ترك المخرج العراقي جواد الأسدي بصمات اخراجية واضحة على المسرح العربي, من جهة القدرة على التجريب المرتكز على ثقافة تلم بالمدارس المسرحية, ومستويات النصوص المخرجة, إضافة إلى مزاوجته بين النص والطابع المحلي للثقافة الشعبية, كالحكواتية وطقوس عاشوراء والأغاني الشعبية الفلسطينية, وهو من القلة النادرة من المخرجين العرب الذين نظروا كتابياً للمسرح, إذ شرح لغويا, أداءه الاخراجي كما ينبع من داخله هو كمخرج, ومثقف وإنسان, أهم أعماله المسرحية التي نالت جوائز في المهرجانات العربية والعالمية هي العائلة توت, وسوناتا الجنون, والاغتصاب, والمصطبة, وخيوط من فضة على العنبر, في زيارته لدمشق كان لنا معه هذا اللقاء. * كثيراً ما تطرح قضية العلاقة بين المؤلف (النص) والمخرج, هذه الاشكالية التي أثارت احيانا اعتراضات من الكتاب أو الجمهور, ما هي برأيك حدود تلك العلاقة؟ ـ كان هناك جدل حقيقي حول خصوصية العلاقة بين كاتب النص وقراءة المخرج للنص, وقد تم تجاوز هذه المشكلة عند عدد كبير من المثقفين المتنورين في العالم المسرحي, وهي تطرح أهمية الانتقال إلى المساحات الأكثر رحابة فيما يخص معنى الإخراج, ونظرة المخرج إلى العالم, وفهم المؤلفين الكبار لتلك الحرية يعني عدم ابقاء النص على هيكلية ثبوتية, والمخرج المبدع هو الذي حاول دائماً ثلم تلك الثبوتية والسكون, هي المخرج المسرحي مجرد ناقل للنص أم صاحب رؤية؟ هل للمخرج رؤية فعلية وحقيقية فيما يخص ماهية الوجود, وإعادة طرح الأسئلة الوجودية؟ هذه الأسئلة لابد للمخرج من طرحها على نفسه في تعامله مع النصوص, كان جان جينيه يكسر المقدس باتجاه فتح باب النص, فهو يمسك المخرجين لأعماله من جاكيتاتهم ويهزهم قائلا: اخرجوا من نصي, اقتلوا نصي, والنصوص حين يمر عليها وقت طويل لا يمكن ان تبقى بعين الاخراج مثلما هي تماما بعد مرور السنوات, فثمة تغيرات حقيقية وجوهرية تحدث في العالم فتصبح امكانية قراءة النص قراءة مختلفة أمراً عادياً وممكنا. * لكن هناك أساسيات يجب ان يحافظ المخرج عليها؟ ـ المبنى الكلي للنص هو الأساس, وعندما يمتلك المخرج الرؤية الإخراجية للنص فهذا لا يعني انه سينسف النص نسفاً نهائيا وتدميريا, يمكن للمخرج تفكيك النص وإعادة تركيبه بمايمكن ان يكون خارج عقل المؤلف. اعتقد ان ليس هناك خوف من فكرة القراءة المتناقضة أو المشاكسة للنص, ولأن النص ذاته موجود بين أيدي الصحفيين والنقاد والقراء بعد طبعه. المخرج الذي يقدس النص يشارك فعليا بإزاحته عن الحياة وذلك بقتل ثغرة الاختلاف, وهذا يقتل المراوغة, أنا في نص الاغتصاب, لسعد الله ونوس, لم أغير وإنما حذفت أشياء من داخل الخط الفلسطيني, خاصة المقولات التي لم تحتملها القراءة, رفعت جملة من جمل دلال بطلة المسرحية التي تقول فيها (إنما نحو أو هم) فهي بدلا من ان تكون في سياق طبيعي بالعرض, جعلتها نهاية المسرحية. * كتبت عددا من سيناريوهات مسرحياتك, ما هي الحدود الفاصلة بين الإخراج وكتابة النص, خاصة إذا جاءت من قبل شخص واحد وهو المخرج؟ ـ عندما أخرج أعمالي المسرحية لا أذهب باتجاه واحد, أو أؤسس لمسار واحد, إنما أحاول اختيار مسارات متناقضة ومتعاكسة أحيانا. اليوم مثلا أحس بحاجة حقيقية لاختيار نص فلسطيني, كوني أريد ان أقول شيئا لشعب يذبح بشكل فعلي وحقيقي, أمام أنظار العالم. عندما تفتش في النصوص العربية والعالمية عما يرضي لوعتك الداخلية تجاه هذا الشعب لا تجد صيدك, مما يدفعك إلى توليد نصك الشخصي, أي ان تصبح في سياق دراماتورجي, هناك حاجات حقيقية تضع المخرج كمثقف داخل المجتمع كي يقول شيئا وينبغي الا يكون عابراً وعاما. ثمة حاجة كي تقول رأياً في الأحداث ولكن بشكل جمالي كونك مخرجاً, لذلك يفترض ان تضع مسافة بينك وبين الأحداث كي تعيد كتابتها, بمعنى تعيد كتابة العالم كتابة تأملية بعيدة عن الخطابات والهتافات والصراخ, كتابة النص المسرحي لها جمالياتها وحساسياتها وآلياتها, والاخراج حقل آخر لذلك فالمطبات التي توجد في النص لابد ان تنعكس على الإخراج, بهذا سيأتي العمل ككل ضعيفا حتى لو امتلك المخرج قدرات اخراجية, عكس ذلك لو اعتمد المخرج نصاً ناضجاً فنيا فمن الممكن تخفيف هذا الضعف. حاولت دائما ان أصنع الكتابة كحطب في فرن الاخراج, يعني ان الكتابة بنت الاخراج وليست الكتابة الأدبية المطلقة, وهذا ما جربته في مسرحية تقاسيم على العنبر. اخذنا النص الأصلي لتشيخوف وعرّضناه إلى ارتجاجات كبيرة, وفتحنا في جدار النص ثقوبا واسعة من خلال الارتجال اليومي الذي قام بها الممثلون, حين ارتقى الممثلون, عبر الارتجال إلى مساحات ثانية, صار لدينا نص توليدي ثان, اضاف إلى كتابة المخرج كتابة أخرى, وجاءت التجربة ناجحة, ليس هناك كليشهات أبدية للكتابة, هناك مخرجون عرب اعتمدوا فكرة اعادة توليد الكتابة عبر الاخراج, أي من داخل الورشة المسرحية, حيث تصبح البروفات كتابات جديدة, وهذا النوع من التجارب يعطي مساحات رؤية عالية المستوى, إذ تحس أنك حر وليس على رأسك كابوس المؤلف أو النص, اضافة إلى ان هذه التجربة تعطي متعة فائقة للمخرج, عشتها شخصياً أثناء اخراجي لمسرحية المصطبة في بيروت, إذ قمت بتكسير نصي الذي كتبته أنا شخصياً. * هل أخرج نصوصك أشخاص غيرك؟ ـ كتبت أربعة نصوص وأصدرتها عن دار الفارابي باسم خشبة النص, وقد قام عدد من المخرجين بالعمل عليها, ففي بيروت أخرج لي سوناتا الجنون, وهو نص مشغول على ضوء نص جان جينيه, الخادمتان, ذهبت لمشاهدة العرض ووجدته مشاكساً للنص, وفرحت كثيراً لهذه التجربة, كان المخرجون شباباً ولم أجد أي إحساس بالخوف أو الفزع حين رأيت ما أدخله أولئك الشباب على نصي. * خشبة النص, اهي وطن بديل لمخرج مثل جواد الأسدي؟ ـ بعد يأسي من امكانية الرجوع إلى مكاني الأول, العراق, صرت أحس مؤخراً ان المنصة هي شيء يمكن ان يبنى عليه وطن صغير, حتى لو جاء ذلك عبر مشهد جمالي يخص تفصيلات شيء مفتقد, أحاول دائما ايجاد خروقات في النصوص التي اشتغلت عليها باتجاه وطني العراق, وتلك لذة افتقدها, وجسر يوصلني إلى هناك, ثمة احساس ينبثق من اللاوعي أو اللامرئي يخبرك انه يوجد شيء خفي يجمع بينك وبين أشيائك الأولى, في تقاسيم على العنبر ادخلت حلم ايفان: المثقف المقموع, حلم الشخصية, وهو في الحقيقة حلمي أنا المخرج, وكان إيفان يحلم بأن يركب عربة وحصانا وينقل بهذه العربة إلى قبر أبيه الكائن بجانب نخلة, وهذه الفكرة متقاطعة مع تشيخوف, وكذلك في المصطبة, إذ عدت إلى الليالي العاشورائية في كربلاء, حيث كان واحدنا يدخل في أجواء تلك الاحتفالية بهدف رؤية حبيبته فقط, وعادة ما تكون واقفة بين النساء. خيوط من فضة, وفي رأس المملوك جابر كان لدي أمنية التحليق باتجاه مقهى بغدادي, وفعلاً رأينا شخصيات بغدادية حقيقية تحكي باللهجة العامية العراقية, وقد أحب الجمهور هذه التهويمات بجنون, الاحساس بالعراق يدفعني دائماً لآلام محتشدة أحولها إلى اشارات تنتشر في العروض سواء أكانت مكتوبة أم مخرجة, وهذا يحدث باللاوعي, دون ان تعرف تدخل في البروفة فيواجهك شيء يحفر فيك ويفتح باب روحك إلى داخل النص الأول. * أين تكمن الخصوصية إذن؟ ـ الخصوصية في البعد الانساني, وفي انتقاء النصوص ذات العمق الشمولي, المتعدد التماسات بين المخرج وعدد كبير من الناس, تكمن أيضا في خصوصيتك كمخرج, ايقاعك ولونك واشيائك, واعتقد ان المسرح أخطر من خصوصية المكان, اليوم تشتغل على تشيخوف بطريقتك الشخصية فيصبح تشيخوف مصريا أو سورياً أو عراقيا, البعد الفني والانساني هو من يعطي الخصوصية لأي مسرح. التجارب العربية الحديثة في المسرح, كيف تراها؟ ـ هناك نزعة تعنى بالبهرجة الضوئية والملابس الأنيقة, وهي نزعة تجميلية تسويقية على حساب الهم الثقافي, وهناك عروض كثيرة لا تجد فيها أي صدى لفكرة أو نص حقيقي, كلها مبنية على الاشارات والنكات والكلمات المبعثرة في الهواء, أما الشخصيات فليست مركبة تركيبا انسانية دراماتيكيا, وهذا ما يوقع المسرحية بفخ تزوير الخيال يوميا, مع ذلك هناك عدد من النقاد يقومون برفع هذه الأعمال إلى مستويات كبيرة فيعتبرونها عروضاً جمالية طبيعية. شاكر الانباري