيرات جامدة لظاهرة النص, تشيع الجمود الفكرى فى المجتمع. ولذلك تقترح الخطة قيام مركز علمى مستقل للدراسات الدينية المصرية, يتولى (تعميق البحث الدينى, ضمن مشروع معرفى), بغية التحول من تدين يعتمد (الممارسات الشكلية والتأويلات المتطرفة والسلطوية إلى ضمير عام للمصريين, وإلى إندماج قومى تؤكده وحدة شعب مصر, أديانه ومذاهبه وتسامحه). مدرسة المستقبل وفى مجال التعليم تدعو الخطة إلى الغاء الكتاب المدرسى, بحيث يتوفر للطلاب (دليل صغير الحجم يوضح المفهومات والقوانين والتجارب والأنشطة, التى على الطالب أن يلم بها فى أعوام المرحلة الدراسية), مع توجيهه إلى (المراجع والمكتبات والمتاحف المتخصصة.. الخ), بحيث يصبح (دور المعلم تيسير العلاقة بين التلميذ والمصادر المعرفية المختلفة, ومناقشة تلاميذه للتأكد من قدراتهم على تكوين وجهات نظر حقيقية تجاه المعارف المختلفة) وما إلى ذلك. فمدرسة المستقبل كما تذكر الخطة هى التى (تعلم التلاميذ كيف يفكرون وكيف يبحثون بأنفسهم). وحول مستقبل البحث العلمى تدعو الخطة إلى ما تسميه اصطفاف جميع المؤسسات القائمة فى الإنتاج والخدمات والبحث والتطوير والتغير التكنولوجى, وتوجيه آليات المالية والاستثمار والتشريع لخدمة مخطط قومى لدفع الاستثمار التكنولوجى, (عبر توطين القدرات التكنولوجية), بجانب التنسيق والتكامل للقدرات العلمية (عربيا وأفريقيا وبحر متوسطيا), بغية تسريع التقدم الجماعى. ولذلك رأت الخطة أن العناية بالمأثورات الشعبية, عبر تسجيلها ودرسها واستلهامها واكتشاف مكوناتها الثقافية والمعرفية, ضرورة فى مشروعات التحديث والإصلاح المقبلة, بعد أن أهملتها المشروعات السابقة, منذ الصعود النهوضى لمصر من القرن التاسع عشر, مما أدى إلى فشل تلك المشروعات فى مسعاها. لذا فإن (تمكين أصحاب الثقافة الشعبية, من حرية التعبير عن ذاتهم ودفعهم للإفصاح عن منطقهم الخاص فى رؤية العالم) هو ضرورة, كما تذكر الخطة لصالح النهوض الاجتماعى ولصالح مختلف مجالات التنمية.