الخروج عن المألوف وتقديم عمل ايمائي يتكئ على لغة الجسد في حوارية تستقيم مع الانطباعية والتعبيرية الموسيقية, كان الخيار الذي اتخذه المخرج باسم سليمان في عمله المسرحي (الخدعة) لفرقة مسرح خورفكان للفنون, غير أن هذا الخيار جاء صعباً, غير مدروس اذ انه بحاجة الى موضوعية ووقفة متأنية قبل الخوض والايغال في التغريب بدون امتلاك العناصر الرئيسية لخوض هذه التجربة التي قدم من خلالها المؤلف علي الشالوبي نظرة مقتضبة تجسد الصراع الأزلي بين الخير والشر مستنداً على مرجعيات فلسفية تتناول بدء الخليقة والعلاقة الجدلية المتأزمة بين آدم وحواء. والانفجار الكوني الذي أحدثته تفاحة الاغواء.. ينتقل مخرج العمل بعجالة الى مراحل التكوين الحضاري, بدلالات رمزية لتتداعى هذه الرموز الحضارية في ظل بدائية الحروب المستمرة بين الخير والشر الذي ترفده العلاقات البشرية بشقيها الذكري والانثوي ليضحى الركام الحضاري في النهاية مادة يقتات عليها عامل النفايات. استدعت القيم والاشكاليات التي يطرحها العمل الصامت مسئولية خاصة من قبل مخرج العمل باسم سليمان, وبقدر ما حاول سليمان الاشتغال على السينوغرافيا, ذابت جماليات العمل أمام الاداء المتواضع. ولاء حسين وعبدالله سعيد, وكذلك المجموعة التي مثلت الجانب القاتم من التفاعل البشري تغلغلوا في كافة مراحل العمل كطيور الظلام. ويلقى على عاتق مخرج العمل مسئولية الاداء غير المقبول للمثلين, فخيار تقديم عمل ايمائي لم تألفه ذائقة المتلقي المحلي لا تعني تقديم ممثلين فاقدين لرشاقتهم على خشبة العرض, غير متوحدين مع حواسهم الجسدية التي تفتح بهذه اللغة الخاصة جداً فضاءات شاسعة للتعبير, ولم توظف اللغة الجسدية سوى عبر الحركة الرخوة غير المشحونة بالحس التعبيري. وبرغم محاولة المخرج الجادة استنباط دلالات عميقة من مفردات الديكور البسيطة وتوظيف الجداريات القماشية بشكل متقن لتغليف اجواء المسرح باطار الفكرة غير ان الاضاءة جاءت بدون اضافات وبصمات خاصة تذكر لكنها مع ذلك انسجمت مع روح العمل وخدمت بنيته الدرامية الى حد كبير. اما الموسيقى فكانت البطل الحقيقي والمستتر في العمل, وهنا يجب الاعتراف بالدقة المتناهية في اختيار الانماط الموسيقية, بدءاً من موسيقى (نيو ايج) التي تنتمي الى المدرسة الـ (فلودية) وهذا النمط المستغرق فيما بعد الحداثة استطاع بالحشو العنيف للمؤثرات الصوتية وتعبيريته التي تخدم الحس الايمائي تجسيد (مشهدية) بدء الخليقة ومن ثم وظفت انماط موسيقية اخرى كالكلاسيكية الغربية بقدراتها التعبيرية.. ورغم ضعف تقنية الصوت غير ان الموسيقى تفوقت على كافة عناصر العمل وعرت بفكرها ومضمونها وحرفية صانعيها عناصر العمل المسرحي ليقع المخرج في هوة, كل يتوجب عليه تفاديه ببذل جهود مضاعفة لاعطاء هذه اللغة المسرحية المهمة والخاصة والتي اضحى اقحامها بالمشهد المسرحي المحلي ضرورة توجب اعطاءها حقوقها وأولوياتها. ويبقى العمل المسرحي (الخدعة) رغم كل اخفاقاته تجربة جريئة وتمثل بوابة لنقل المسرح المحلي الى آفاق مسرحية مغايرة لكن ضمن روح الانضباط المسرحي.