اليوم, الحزن يليق (بالجميلة), فاليوم ذكرى تجربة الوحدة الرائدة بين مصر وسوريا سنة ,1958 التي فجرت طوفانا من مشاعر الفرح والأمل من المحيط الى الخليج, ثم غدر بها وبآمال الأمة ومشاعرها, فكان ذلك نذيرا ببدء انحسار المد القومي الواعد. والوحدة ــ بالنسبة الى (الجميلة) ــ هي الحصن الحصين الذي تعز بعزته, والذي يمنحها العافية والحيوية, ويكفل لها المكانة اللائقة بها, بين لغات الحضارة الحديثة في العالم, وذلك لما تعنيه من جمع شتات نحو ثلاثمئة مليون عربي, يملكون اهم الطاقات الاستراتيجية, وفي طليعتها الطاقات البشرية الوافرة والمبدعة, ويملكون تراثا هو الاغنى وصاحب الفضل الاكبر في مسيرة الحضارة الانسانية. الوحدة اذن هي حلم (الجميلة) الاكبر, وأملها الأعظم, الذي طالما دعت اليه, وحثت عليه, واستنهضت الهمم من أجله, وتغنت به على ألسنة ابنائها من المفكرين والأدباء والشعراء والفنانين, من المحيط الى الخليج, وجيلا بعد جيل. ولا تنسى (الجميلة), كيف ازدهرت ــ في زمان الوحدة ــ بتوحيد مجمعي اللغة العربية المصري والسوري, وكيف وحدت مصطلحات الحياة العامة في البلدين (مثل رتب الجيش والشرطة), وكيف جرت وتدفقت مياه التواصل الفكري والثقافي والفني, وتقاربت اللهجتان المصرية والسورية, وتوهجت الروح العربية الوحدوية في خلايا الحياة الانسانية في البلدين. وتعتز (الجميلة) بديوان حافل من أدبيات وأشعار الدعوة الى الوحدة والتغني بها. في الخليج مثلا, هتف الشاعر الكويتي خالد الفرج سنة ,1926 متطلعا الى منقذ يوحد أقطار العروبة, كما فعل بسمارك بأشتات المانيا, فقال: من لي ببسمارك يضم صفوفه وعليه تجمع نفسها أشتاته فيعيد من هذي الممالك وحدة والعلم تخفق فوقها راياته وفي عمان, صرخ شاعرها الاكبر الشيخ عبدالله بن علي الخليلي, مستنهضا ومستنفرا نخوة الأمة: يا قوم, حتام يهوي في الحضيض بكم رأي شتات لأعدا غير أشتات فلما أشرقت التجربة الرائدة سنة ,1958 لم يبق في الوطن العربي شاعر الا شدا لها. قال كامل الشناوي, وتغنى بقوله عبدالوهاب: عرف الشعب طريقه وحد الشعب بلاده فاذا الحلم حقيقة والأماني ارادة وقال الشاعر العراقي عدنان الراوي: يايوم وحدتنا الكبرى وأنت غد في خاطر الشعب يا احلى امانينا من المحيط الى شط الخليج رؤى من النضال بديعات تمنينا تؤوب فيك جموع النازحين وقد طال المتاه وما نامت مآقينا أشرق على وطن الأحرار تجمعه من الشتات ويدنو فيك قاصينا لكن التجربة لم تعمر طويلا, وطعنت في الظهر, فتبدل فرح الامة وشدو شعرائها وفنانيها حزنا ثقيلا, وجرحا نازفا لا يندمل. واليوم, والذكرى تدور دورتها الثالثة والاربعين, تتطلع (الجميلة) زائغة العينين, باحثة عن ابنائها الشعراء, الهائمين في كل واد الا الوادي المأمول, وكلها رجاء ان يعودوا ويستحيوا امل الوحدة في ضمير كل عربي, ويؤججوا جذوتها الكافية تحت الرماد, ويرفعوا رايتها خفاقة وسط الرياح, كما فعل آباؤنا أثابهم الله. (الجميلة) تستنجد بأبنائها الشعراء والفنانين والادباء والمفكرين, ليبقوا نشيد الوحدة في القلوب وعلى الألسنة, لعل جيلا قادما يحقق أملها.