بحضور الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع تعانقت دبي وبغداد وتمازجت مياه الخور ومياه دجلة هنا في مدينة كل العرب وذلك من خلال احداث المسرحية الدرامية الملحمية الغنائية مسرحية (ابو الطيب المتنبي) التي احتضنها وعلى مدى اربع ليال مسرح مدينة دبي للاعلام. وقد شهد سمو ولي عهد دبي وزير الدفاع والى جانبه عدد من اعيان البلاد ومدراء الدوائر وجمع من الحضور تجاوز عدده في الليلة الاولى الف شخص وزاد كثيرا في الليلة الثانية. وفي ختام المسرحية التقى الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مع مؤلفها وملحن اغانيها الفنان الكبير منصور الرحباني وتجاذب معه الى جانب مخرج المسرحية الفنان مروان الرحباني اطراف الحديث حيث هنأ سموه الفنانين المبدعين على هذا العمل المسرحي العظيم الذي ترجم حياة شاعر عربي مرموق بكل صدق وواقعية بأسلوب حضاري مشوق. واعرب سموه عن تثمينه لهذا الانجاز الفني الرائع الذي تضافرت فيه كل الجهود من مؤلف وملحن ومخرج ومؤلف موسيقي وابطال وفنانين وفنانات ومهندسي ديكور المسرح الذي صمم من وحي احياء مدينة بغداد والكوفة واهرامات القاهرة وفسيفساء بلاد فارس ومصممي رقصات وملابس وغيرهم. ثم تفضل سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بمصافحة وتهنئة الابطال فردا فردا مباركا ومقدرا لهم عطاءهم وحضورهم على المسرح الذي قال عنه سموه بأنه مسرح الفن الراقي المجرد من اي رتوش او خدع مضللة. مسرحية تاريخية امتزجت فيها التقنية والبطولة والحماسة والفروسية والفن والشعر والاداء والهندسة والازياء والاهم من ذلك الابداع الفكري الذي تجلى في التأليف والتلحين والاخراج والتوزيع الموسيقي وكلها من مدرسة الرحابنة المعروفة شرقا وغربا والتي خرجت فنانين وفنانات عظاماً في مقدمتهم الفنانة العملاقة فيروز التي ما فتئت قادرة على العطاء الفني الراقي واثراء الفن والغناء العربي الاصيل بابداعاتها المتميزة. والمسرحية تحكي قصة حياة الشاعر العربي العباسي فارس الكلمة وشاعر الوجدان أبو الطيب احمد بن الحسين الملقب بالمتنبي الذي ولد بالكوفة عام 303 هجرية, 905 ميلادية ونشأ في اسرة متواضعة الحال ولكن والده اهتم بتربيته وحرص على تثقيفه حتى اضحى محبا للعلم. ابو الطيب المتنبي احب حياة البادية وتردد عليها حتى اكتسب منها الصلابة والرجولة والفصاحة والفروسية. كان طموحا محبا للجاه وباحثا عن الشهرة والمجد معتدا بنفسه ايما اعتداد مكافحا بقوة حتى استطاع ان يتصل بسيف الدولة الحمداني امير حلب في سوريا آنذاك فأقام في امارته وفي كنفه تسع سنوات مدح خلالها سيف الدولة بعشرات القصائد من خير وأفضل ما كتب حتى سميت قصائده في مدح سيف الدولة (بالسيفيات). كان المتنبي قريبا جدا من سيف الدولة حتى طلب منه ان يوليه امارة صيدا ولكن الحساد الواشين نجحوا في الكيد له عند امير حلب مما اضطره الى مغادرة حلب والتوجه الى مصر طالبا ود كافور الاخشيدي بيد انه لم يجد ما يظفر به من مجد وشهرة وغادر مصر وهجا كافورا بعد ان كان مدحه ببعض القصائد. ورحل من مصر الى العراق ومن ثم الى بلاد فارس حيث مدح هناك عضد الدولة البويهي ووزيره ابن العميد ولكنه قال مقولته المشهورة (سيف الدولة يعطي طبعا وعضد الدولة يعطي تطبعا), فأثار غضب عضد الدولة عليه وخرج عائدا الى العراق حتى لاقاه فاتك الاسدي وقومه فقتلوه وابنه وغلامه بعد ان قاتلهم قتالا شديدا وتم ذلك سنة 354 هجرية. وقبل أن يقاتلهم حاول تغيير الطريق الى الكوفة لكن غلامه صاح في وجهه وهو يذكره بما قاله من شعر فخر وسأله ألست القائل: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم قال المتنبي ويحك يا ابن الجني فوالله الآن عرفت كم ان الكلمة قاتلة.. ولأجل هذا الشعر ان يبقى متألقا وعظيما, علي ان أذهب اليهم وأقاتلهم فإن قصائدي رسمت مصيري.. وكانت نهاية المتنبي بعد ان تآمر عليه عضد الدولة وفاتك الاسدي وقومه وهو الذي كان هجاه المتنبي وخاله واخته أم ضبه. وكانت كلمات المتنبي الاخيرة قبل موته.. لا للهرب.. ونعم لموت مأساوي لاجل ان تبقى للكلمة قيمة.. وللموت نكهة البطولة. هكذا انطفأت حياة شاعر البطولة والحماسة والفروسية والحب الذي اعتنق فلسفة القوة, وسعى وراء المجد بكل ما في نفسه من قوة وطموح وكفاح واعتداد بالنفس أليس هو القائل: أنا الذي نظر الاعمى الى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم وعرف عن المتنبي وهو في كنف سيف الدولة في حلب انه اغرم بشقيقته الاميرة خولة واصبح عشقهما حديث سهرات حلب حتى ضاق سيف الدولة ذرعا بالمتنبي وبحبيبته خولة وحرمهما امنية الزواج لانه امر بابعاد المتنبي الذي غادر الى مصر وطلب من شقيقته مغادرة حلب الى الضيعة مسقط رأسهما ليبعدها عن حبيبها وتنسى حبه. منصور الرحباني هذا الفنان المميز القادم الينا من بلاد الشام نسج خيوط واحداث المسرحية بكل حنكة وتناغم وتسلسل زمني محكم استطاع من خلال عمله هذا ان ينقلنا كمشاهدين لاكثر من ساعتين من الزمن لنعيش واقعا حقيقيا مع حياة الشاعر الخالد الكوفي المولد الحلبي الهوى عشنا هذا الواقع بكل بطولاته ومآسيه ومجده وتألقه وحزنه على فراق حلب وهجره لمحبوبته خولة. منصور الرحباني عبر عن فهمه لحياة المتنبي قائلا انا فهمته شاعرا مأساويا.. ونبيلا ينحدر من سلالات سيدة. فهمته عربيا وحدويا من خلال شعره الذي يقول فيه: ارسلني الشعر سيفا من اللهب جاء يرد المجد للعرب يهتف بالجيوش ان عودي الى الغضب ويضيف الرحباني: فهمته عاشقا حزينا, يهب عليه كل ليلة صوت امرأة كطائر البرق ويصعقه.. هذا ما تبوح به قصائده.. والمتنبي هو قصائده فلا انفصال بين الشاعر وشعره ولأجل ان نعرفه اكثر علينا ان نعيد اكتشاف هذه القصائد فالألف سنة التي مرت على اغتياله بيد فاتك الأسدي وقومه مازالت تدعونا الى المزيد من التعمق في حياة هذا الرجل المثير للجدل في عصره العباسي وحتى يومنا هذا. من أنت يا متنبي؟ يقولون لي ما انت في كل بلدة وما تبتغي؟ ما أبتغي جل ان يسمى واني لمن قوم كأن نفوسهم بها أنف ان تسكن اللحم والعظما وماذا تريد؟ أريد من زمني ذا ان يبلغني ما ليس يبلغه من نفسه الزمن ان أصولا نبيلة تكشف عن ذاتها في أبياته هكذا يقول منصور الرحباني في معرض استعراضه لفهمه عن حياة شاعرنا البطل ويضيف: ان هذه العظمة الشائعة في اقاليم نفسه تنفي حكاية نسبه الى والد يسقي الماء بالكوفة وانها من اختراع وتلفيق بعض الشعراء المغمورين في بغداد بإيعاز من الوزير المهلبي الذي ترفع المتنبي عن مدحه شعرا ومدح رئيس وزرائه قائلا لهما.. لقد احبطتم الخلافة, ولعل سيف الدولة عرف شيئا عن نسب المتنبي الذي كان يكتمه فسمح له بانشاد الشعر جالسا وبعدم تقبيل الارض بين يديه.. كان هذا الرجل اي المتنبي الآتي من الغموض يحلم باستعادة المجد العربي فالخلافة العباسية تنهزم والأمراء استقل كل واحد بدولة وليس الا سيف الدولة جعل من نفسه حامياً للثغور العربية والاسلامية فبات المتنبي يرافقه في المعارك يشحذ همم الجنود ويحمسهم ويعبئهم بالمجد والطموح وبإرادة النصر فينتصرون فهو الذي كان يشعر شاحذا للهمم ولأهل العزم. على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم وتعظُم في عين الصغير صغارها وتصغُر في عين العظيم العظائم أتوك يجرّون الحديد كأنهم سروا بجياد مالهن قوائم اذا برقوا لم تعرف البيضُ منهم ثيابهم من مثلها والعمائم خميس بشرق الارض والغرب زحفه وفي أذن الجوزاء منه زمازم تجمع فيه كل لُسنِ وأمةِ فلا تفهم الحُداث الا التراجم هكذا بدا لنا المتنبي (مالىء الدنيا وشاغل الناس) من خلال المسرحية التي تعنونت باسمه وكان أبطالها من عمالقة الفن العربي فمنهم الفنان المطرب غسان صليبا الذي تقمص دور المتنبي فقد انصفه الدور وكان حريّا به لانه تألق أداء وحضورا وصوتا جبليا ولغة عربية سليمة, وحبيبته الأميرة خولة التي أدت دورها الأميرة الفنانة الصاعدة كارول سماحة التي غنت ضد الطائفية والمذهبية في بلدها لبنان فقد أبدعت كارول حضورا وأداء ومشاعرا وصوتا انثويا كان مطلوبا في الدور الذي أدته وهي التي قالت لحبيبها المتنبي: يا أنت من وهم ويا أنا لن نلتقي, يهدر بيننا بحر من السيوف والرماح خيوله مسرعة بنا.. سنحصد الخيبة مثل حالم أيقظه الصباح. اما الفنان السوري العربي المميز جمال سليمان فقد عبر عن ذاته بقوة الحضور والثقة بالنفس وبرصيده الكبير من حب الجمهور واستطاع ان يؤدي دوره بكل حكمة وتبصر وهدوء انه سيف الدولة. وصباح عبيد الفنان العربي السوري العملاق في جسمه وأدائه وحنجرته فقد تألق حضورا وجدّية وهو يؤدي دور كافور الاخشيدي فهو الذي قال... هذه افكار سيده سيف الدولة يقصد (المتنبي) ان يكن هو عربيا من الكوفة او من حلب فأنا اخشيدي مالي ومالهم أنا لست عربيا. والفنانون بول سليمان (فاتك الأسدي) وزياد سعيد (أبو العشائر عضد الدولة) وعمر ميقاتي (التاجر أبو هيثم) ونزيه يوسف (ابن جنّي) الذي قال.. يا أبا الطيب ومن سيف الدولة الى كافور, الى عضد الدولة, والمارد فيك ينهار والعرب يزدادون تباعدا.. فلا السيف وحدهم ولا القصيدة. يا أبا الطيب ايها المستوحش الوحيد يا من تبتغي جل ان يسمى لم أعد خائفا عليك من الغرباء الذين قاتلتهم, خوفي عليك من مواطنيك... نخبة من الفنانين العرب المبدعين ساهموا في ابراز هذا العمل المسرحي الغنائي الاسطوري الذي نال اعجاب الجماهير وتقديرهم لهذا الفن الراقي الرفيع المترفع عن كل ماهو مبتذل وما أكثر هذا الفن الوضيع المبتذل في أيامنا هذه فلا الأغنية العربية الحديثة ولا السينما العربية المعاصرة ولا المسرح العربي الراهن يخلو من هذا الاسفاف الذي يرفضه الذوق العربي وتمقته الأصالة العربية فنحن نطالب فناني العرب في المشرق والمغرب ان يسموا عن الاسفاف والابتذال والتجارة وان يثروا الفن العربي والذوق العربي بمثل هذه الاعمال الراقية التي تعيد للفن العربي مجده ومكانته على خريطة الفن الانساني عموما. فمزيدا من العطاء والابداع تطالب به الجماهير العربية كل الفنانين العرب وان يسيروا على خطا الرحابنة الذين ستبقى مدرستهم الفنية بكل انواعها ومبادئها وتاريخها الحافل بالمجد والسؤدد خالدة ورائدة وشعلة تضيء عتمة ليل فننا العربي الطويل. كتب وليد العارضة:




