منذ التراجيديات العظيمة في المسرح العالمي كانت الحركة السوط الذي يكوي العبودية والظلم انها الرمز والقيمة المرادفة لحركة التعبير التي اخذت بلب الناس وازداد تألقها في عمق المجتمع الاغريقي موطن المسرح، وذلك لأنها عبرت عن جدية الافعال الانسانية ومنطلق فكري نحو تجديد حركة المجتمع فالرأي والرأي الآخر وسيلة حضارية ابتكرها البشر منذ القرون الاولى للحد من سيطرة الخوف. وربما لأن المسرح من اكثر الفنون ملامسة للجمهور فإن الاغريق والرومان وان ارتدوا الماسك (القناع) في الاداء فإنهم كانوا بارعين في تصوير احداث مسرحياتهم وفق ما تمليه قدرة الفنان وشعوره الجمعي. ورغم مرور ازمنة متعددة على واقع الحركة المسرحية العربية فإنها لا تزال تعاني من انحسار في مفهومها الانساني وربما الاجتماعي بعد ان اطرت لتعبر عن فئة معينة. ومع عصر المعلومات والغزو الفكري والعولمي بات من الضروري ان تعيد وسائل التعبير ومنها المسرح حريتها. فهل المسرح يحتاج الى الحرية ام الحرية تحتاج الى المسرح؟ هي اسئلة عديدة نفتح بها ملتقى حوارياً مع عدد من الفنانين المسرحيين الذين يشاركون في ايام الشارقة المسرحية. وكانت البداية مع الفنان المسرحي التونسي محمد المنجي بن ابراهيم لا سيما انه من رواد المسرح العربي عمل مخرجاً في كثير من البلدان العربية وهو حالياً عضو لجنة التحكيم في ايام الشارقة المسرحية. ــ أعتقد انها مهمة جداً ان نتكلم عن حرية المسرح او مسرح الحرية المهم ان موضوع الحرية هو المحور الأساسي في رأيي وهو المحور الذي يجب ان نتناوله في شروحات للفصل المسرحي ليس كعمل فقط وانما للظاهرة المسرحية للحركة المسرحية.. للعلاقات.. وموضوع الحرية على كل المستويات الكتابة والتعامل والاعداد والادارة والانتاج والى غير ذلك نجد أن جميع هذه العوامل بدون حرية لا تستقيم وحينما نرجع الى مفهوم الحرية فلسفي يتعلق بالانسان وليس بالحرية المطلقة افعل ما تشاء. وحيث ما تشاء كلا, وانما الحرية التي نتكلم عنها هي الحرية الواعية حرية الابداع ولكي نبسط الامور اريد ان اعطي مثالاً حياً.. فمثلاً تجد انساناً ما يدخل مدينة لمعرفة اغوار المدينة ودواخلها وشرايينها فيجد حواجز تمنعه من دخول المدينة فثمة رقابة او تأشيرة او موانع مهما كانت هذه الاسباب التي تمنع هذا الانسان وخاصة الذي يعمل في حقل الابداع وقطعا سيشعر بالغنى لان لديه مخططاً علمياً معرفياً فيه استفادة وافادة بدخول هذه المدينة لكن حينما ترفع من امامه هذه الحواجز فيكتشف حالة الحياة بكل تفاصيلها سيشعر اولاً بسعادة ثانياً والاهم بمسئولية لأن المبدأ سيسهل في هذه المعطيات والدواخل والكوامن والعادات والتاريخ والتراث حتى يفيد الآخرين مع انه عمل مضن ومتعب سيقدمه للآخرين هذه هي مسئولية المبدع اذن نحتاج حرية حتى نكون بمستوى المسئولية المناطة بنا والانسانية اساسياً.. فالمسرح يحتاج الى هذه الحرية ويحتاج الى هذا المبدع الواعي الذي يحمل هذا العقل النير والرسالة الانسانية المثلى الذي بدون شك ان هذا المبدع المخلص النظيف لا يمكن ان يسيء للبلد والارض الذي هو فوقها.. فلماذا نخاف من المبدع اذن لنمنحه كامل الحرية وبهذا انا اقول ان المسرح يحتاج الى الحرية الواعية التي يتعانق فيها المبدع مع ابداعه ومجتمعه. * اذن هل يعني هذا احكام المراقبة على حركة المبدع بين الناس؟ ــ ليست مراقبة حركة الناس او الجمهور تحديداً بل معرفة الناس.. نحن نتكلم عن مسائل معرفية وامتدادات اجتماعية يعني ليس تدخلاً في شئون الآخر بل بالعكس احياناً من غير الممكن لفنان او مبدع ما لا يستطيع ان يقدم صورة حقيقية عن مجتمعه دون معرفته من الداخل في سلوكه وعاداته والعقلية هو لا يتدخل بل يلاحظ ويعيش من الداخل ويحضر الافراح والمآسي الى غير ذلك هو اولاً مواطن لكنه ذو رؤيا حادة اي يتمنى هذه السلوكيات والقضايا التي تعيش في محيطه القريب والبعيد هو سيلتقط اهم المواضيع ويقدمها للناس بأشكال فنية ونحن لا نتكلم هنا عن المسرح فقط بل الرسم والموسيقى والتعبيرات الفنية الاخرى. * اذن كيف توصف هجرة بعض العقول الفنية العربية الى اوروبا هل هي نتيجة خنق حرية التعبير من بعض السلطات التي لا ترغب بمسرح مفتوح ثم كيف ترى ايضاً ظاهرة نزوح المسرحيين العرب عن بلدانهم الاصلية الى المهجر؟ ــ هذا سؤال متشعب وطويل.. الفنان وبالذات الذي له مساس مع حركة الجماهير تراه دائماً في ترحال لأن وسائل التعبير لا تختلف بين بيئة واخرى اما اذا كان قراراً او هروباً من الاوطان بدافع مضايقات او قلق او حواجز فهذه نواح سلبية خاصة حينما يكون العمل الابداعي محصوراً في زاوية ضيقة عكس ما كان يحلم به الفنان في اشعاع الأعمال داخل اوطانها مثلما يحلم كل عصفور في وكره او واحته.. وطبيعي ان ذلك سيضر بلغة التعبير سواء في المسرح او الفنون الاخرى. اما اذا كان هناك خروج لتبادل الخبرات والاطلاع والدراسة والاكتشاف وهذا يعود بالفائدة واعتقد ان نجاحات الحركة المسرحية العربية ككل كان نتيجة خروج عدد كبير من الطلاب للتعلم والاستفادة وحينما عادوا قدموا فوائد جمة.. نحن نتمنى ان نتواصل في الترحال والاسفار وتبادل الخبرات والانتاجات المشتركة بين البلدان العربية. * عادة ما يقال ان الظواهر المسرحية الباهرة والمكتشفة لذات المسرح في النص او الاخراج او التمثيل عادة ما تأتينا من الغرب لأسباب معروفة لعل من ابرزها حرية التعبير الفكري والادبي الفني فيما نحن العرب لا تظهر لدينا هذه الظواهر الا ما ندر وهذا ما اضعف الرؤيا المسرحية العربية وجعلها اسيرة تقاليد غربية في الشكل والمضمون وهو بالتأكيد انعكاس للحرية في المسرح؟ ــ لا اتفق كثيراً مع هذا الرأي لأن مسألة التبعية تبدو محسومة ليس في الوقت الحاضر بل في أزمان ماضية وصحيح نحن قد تعلمنا ولا ننكر هذا من التجارب العالمية واساتذة التجارب الطليعية في المسرح سواء في اللقاءات المباشرة او الكتب والمراجع البحثية الغربية بحيث لا يمكن ان ننكر شكسبير او موليير او راسين وحتى المعاصرين برشت وستانسلافسكي وبروك وغيرهم وهذا لا يمنع ان نقول ان لهم فضلاً كبيراً على المسرح الحديث وخاصة في البلاد العربية لكن هنا نتكلم حضارياً ونسجل هذا الحوار من خلال هذا الجهاز فليس لدينا اذن مشكلة ان يكون يابانياً او عربياً او امريكياً المهم هو وسيلة عمل الآن والمهم ماذا سيدور بيننا في مستوى الحوار والسعادة المشتركة والهم المشترك والروح العربية. صحيح ان وسائل العمل غير عربية بل تقنيات اوروبية بحتة لكن نحن قد تجاوزناها فالمهم ماذا سوف نعالج اليوم في المسرح من مواضيع وروحية اداء في تفاعل الانتماء الناحية الفكرية والحسية والفلسفية هي يجب ان تخدم الوجدان العربي, يجب ان نعالج ونتحدث عن فعلنا اليومي. اما ان نستخدم وسائل الاضاءة أو التقنيات الحديثة في الليزر فهي ادوات عمل حضارية اصبحت مشتركة ما بين كل المسرحيين العالميين وهذا حينما نعرف كيف نستغل ما تعلمناه لصالح المعطيات العربية وحسب فكرنا واحساسنا وشعرنا وادبنا وعاداتنا وتراثنا ممكن هنا ان نتجاوز هذه التبعية. وكثير من التجارب العربية ادهشت العالم سواء في المسرح او السينما او الموسيقى وهي وسيلة حيوية كانت منطلقاً للتعريف بنا كعرب مبدعين لذلك فإن ما يقال ان الحركة المسرحية العربية قد تخلفت او استنسخت كلام فيه مجافاة للواقع فالتخلف يعني عدم الانتاج وعدم المواصلة والايمان بالقدرات الذاتية الخاصة والغوص في تراثنا وحياتنا اليومية وذاتنا واريد ان اتساءل لماذا احياناً يقع اكتشاف روائع في تقنيات تراثنا من خلال الغرب يعني مثلاً سمفونية شهرزاد لكرسكاوف وهي من ابدع ما صور لقصص ألف ليلة وليلة وايضاً اكتشافات اقرب مثلما نتحدث عن دانتي لماذا لا نبحث في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري لهذا فإن كنوزنا يقدمها لنا الغرب. واعتقد ان الوقت قد حان ان نلتفت الى هذه الكنوز لكي يتواصل عملنا. حوار: ظافر جلود