في بغداد.. ظاهرة ثقافية بارزة, لا يمكن لاي مثقف ولاي ضيف من ضيوف بغداد من المعنيين في شئون الثقافة.. ان يتجاهل سوق الكتب صباح كل جمعة والذي يعرف بــ (شارع المتنبي). هذا الشارع الضيق على الرغم من حيويته طوال أيام الاسبوع, الا ان يوم الجمعة يعتبر.. يوماً حافلاً ليس بالكتب والكتاب, بيعاً وشراء, وانما هو شارع يشهد كل اللقاءات الحميمة لاساتذة الجامعة والصحفيين والادباء, وهو الى جانب ذلك يعد عملا للصحفيين, حيث يلتقون ابرز وجوه الفكر والابداع وتجري حوارات خصبة ونقاشات حادة في المقهى القريب من شارع المتنبي يطلق عليه اسم (مقهى حسن عجمي) وليس من أحد يزور الشارع وبخاصة صباح الجمعة دون ان يمر بالمقهى ليشرب شاي حسن عجمي, واذا غيّر البعض المكان احياناً فليس له ان يخرج عن (مقهى الشابندر) او (مقهى الزهاوي) حيث ان المقاهي الثلاثة قريبة الى بعضها, وروادها من المثقفين والموظفين المتقاعدين.. الذين مازال الكتاب شاغل حياتهم. في شارع المتنبي.. تجد جميع الكتب, ومن النادر جدا ان يخرج المرء دون ان يكون حاملاً كتاباً او مجلة او صحيفة.. ودون ان يجد اكثر من صديق هناك كان على موعد او بدون موعد.. فالجمعة موعد تقليدي للقاء. كذلك.. يجد البعض احدث الكتب والمجلات مستنسخة, ولكن بأسعار يصعب على الكثيرين اقتناؤها.. مما يجعلهم يؤجرونها ليوم او لعدة ايام لقاء مبلغ مادي يتفق عليه.. وما لا يجده القارىء (المدمن) على قراءة الصحف والمجلات الحديثة ــ العربية خاصة ــ يجد العديد منها في جمعة المتنبي.. وما لا يتوفر من كتب جامعية او مصادر تراثية.. يجده في جمعة المتنبي.. والصحافة التي تبحث عن مواد جيدة تغني رسالتها الثقافية الجادة, تجده في كتابات يحملها اصحابها معهم.. ويتسلمها الصحفيون لنشرها, اعتزازاً بكتابها الذين بقي الهاجس الثقافي هاجسهم.. وتشير مجلة (الكتاب العراقي) التي صدر العدد الاول منها في سبتمبر 2000 عن اتحاد الناشرين, الى شارع المتنبي قائلة: (شارع المتنبي طوله 200م وعمره اكثر من (1000) سنة, يبدأ من سوق السراي ــ اول سوق عراقي انشئ اواخر العهد العثماني وبداية تأسيس الدولة العراقية ــ وهو سوق متخصص ببيع الكتب والقرطاسية واللوازم المدرسية..) كان سوق السراي يسمى بشارع الاكمك خانة في الثلاثينيات والاربعينيات.. وتضيف مجلة (الكتاب العراقي) قائلة: (السيد نعمان الاعظمي كان صاحب (المكتبة العربية) اول من فتح مكتبة لبيع الكتب في سوق السراي عام 1908 واستمر اكثر من (50) عاماً, ثم افتتحت (المكتبة العصرية) للسيد محمود حلمي عام 1914 وبعد (50) عاماً باعها الى الاديب صادق القاموسي وأصبحت تحت ادارته منذ عام 1964 حتى وفاته, حيث انتقلت الى نجله: اياد القاموسي وهي اول مكتبة انتقلت من سوق السراي الى شارع المتنبي في الاربعينيات. وافتتحت مكتبة الشرق ــ اصدر عنها د. عماد عبدالسلام كراساً باسمها ــ استناداً الى معلومات من أحفاد الملا خضر / صاحب المكتبة.. وقد سبق وان تأسست مكتبة الزوراء سنة 1930 تيمناً بجريدة الزوراء التي كانت تصدر آنذاك.. كما افتتحت المكتبة الاهلية سنة 1932 والمكتبة الحيدرية سنة 1938 ومكتبة المتنبي لقاسم محمد الرجب) وتعتبر مكتبة المتنبي القائمة في قلب شارع المتنبي والمجاور لسوق السراي, من أهم مكتبات بغداد الاهلية, وكان صاحبها يصدر مجلة شهرية باسم (المكتبة) يعرض فيها لاحدث الكتب العربية والاجنبية التي ترد الى بغداد.. الا ان هذه المكتبة قد تعرضت الى حريق قبل أشهر قليلة وتسبب الحريق في اتلاف مئات من الكتب المهمة والنادرة. ويقول الاستاذ: قحطان حبيب الملاك في كتابه: (شارع المتنبي / ناس وحكايات) والصادر حديثاً عن مكتبة الدفة ــ بغداد 2000 ان شارع المتنبي قد عرف اعلام الادب والفكر في العراق, ويورد اسماء بعضهم: الرصافي, الزهاوي, الكرملي, الخليلي, مصطفى جواد, يوسف غنيمة, العلامة د. جواد علي ــ الذي يعد كتابه تاريخ العرب قبل الاسلام, اهم مرجع في هذا الميدان ــ ود. عبدالجبار عبدالله ــ واحد من علماء الفلك في العالم, رئيس جامعة بغداد قبل 40 عاماً ــ ود. مهدي المخزومي وسواهم من المبرزين في الثقافة الوطنية.. وقد اتسعت المكتبات الشخصية والتي تمتد على ارصفة هذا الشارع بعد عام 1991 حيث قام عدد كبير من اساتذة الجامعة والادباء والفنانين ببيع كتبهم مباشرة او عن طريق اصحاب المكتبات.. حتى تحول بيع هذه الكتب الى ظاهرة تشير الى الاحباط الذي لحق بالمثقفين ويأسهم من الدور الذي يمكن ان تلعبه الثقافة في حياة المجتمع, او بسبب الحاجة المادية التي يواجهونها.. .. ويرتفع صوت نعيم الشطري معلنا عن بيع كتاب ما في المزاد العلني, يتجمع الناس حوله.. يزيد البعض, ويتأمل البعض الاخر, فيما يتجول عازف الناي ذهاباً واياباً معلناً عن بيع قصبة الناي.. والذي بات من معالم جمعة المتنبي.. ويضج الشارع بالحركة, يتداخل مع سوق السراي والقشلة ــ المحاكم القديمة ــ ويملأ المتنبي الدنيا ــ حياً وميتاً ــ يصبح ذاكرة الكتب كلها.. ويتحول الى رمز للمعرفة والابداع في بغداد الأزل..