مفارقة بالغة الدلالة تلك التي تجعل فيلما مصريا يحتل المركز قبل الاخير في عدد النسخ ويحقق المركز الاول في شباك التذاكر في اسبوعه الاول, فمازال سوق المتعة هو الجواد الرابح الوحيد وقد اعلن تماسكه وتحديه لكافة الافلام المعروضة بداية من (ليه خليتني احبك) و(الوردة الحمراء) و(فرقة بنات وبس), وخاصة اذا ما وضعنا في الاعتبار ان قرابة 50 في المئة من دخل (سوق المتعة) يحقق اكتساحه في دور العرض في وسط البلد رغم ان عددها لا يزيد على 3 دور عرض فقط. و(سوق المتعة) فيلم قمة في الغرابة رغم ان قضية الحرية هي من القضايا التي تشغل اذهان المبدعين في كافة انحاء المعمورة لأنها تمس جوهر حياة الانسان, ومنها تنطلق كافة معاني الحياة النبيلة والاحساس بنعمتها ولكن تجدها تعرض كبضاعة. وقد جاء اسلوب عرضها بطريقة رخيصة او سوق للمتعة والسجن والاهانة. رغم كل هذه المتناقضات فهناك الحرية ونقيضها من معاني القيد والقهر والاستبعاد والاستبداد ليكون هناك سلسلة من الصراعات بين النقيضين يقودها المحرومون من هذه الحرية. (سوق المتعة) حمل الكاتب وحيد حامد والمخرج سمير ابو سيف قضية الانسان الذي فقد حريته وكيفية مواجهته المحنة وهو يواجه قوى خفية تفوق كثيرا قدراته المسالمة. لكن الفيلم جاء اشبه بالوليمة التي لا تحتوي على كل ما لذ وطاب من الموائد العامرة من العاملين بوزارة الثقافة الداعين بالحفاظ على القيم انها وليمة من نوع اخر تفجرت جميعها في وجه العاملين بوزارة الثقافة الداعين بالحفاظ على قيم المجتمع والمتشدقين بما هو مقبول. وليمة تفوق (وليمة اعشاب البحر) اياها والتي سببت الكثير من اللغط في الشارع. الوليمة هنا زاخرة بالمشاهد الفاضحة والمبتذلة في اطار اقرب الى الكوميديا السوداء, ابطالها محمود عبدالعزيز والهام شاهين اللذان قدما لنا وليمة رخيصة الثمن عارية المضمون. الفيلم يبدأ بمفاجأة لوحيد حامد وهو السجين المظلوم الذي قضى 20 عاما من ازهى سنوات العمر وراء القضبان. ويخرج في نهاية المدة لتكون هناك مفاجأة ثانية في انتظار ابطالها الذين ظلموه في المرة الاولى وادخلوه السجن في عملية تهريب هيروين هو بريء منها بتسليمه نصيبه من الصفقة تبلغ سبعة ملايين من الجنيهات وتصحبه سكرتيرة حسناء ومدير اعمال نشط في سيارة شبح الى احد الفنادق ذي الخمس نجوم ليعيش حياته. وتكون من مهام مدير الاعمال والسكرتيرة العمل على اضفاء السعادة على هذا السجين وتلبية كل رغباته من طعام ونساء. ولكن هذا السجين المحظوظ يواجه في (سوق المتعة) قضية جديدة ومبتكرة بعد اكتشافه لتحوله الى انسان دائم الارق والقلق بعد ان قضى معظم سنوات عمره على (البرش) ولا يستطيع التبول في حمام مغطى جدرانه بالرخام الانيق بعد ان تعود على الجردل بدلا من التواليت ولا يستطيع ان يدخن سيجارة جديدة الا بعد ان يطأها بقدمه ليدخن (العقب) الذي استمتع مذاقه 20 عاما. والادهى من ذلك انه لا يستطيع ان يعاشر امرأة جميلة مهما كانت انوثتها متفجرة بعد الكبت الذي عاناه في السجن. وان كانت الفكرة لم تقف عند هذا الحد بل اخذت بعدا فلسفيا يكتشفه المشاهد بسهولة فمواقف السيناريو توضح كيف ان الزمن يؤكد العادة السرية فلا يستطيع التخلص منها او طردها ليكون لسان حال المؤلف بأن السجن لم يأخذ السنوات العشرين من عمره ولكنه اخذ اكثر من هذا بكثير, فلقد اصبحبداخله. وعادات السجن هي عاداته التي لم ولن يستطيع التخلص منها. واصبحت الحرية بالنسبة اليه عالما غريبا واصبحت العلاقة بين المؤلف والناقد كطرفي مقص كلاهما مشدود للآخر لكن كل منهما يسير في اتجاه معاكس حينما يسعى السجين الى القيد بالاغلال من جديد. هكذا يستفيد السجين المحظوظ بالملايين التي يملكها في شراء قطعة ارض يقيم عليها معتقلا و(زنزانتين) للمساجين وكذلك مأمور السجن الذي ترك الخدمة. ويعيش الجميع حياتهم القديمة من جديد ويستسلم السجين المحظوظ مرة اخرى لوحشية مأمور السجن بالقهر والاهانة. خيال لا وجود له الا في خيال الكاتب ولكنه بعد فلسفي الى حد كبير بعد ان اراد ان يقول للجميع هل الطائر الذي اعتاد السجن داخل قفص يقدر على الطيران من جديد؟ او كيف يكون حال اسد السيرك اذا اعيد للغابة؟ بالطبع سيفقد الكثير من مقوماته السيكولوجية والبيولوجية بحكم الاعتياد على القهر والقيد والاذلال والحرمان, وهذا بالطبع ما وقع لبطلنا ابو المحاسن (محمود عبدالعزيز) عقب خروجه من السجن ووجد نفسه مرمطونا في مستوقد فول, وفجأة يزوره فاروق الفيشاوي ويمنحه كنزا يشبه بأسطورة فاوست الشهيرة التي تحالف فيها انسان مع الشيطان لكي يمنحه الاخير الحياة. وبالفعل منحه الزائر الغامض الملايين بحجة انها عائدة لصفقة لا يعلم عنها شيئا ولكنه كان ضحيتها وتفتح الدنيا له ذراعيها بعد ان كان معوقا راضيا بقدره ومصيره. وحتى لا يتساءل المشاهد بين كل مشهد وآخر هو ده معقول؟ يجب ان نقول ان الفانتازيا في السينما خلقت للايحاء بمثل هذه الافكار ولا يمكن تحقيقها من خلال الاسلوب المباشر والواقعي في الاخراج خاصة عندما يجيء المشهد الاخير من الفيلم والذي يقرر فيه السجين ان يلتقي مع مسئول بالمافيا الذي كان السبب في سجنه. يقرر ذلك رغم التحذير الذي تلقاه في البداية الا يحاول ان يعرفه والا لقي حتفه, ويدخل في صراع رهيب بينما يلقى نهايته. انه مشهد يوحي بدوره بصراع الانسان مع القدر وهو صراع كان يحتاج الى (الفانتازيا) لأنه يبعد كل البعد عن الواقع الذي يعيشه فالقدر يبدو وقد جسده انسان. واذا ما تحدثنا عن محمود عبدالعزيز فقد ابدع كما لم يبدع من قبل. صال وجال حتى انك تخال انه لا يمكن لغير محمود عبدالعزيز ان يجسد هذه الشخصية الدرامية المبتكرة. قدم الشخصية بكل ابعادها. كانت شخصيته ليست الشخصية المحورية في الفيلم فحسب ولكنها ايضا الشخصية التي قدمت كل الايحاءات بكل اسقاطات العمل الفني. موسيقى نبيل ماهر ساهمت في تجسيد الايحاءات بفلسفة الفيلم في اغلب المشاهد فضلا عن الديكور بما يتماشى مع الواقع المفروض في الفيلم خاصة السجن الذي شيده السجين المحظوظ وان كانت الاسقاطات ليست محلها شاشة سينمائية وانما اروقة الشواذ لكونه يثير القرف والاشمئزاز. القاهرة ـ عبداللطيف خاطر: