رغم ازدحام نص العمل المسرحي (ياليل ما اطولك) بعدة اطروحات قلقة وحرجة فقد استطاع مؤلف العمل محمد الضنحاني خلق حالة من التوازن بين التوغل في الخصوصية المحلية والخروج بخطاب انساني شمولي ضمن اطار يتسع للحركة ويفتح بوابات الاسئلة. انطلق العمل من أنموذج اسري تقليدي مثل شرائح وقضايا مهمة في المجتمع المحلي وتحديداً في مرحلة ما بعد النفط. وجسدت شخصية الاب التي قدمها عبدالله مسعود انهيار المنظومة الاخلاقية اثر القصف الثقافي المادي الذي مارسه (الآخر) والذي اضحى من مسلمات البنية الاجتماعية في الخليج العربي. تفيض شخصية العم التي توحد معها عبدالله راشد بهذيانات الوعي لتجسد حالة الفوضى التي تنتاب الظلمة الروحية التي تخيم على اجواء العمل. ومن تناقضات التعاطي الاجتماعي الصارخة ينساب العمل لطرح مسألة انسانية خاصة لتظهر الام (بدرية احمد) الى جانب مفردة الفراش الخالي ومن خلال الدلالة المشهدية يتحد تداعي النص مع الم الهجران وضعف المرأة امام قهر الظلام.. ويستمر العمل في التطرق للتصدع الاسري بتقديم ضحية اجتماعية افرزها اللهو المادي عبر شخصية الابن ــ خليفة التخلوفة ـ الذي فقد معالم طفولته وانسانيته وسط الاضطراب الاخلاقي وانحسار النور الانساني, ليضحي ناقماً ويائساً من انجلاء قتامة العتمة بعد ان دخل الى مملكة عبودية المخدرات. وجاءت حرفية مخرج العمل العراقي محمود ابو العباس الذي ينتمي الى اهم الحركات المسرحية العربية الراسخة غاية في الصعوبة, اذ اوجد حالة من التوازن في العمل عبر رؤيته الاخراجية التي استنطقت طاقات الممثلين الى حد اخراجهم من دائرة الهواة, واحدث اجواء سينوغرافية رغم تداول بعض المتابعين الى انتمائها الى تجارب مسرحية سابقة, لكنها لم تفتقد بصمة ابو العباس الخاصة جدا, فمن خلال مجموعة من ثمانية فتية قدم المخرج نصا مشهديا خاصا وظف مع كافة مراحل تطور العمل لخدمة الدلالات والبنية الدرامية التي طغت عليها اجواء الظلمة. المجموعة الثمانية التي حركت بعناية على خشبة العرض باتت جزءا من مفردات الديكور الحية, فالاطارات الخشبية اضفت رحابة دلالية بفضاءاتها وعمقها المنظوري, وعبر تشكيلات مشهدية لمفردات الديكور تعانقت القيمة السينوغرافية مع السكون الروحي في محاولات لتمزيق السوداوية التي شيدها البناء المسرحي للعمل. وهنا يتوجب الوقوف مرة اخرى عند التجربة الاخراجية التي وضعت نصب عينيها مسئولية التأسيس, فقد قدم ابو العباس الكادر التمثيلي بحلة متقدة ومن خلال تحكمه في عناصر العمل الاخرى اضاف قيماً جمالية عالية لذائفة المتلقي من دون الايغال في التجريب ليكوّن معادلة مركبة هي بمثابة حالة تكامل مع معطيات المسرح المحلي والنفسي الحداثي الملح الذي بات من مستلزمات الحركة المسرحية. وجاء النص المتخم بالمعالجات الاجتماعية في اطار جمالي من الناحية الادبية لكن الحوارات الثنائية لم ترتق الى التقائية المفترضة في كثير من مراحل العمل, وارتكزت على خطابية مباشرة وقفزات نحو اطروحات بعيدة تماما عن جو النص, إذ اخفق المؤدون في اعطاء مخارج الحروف حقها اثناء التداعيات المشحونة بحس انفعالي .. لكن الجمالية الشعرية لم تكن خارج النفس المسرحي وكشفت عن قدرات ادبية مهمة لدى مؤلف العمل محمد الضنحاني كما في المقطع الذي قدمه عبدالله راشد (جياد الاعداء تشرب من دموع عيوني). العمل المسرحي (يا ليل ما اطولك) جاء حاشداً بعناصر مسرحية تمثل علامة فارقة في التجارب المسرحية المحلية, ولابد هنا من التطرق الى المقاطع الموسيقية التي قدمها جعفر خفاف والتي تكشف عن حال المشهد الموسيقي العربي عموماً اذ جاء توظيف الموسيقى في العمل خارجاً تماماً على مراحل تطور العمل, وذلك بتغلغلها عبر الفواصل التي شكلت فيها مفردات الديكور, في حين ان المادة الموسيقية في قالبها اللحني اكسبت فجاجة في مضمونها بعد اتقاد البناء الدرامي للعرض, ومن الناحية التقنية فإن خيار تقديم المادة الموسيقية عبر آلة (الكي بورد) اكسب رخاوة حسية وذلك لحالة الاستخفاف التي يتعامل بها الموسيقي العربي مع هذه الآلة الحساسة.. ومثلت الفجوة بين المادة الموسيقية وجو العمل تقليصاً للقيم الجمالية المسرحية التي غرسها العمل في ذهنية المتلقي وهذا الاخفاق اللاذع في توظيف الموسيقى يؤشر الى حالة التخريب التي تنتاب الاعمال المسرحية الحداثية عبر اقحام الموسيقى على اعتباره عنصرا ملزما في هذا النمط المسرحي. (يا ليل ما اطولك) بحث في متاهات روحية واقتناص لشذرات الواقع لبعث مأساة الانسان على خشبة العرض, ومحاكاة حادة لذات المتلقي من خلال رحابة الليل المفعم بالحلم والوحشة والوحدة.. عناصر مسرحية متكاملة في مجملها حجبت مع فتح الستارة غشاوة الروح واقحمت المتلقي للذوبان في اسئلة الهوية والقيم والاخلاق.. (يا ليل ما اطولك) تبحث عن فجر الانسان. عرض: اشرف الشكعة