باشرت الندوة التطبيقية المرافقة لعروض ايام الشارقة المسرحية أعمالها مساء أمس الأول في مقر بيت الشعر بساحة الآداب, وجاءت الجلسة الأولى لمناقشة العرض المسرحي (يا ليل ما اطولك)، لفرقة مسرح دبا الفجيرة من تأليف محمد الضنحاني واخراج محمود أبو العباس, اولى عروض الأيام التي تأتي ضمن المسابقة الرسمية. استهل مدير الندوة المسرحي العراقي سامي عبدالحميد الجلسة بالقاء نظرة سريعة على الحركة المسرحية الخليجية منذ عقد الستينيات من القرن المنصرم, اذ اشار عبدالحميد إلى تأثر المسرحيين في الخليج بنوع خاص من المسرح المصري, لكنهم سرعان ما أدركوا انهم بحاجة الى مستويات اخرى لفن المسرح يتوجب ان يصلوا اليها وتترجم هذا الادراك بايجاد المعاهد المسرحية المتخصصة في بعض دول مجلس التعاون, ونتيجة لهذا التأثر حاول المسرحيون في الخليج ان ينسبوا لأنفسهم خصوصية بداية عبر تكييف المسرح العالمي ومن ثم تقديم اعمال من صلب الواقع المحلي, واستشهد عبدالحميد بالعرض المسرحي (الأرض تتكلم اوردو) حيث ان هذا الانموذج يمثل المسرح الذي يؤثر الى واقع مجتمعات الخليج. واضاف عبدالحميد ان المسرح شهد تطوراً سريعاً كسائر القطاعات الاخرى التي مثلت النهوض الحضاري الخليجي واشار الى خاصية التأثر في المسرح التي اكد على ايجابيتها مشيراً الى اقتباس الحركات المسرحية العربية الرائدة من التجارب الغربية مثنياً على استعانة المسرح المحلي بمخرجين وفنيين وتقنيين عرب منتقلاً في حديثه الى مسرحية (يا ليل ما أطولك) التي تناولت ظلمة الذات والكشف عن هذه الظلمة فهي غريب من الواقعية واللاواقعية المسرحية, الحرفة والهواية, المعقول واللامعقول مشيراً الى ان المهمة التي اوكلها المخرج على عاتق الممثلين صعبة للغاية كتحريك مفردات الديكور وكيفية ايجاد تنويعات مختلفة لاعطاء دلالات عدة, مؤكداً ان الانكفاء على النفس هي قيمة العمل بمزيج من الفردية والشمولية جسدتها مشاهد تتعلق بذات الفرد ومشاهد اكثر شمولية في المعنى تلقي الضوء على قضايا يعاني منها العالم بأكمله منوهاً الى أن عوامل نجاح العمل هو هذا المزيج الذي جمعه المؤلف والمخرج والممثلون. وبين عبدالحميد ان العرض لو استبقى على الجانب الفردي لكان الطرح ضيقاً ومن دون شمولية الطرح لما تجاوب الجمهور مع العرض. وبعد تقديم عبدالحميد توالت ملاحظات الحضور حول العرض حيث جاءت المداخلة الاولى حول النص الذي جاء كنسيج قوي ارتقى الى ادبية هي اقرب الى الشعرية في حين ان اللغة فقدت اعرابها وتهشم النحو احياناً ولم تتماش الموسيقى بقالبها الرومانسي مع الموضوع المطروح وحركة مفردات الديكور ولم تواكب تطور الرمزية والدلالات في العمل. اشار الدكتور يوسف عيدابي في مداخلته الى الجماليات التي ضمها النص الذي بدى له اقرب الى الـ (مولودراما) التي شحنت باضاءات كأنها اضاءات واسقاطات واكد الدكتور عيدابي ان النص اقرب الى الكتابة الشعرية مضيفاً الى معاناة النص من التطويل, منوهاً الى ان تداعيات الممثلين كانت في بعض الاحيان بمثابة شحن قليل القيمة. واشاد الدكتور عيدابي بتمكن المخرج من السيطرة على خشبة العرض, معتبراً الحرفية التي انتهجها المخرج اقرب الى اجواء المخرج المسرحي الدكتور صلاح قصب. واشار عيدابي الى تماسك فريق العمل في حين جاءت الموسيقى مفككة للاخراج التراكمي للعرض وتمنى لو ان الموسيقى المصاحبة للعمل جاءت بقالب صوتي تعبيري. وتناولت مداخلة اخرى توظيف الليل في العمل وتحويله من عامل طبيعي الى مفردة حية جسدت على خشبة العرض عبر حركة الديكور ودلالاته التعبيرية مع التأكيد على انسجام الرؤية الابداعية للمؤلف والمخرج. وتطرقت مداخلة اخرى الى السينوغرافيا التي وظفها المخرج لانتاج خطاب جمالي توخى عدة مستويات من المتلقي وتمنى المعلق على المخرج تحريك مفردات الديكور خلال العرض لاضفاء مستويات اخرى للعرض. وتحدث المداخل عن وجود عدة بؤر او اطروحات في العرض في حين كان بالامكان التركيز على قضية واحدة كالعلاقة الاسرية لانتاج نص مسرحي واضح, اذ احدث الحشد الكبير في الطرح خللاً في التلقي, واشاد بميزة التعبير الحسي والجسدي لكادر العمل وتوظيف الجموع المتحركة التي كانت اشبه بالماسك ببنية العرض. جعفر الخفاف المؤلف الموسيقي للعمل قدم بدوره مجموعة من الردود على الآراء المطروحة مشيراً في البداية على نتاجه الحرفي المسرحي والتأكيد على انتمائه اكاديمياً الى الوسط المسرحي وتخصصه في تقديم أعمال موسيقية مسرحية مؤكداً ان الموسيقى التي زجت في العمل المسرحي احدثت تداخلاً مع العرض, ورغم طغيان الرومانسية على المادة الموسيقية فهي لم تخل في تقدير الخفاف من البعد الدرامي والتراجيدي محافظة بذلك على خصوصية النص المسرحي. وابدى محمد الضنحاني مؤلف العمل ارتياحه من المداخلات التي اكدت على استفزاز العمل للمتلقي الذي يعتبر غاية المبدع, وحول استهجان المتابعين للاقحام الموسيقي اكد الضنحاني انه يحق للمتلقي ان يستوعب الموسيقى من وجهة نظره الخاصة, في حين ان الموسيقى بقالبها الرومانسي جاءت منسجمة مع اجواء الليل الطاغية على العمل. وحول ملاحظة التطويل في النص بين الضنحاني ان النص الذي قدم خارج من النفس البشرية ويتعامل مع الذات اكثر من مفردات الحياة وهو نص روحي انساني يخرج من الانسان الى الانسان. وعن تعدد بؤر الطرح اوضح المؤلف ان التصدع في العلاقات الاسرية لم يأت بصورة عفوية انما هو نتاج لمشاكل وظروف مرتبطة كالواقع العربي ومشكلة التركيبة السكانية. مخرج العمل محمود ابو العباس بدأ رده على المداخلات بقوله (لا اعتراض على اي ملاحظة ابديت) مبرراً تعذر تقديم عمل متكامل بمجموعة من الموهوبين والهواة وانتقل ابو العباس في حديثه الى خيار تقديم العمل باللغة العربية الفصحى مقابل تقديمه باللهجة العامية التي تفقد من مفاهيم اللغة وبرر الاخطاء والعثرات اللغوية التي وقع فيها الممثلون الى ضيق الوقت الذي تم التحضير خلاله للعمل واشار الى الاخطاء اللغوية التي يقع فيها كبار الممثلين العرب, واكد ان تقديم العمل بالفصحى يفتح الباب لممارسة هذا الطقس في المسرح المحلي مضيفاً ان هذا ليس انتقاصاً من اللهجة المحلية لكن تبقى اللغة العربية الفصحى الاجمل لاحتوائها على مفاهيم واسعة. وحول الموسيقى التي قدمت في العمل اوضح ابو العباس انها لم تأت لتخفيف الفعل الدرامي التجريدي بل لتضخيم الفعل الدرامي. واكد المخرج ان المسرح خاضع لمبدأ الاثر والتأثر, في حين انه لم يغرب العرض كثيراً في الحداثة لمراعاته لجمهور آخذ بتلمس التجربة المسرحية الحديثة وبين المخرج ان الاشتغال على السينوغرافيا لم يحدث تغييراً في جسد العرض. وفي نهاية الندوة التطبيقية تحدث مدير الجلسة المسرحي سامي عبدالحميد حول مسألة انتهاج تقديم اللهجة العامية في العروض المسرحية التي اعتبرها احد عوامل انحراف المسرح العربي واستغلت سهولة اللهجة لغرض الهبوط بالأعمال المسرحية الى دون مستوى الذوق العام. واحدث تعليق عبدالحميد استهجاناً من قبل العديد من المسرحيين الذين اكدوا ان اللهجة المحلية في حال تقديمها اطروحة مسرحية ناضجة هي الاقدر على عكس خصوصيات الواقع المحلي, في حين ان اللغة العربية الفصحى تحتمل تقديم نص مسرحي هزيل.