تستند مسرحة (الواقع.. صورة طبق الأصل) التي استهلت بها (أيام الشارقة المسرحية) مساء أمس, الى حقيقة ثابتة وراسخة في المسعى النبيل والجاد لمؤلفها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في تبنيه لقضايا أمته العربية والاسلامية فهو يصور برؤية سردية محكمة وفي بناء درامي اكثر تشويقاً وتجسيداً للواقع العربي متخذاً من الوثيقة التاريخية فعلاً قائماً على ملامسة الواقع بكل خصائصه ومفرداته المتطابقة والمتداخلة برؤية واضحة للأزمات المتعاقبة التي غالباً ما تتوارثها الاجيال الأكثر تعرضاً للنكسات في مشروع الجسد العربي الواحد. ومن مسرحية (هولاكو) ومن ثم (القضية) يكشف الباحث والقارئ عن المقصدية الملحة في فهرس مؤلفات الكاتب والمؤرخ صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي وفي هذا الوقت بالذات فهي دلالة على قراءة مستفيضة لوقائع ماضية غامر بالغوص في لججها المتشعبة متأملاً في المشهد السياسي والاجتماعي العربي بكل متناقضاته فهو يستعير التاريخ مجازياً ويعبر عن الواقع الذي راح يشكل هذه العلاقة بينهما بعد ترتيب اثر كل منهما في صنع وقائع التاريخ وتحديد مجرياته لصناعة روح الواقعة وجوهر المكان والاشخاص فليست الرؤيا وحدها قادرة على الافادة من حركة التاريخ بل كذلك التأثير المباشر في اعادة قراءته وتوليد اسئلة لاشكاليات الواقع الراهن بكل عمق ووضوح.. ان نجاح المؤلف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في تناول هذه القضايا المصيرية في تاريخنا العربي والاسلامي يعود لكونه عبر بكل صدق عن هوية المشهد المسرحي الذي ينتمي اليه كأدب وفكر فهو يساعد على تلمس الوعي التاريخي بعد ان يقيم مساجلة مع الشخصيات والمواقف والافكار ويقدمها للجمهور العربي اينما كان باعتبار ذلك جزءاً حيوياً من همومه اليومية. ومسرحية (الواقع صورة طبق الأصل) ليست مهمتها على ما يبدو احياء التاريخ بل لتصوير احداث قضية عاشت في الوجدان العربي والاسلامي منذ قرون مضت الى يومنا هذا انها تسلسل لمادة وثائقية مستفيضة واسعة الاحداث على نحو ما فعل في مسرحيتيه (هولاكو) و(القضية) فهو يدرك قيمة استدراك التاريخ في فهم الواقع وحركة الحياة التي قد لا تتأثر ايضاً بلغة السرد بل ترتقي الى الخلق والابداع في تحديد هدف العرض المسرحي. تقع احداث المسرحية في ثلاثة فصول غير مترابطة زمنياً اذ تمتد ما بين 1093م لغاية 1244م وهي مساحة شاملة تذهب الى جهد بارع في صياغة بناء درامي هرمي منسق يحافظ على وحدة المكان وذي تفاصيل تاريخية عميقة استطاع المؤلف بقدرته الفذة في ترتيب الوقائع في تسلسلها التاريخي متخذاً من قدسية المكان وأهميته اسلامياً وعربياً وعالمياً باعتبار ان مدينة القدس هي زهرة المدائن ومدينة الرسالات والانبياء حملت على كاهلها تاريخاً طويلاً يضرب بجذوره عبر العصور. وتجري احداث الفصل الأول الذي هو بمثابة تمهيد مهم لما ستئول اليه الاحداث في المسرحية او المصير المحتوم لهذه المدينة على يد الغزاة أياً كان لونهم او جنسيتهم او دينهم حيث تكشف لنا احداثه ذلك التآمر الصليبي اليهودي على القدس الاسلامية بحجج واهية انطلت على الناس الفقراء في اوروبا مستغلين الوازع الديني لتجنيدهم لغزو القدس واحتلالها حيث الدمار والخراب والموت والظلام بعد اجتياح القوات الصليبية وقتل الاطفال والنساء وحتى من كانوا يحتمون في بيوت الله او المسجد الاقصى وهذه البشاعة والقسوة امتدت الى أماكن ومدن عربية اخرى حتى بات الدمار طوفاناً يغرق الحضارة العربية والاسلامية. وبالمقابل فإن الرد العربي كان ضعيفاً بل مهلهلاً ازاء ما يحدث من خروقات انسانية وتهجير وعبث بكل المقدسات, فالخليفة العباسي المستنصر بالله في بغداد قد ادار ظهره للأحداث المؤسفة فهو يطلب تشكيل لجنة للتحقيق بالمذابح وانتهاك الحرمات بعدما استجار به اهل القدس ودمشق من ويلات الصليبيين فيما يطلب الخليفة الفاطمي (المستعلي بالله) في القاهرة من ملك الاغريق المساعدة لوقف غزو القدس.. وبين هذا وذاك فإن الأمة الاسلامية شارعة في القتال فيما بينها فالأخ يستبيح حرمة اخيه والآخر يناصر العدو عليه.. واطماع السلطة وشهوات السلاطين مستشرية في زمن الخواء العربي بدويلاتهم الممزقة والمتناثرة انه الواقع المرير لكن حينما تتوحد الأمة ويأتي قائد مثل صلاح الدين الايوبي فإن النصر واقع لا محالة فقد استرد الناصر صلاح الدين مدينة القدس عام 1187م بعد ان وحد الأمة وقضى على الفتن والتمزق فسحق الصليبيين في موقعة حطين وعامل المهزومين بما يتمتع من اخلاق الاسلام السمحة. ولا تقف المسرحية عند هذا الحد في الاحداث خاصة ان مؤلفها يذهب بعيداً في توصيف هذا الواقع ولا يغريه نصر مؤقت بل يختم مسرحيته بموقف متناقض من زهو الانتصار والكرامة العربية والاسلامية والغزاة بعد ان يوقع السلطان الكامل ــ سلطان مصر ــ اتفاقية سلام مع امبراطور الافرنجة يتنازل بموجبها عن فلسطين مقابل وعود كاذبة وخداعة لقد اشعلت هذه الحالة الثورة من جديد انها انتفاضة اهالي القدس والمسلمين الخوارزمية ليعلو صوت الله اكبر صادحاً في سماء المدن العربية انه الصوت الحق الذي به نجاهد الطغاة. اذن هذه المادة التاريخية للمسرحية التي تبرز ايضاً دور رجال المقاومة الاسلامية في حلب وبغداد ودمشق والقاهرة بالتصدي لكل محاولات الخضوع والاستسلام, مثل ابن الخشاب والهاشمي وغيرهم.. انها تحشيد متقن للعناصر الدرامية التي تبعث على التشويق وتدعو العقول الى الحركة التي تقود الى التأمل والانفعال بوعي معرفي يزيد من تسارع ذروة الصراع ما بين الماضي والحاضر فقد ابدع مؤلفها في الاستفادة من الركام التاريخي للأحداث الهائلة التي مرت بالقدس فالحكاية وان تنتمي الى الماضي فإن الحدث الذي يجري امامنا ينتمي كلياً الى الحاضر ويتوجه اليه فالنص الدرامي ذو بنية شكلية لكنه في الحقيقة صورة طبق الأصل منه. لقد تعامل الفنان المخرج قاسم محمد مع هذه الاحداث الواسعة بكثير من الدقة في تفسير الاحداث وفق منطوقها الفني فالمسرح واجهة مؤثرة تزيد من الوعي والادراك عبر الصورة المؤثرة والمزدحمة بالايحاء والدلالية لوقائع الاحداث المنظورة وازاء كل ذلك فإن المخرج الذي استدرك مقومات حضور اكثر من 170 شخصية تدور في فضاء المسرح استغل بشكل جيد كل مقومات نجاح الشخصية عند الممثل وهذا ما دفع بالعمل الى كشف ابعاد اخرى خارج نطاق النص وهذه اللعبة المسرحية بالتأكيد تحتاج الى مقومات مخرج نبيه يلجأ احياناً الى الرؤية البصرية في تجسيد المتخيل والواقع خارج حدود المسرح.. لذلك فإن تعامله مع كل هذه الاحداث الواسعة بتفاصيل تكاد تكون دقيقة بل ومؤثرة في زيادة الاثارة عند المشاهد خاصة انه يدرك ان التعامل مع التاريخ يحتاج الى أدلة وبراهين فكانت أدلته هذه الحركة المستقيمة والمنظمة في خطوطها سواء في شكل الديكور او التناقض الذي يحدثه في ايقاع العرض طبقاً لما يمليه عليه الحدث الدرامي بحيث يلجأ احياناً الى الايقاع الصوتي لتدفق العرض وذلك باستخدام الموسيقى والغناء والمؤثرات وحتى الصراخ الذي جاء بجمالية حسية فتدفق الحركة المسرحية ومفاجآتها المستمرة يضمن يقظة المتفرج. وليست الحركة مصاحبة للحوار فحسب بل كثيراً ما تتداخل الحركة مع هذا الصمت كردود افعال مستمرة انها جمل بلاغية تحقق رؤية جمالية للعرض كما ان المجاميع الصامتة والمتكلمة بالمسرح تتحاور وتتعايش وتؤثر بتشكيلات رائعة وهي جميعها تؤكد المدلول الدرامي للمسرحية. أما التمثيل فإن المسرحية كشفت عن طاقات هائلة لبعض الممثلين ممن اصبحوا ذات قيمة عليا في الاداء مثل مرعي الحليان وحميد سمبيج واحمد عبدالرزاق ومحمد العامري ومحمد جمعة ومحمد غباشي وابراهيم سالم ومحمد يوسف وغيرهم. فيما أضاف فنانون مثل احمد الجسمي وسيف الغانم وعلي خميس واحمد بو سالم اداء مميزاً تركوا بصماتهم على تاريخهم الطويل بالاداء الجيد.
