عمان ــ مكتب (البيان): بعد هوس الأطفال القديم بجيري هذا الفأر الذي سحر أجيالا بكاملها بخفة دمه , جاء دور فأر أصفر آخر ليلعب الدور نفسه, وإن كان ضمن آلية أخرى واهداف مغايرة ، بالإضافة إلى انه قد تم استغلاله بطريقة بشعة حتى خرجت عن حدود المعقول, بحيث وصفها البعض بالشريرة في حين لا يراها آخرون بأنها مختلفة عما يقدمه صناع أفلام ومسلسلات الكرتون في العادة . أنها شخصية (البوكيمون) الكرتونية تلك التي باتت تعد الوجبة (الدسمة ) للأطفال في كل محطات التلفزة العربية سواء الفضائية أو الأرضية . أردنيا تحول هذا الفأر الأصفر إلى فرصة غير مسبوقة للتجار , على صعيد الطفل وعالمه . ولم تسجل الساحة الأردنية اهتماما بمثل هذا الحجم من قبل الجميع في عالم متخيل أبدا , إلا إذا اعتبرنا شخصية كساندرا التي قدمت في احد المسلسلات المدبلجة تتسم بهذا الطابع , فقد سيطرت على عقول المراهقات خصوصا في الأردن وسوريا بطريقة أصبحت لاحقا محزنة . إلا أن ما يلفت الانتباه في البوكيمونات هذه واشهرها (بيكاتشو) فأرنا الأصفر , أو مهما يكن اسمه انه اثقل كاهل العديد من الآباء والأمهات بصورة كبيرة , فقد واكبت صرع المسلسل الكرتوني هذا بضائع ومنتوجات تستغل تلك الشخصيات , بحيث أمكن القول بحق أن فأرا أو شكلا الله اعلم بماهيته أمكن خطف أطفالنا منا , وزاد من الضغط النفسي والإرهاق لدى الأمهات خصوصا أن مسلسل البوكيمونات هذا لا ينتهي من العرض منذ الصباح حتى المساء, وكأن الفضائيات والارضيات تآمروا على الأسرة وربتها, فما أن تنتهي فضائية من عرضه حتى يأتي موعده في أرضية وما أن ينتهي هذا حتى يقول لك ابنك هناك بوكيمون في المحطة الفلانية ويا تعاسة هذا الأب إن تجرأ ورفض الطلب . للكبار اصبح بيكاتشو ضيفا ثقيل الدم بينما هو للأطفال عزيز ووصل مراتب الأستاذ الأعظم وللحق فليس الأطفال هم المسئولون عن ما يجري, انهم مجرد متلقين, فقد استطاع التجار وبمهارة استغلاله بطرق تعبر كيف عن الهوية التي بدأنا نلقنها لأطفالنا في العالم السوق. فقد استشرت المجسمات والصور التي تمثل هوية البوكيمون في كثير من المواد الغذائية المخصصة للأطفال , أما الأب القادر فانه سيتواطأ مع التجار على ابنه لأنه ببساطة لن يستطيع الصمود أمام إلحاحه على أن يشتري له هذا المجسم أو ذاك إلى حد اصبح فيه شراء هذه المجسمات بندا رئيسيا على قائمة النفقات اليومية لكل أسرة . فلا ليستهين أحد بهذا الفأر الأصفر اللعين ويعترف الاباء والامهات بان تأثير الفئران المستوردة سواء ميكي أو جيري لم يكن ليرهقهم بل ربما افادهم قليلا وعلى جميع الصعد أما هذا (الاصفر) فشيء مختلف. الأطفال المساكين وأمام كل هذا الهوس لا يملكون سوى أن يعبروا عن سعادتهم وانبهارهم بالبوكيمون بل انهم نظرا لكونهم متلقين وأطفالا بالغوا في مجاراة التجار حتى سبقوهم, يقول أحد هؤلاء الأطفال بفخر انه يملك ما يقارب الألف صورة للبوكيمونات وهذه الصور قد تم جمعها من خلال شراء البضائع التافهة كالعلكة وغيرها والتي هي بحد ذاتها تشكل خطرا صحيا على الأطفال . يقول عمر رضوان والذي لم يتجاوز عمره الخامسة بعد أن لديه صور بيكاتشو .. وانه يحبه كثيرا وهو قادر بطريقة عجيبة على تصحيح (أخطاء والده اللغوية ) والمتعلقة بأسماء البوكيمونات .. أمثال الاخ سايدك بولباصور توجيبي وغيرهم احمد محمود اسماعيل طفل في العاشرة من عمره وفي الحقيقة لقد اخطأنا عندما سألناه عن (وجهة نظره في البوكيمونات) فما أن انتهينا من طرح السؤال عليه حتى بدأ ينط ويصرخ متمثلا عصابة الرداء الأبيض الشريرة (مع ملاحظة اللون الأبيض وليس الاسود أو غيره رغم أن اللون الأبيض في ثقافتنا له معان إيجابية عظيمة ومن هنا تبدأ مسألة التغريب والغربة ) يقول أحمد وهو يصرخ بطريقة مجنونة : أنا أ تخيل أن معي كرة مثل البيكاتشو كرة النار فاقذفها أمامي لتصبح بوكيمون مصارع. أخته براء قاطعته قائلة نعم ويبدأ بمصارعتنا وضربنا, وبالرغم من ذلك تعترف الآنسة براء والتي لا يزيد عمرها كثيرا عن أخيها أنها مفتونة ببيكاتشو رغم أنها لا تحب الحيوانات ولكن بيكاتشو شكل جميل وهو فكرة جديدة .. و أربح من أخي في القرعة العديد من الصور . صرخ معاذ عندها لالا ولكن ما زال عندي 130 صورة, (وإن شا الله بكملهم على المجموعة كاملة) . أما الآباء فقد أ بدوا ضيقا شديدا بالأمر , يقول أبو احمد اسماعيل تصور لدي والحمد لله ثمانية أطفال أربعة منهم من المولعين بهذا البوكيمون, مشيرا إلى انه قد ارهق بالفعل جراء إصرار اولاده على طلب النقود منه لشراء صور ومجسمات تافهة. أبو سمير أب لثلاثة أطفال هو الآخر يعاني حيث قال أولادي يتابعون البوكيمون ويعرفون كل مواعيده على القنوات الفضائية كافة , ويؤكد أبو سمير بان تحصيل الأولاد في تراجع مستمر, مما دفعه إلى تنظيم مواعيد مشاهدة البوكيمون بحيث لا يزيد عدد المرات التي يشاهدونه فيها سوى الثلاث مرات. إلا أن أبو انس يرى المسألة من بعد آخر فيقول ليس أمر هذه المخلوقات العجيبة بأنها ترهق كاهلنا من حيث المال بل ولأنها أيضا بعيدة كل البعد عن ثقافتنا الإسلامية , مؤكدا بان الأطفال الآن يتعرضون لحالات من التغريب المستمر والمنظم وان لم يتم الالتفاف عليه فإن علينا مواجهة جيلا لا هو بالعربي ولا هو بالغربي . ويضيف أبو انس أن المشكلة أيضا في أن هذا المسلسل لا يقوم على نظرية تربوية تعالج مواضيع حتى من وجهة النظر الغربية بل أنها تعمل على خلخلة ذهن الطفل وهدمه دون أن تضيف له شيئا. على أن أبو فادي ينظر إلى المسألة من وجهة نظر مختلفة حيث يرى أن هذا المسلسل استطاع أن يبعد الأطفال عن الشوارع والحارات وانه عمل على مساعدة الأهل في ضبط اولادهم ولكن أبو فادي لم يستطع الإجابة على ما يمكن أن يقدمه هذا المسلسل من أسئلة عالقة في ذهن الطفل ويسعى بكافة الطرق للإجابة عليها في حين انه يخشى لان تكون الإجابة على ذلك مقدمة من قبل تلك المسلسلات ذات القيم غير المنظمة والخيالية. وهذا ما يراه د. فؤاد السرطاوي المدرس في الجامعة الأردنية في مقابلة له في إحدى الصحف الأسبوعية عندما قال أن مثل هذه القضايا تقوم أ ساسا على اللعب بعقول الصغار بناء على أنها تصور لهم أمجادا وحلولا للحياة غير واقعية بل ومستحيلة من خلال العرض المحكم في الانتاج والاخراج والتنسيق بعيدا عن قواعد السلوك والاخلاق والدين حيث لا يتطرق المسلسل لمثل هذه الامور التي تضمن تربية أبنائنا على قواعد سلوكية واخلاقية حسنة بدلا من الجنوح بعقولهم ومخيلاتهم الى مثل هذا الجانب الخطر الذي ينجم عن عرض مثل هذا المسلسل. ويضيف لقد تعلق أطفالنا بالبوكيمون وهذا يبدو واضحا في الحرص على المتابعة وجمع الصور وشراء كل ما يتعلق به حتى ان كثيرا منهم نسي الواجبات المدرسية والبيتية من اجل الجلوس على شاشة التلفاز . و المتابعون لشأن الطفل يلاحظون انه خلال النصف الثاني من القرن العشرين لم تكن التوجهات الرسمية أو الحكومية للطفل العربي على قدر أهمية الموضوع. وإذا ما أردنا إجراء محاكمة بسيطة للمسلسل من خلال مفهوم أفلام الكرتون التي تعتمد في الأصل على (الحركة) و (الخيال), فإننا نستطيع القول ان لا يقوم على حركة ترصد واقعا أو حتى تحاكيه أو ربما تقترب منه كفكرة الموت, ولكن في المقابل لا تقدم وجبات تتناقض مع مضامين هذا الواقع أو الاخلاق التي نريد أن نقدمها للطفل. بعبارة أخرى فان الحكاية ومن ثم المعالجة الدرامية لهذه هي عامل الجذب للطفل وإذا لم تستطع هذه الحكاية ومن ثم معالجتها الدرامية أن تقدم للطفل فنها المطلوب فإنها ستكون قد حققت فشلا ذريعا, وكما عالم الكبار لا يعني شهرة المنتج المقدم نجاحه التربوي والتعليمي عادة مدمرة أخرى استطاع المسلسل أن يدخلها إلى عالم الطفل وهي أن الأطفال باتوا يلعبون بالصور التي يقومون بشرائها لعبة الحظ (الفنة) وهي الأسلوب الأمثل للتدرب على القمار , مما يعني أن هذا الطفل سينشأ وفي نفسه أن عادة القمار ليست من الأمور المرفوضة, مما يؤدي إلى صعوبة وقايته منها عندما يكبر. فإلى متى ستبقى المواد المقدمة للطفل العربي خصوصا والمسلم عموما خاضعة لثقافات أخرى ليست لها صلة بثقافتنا الإسلامية.