قد تكون الحيتان اكبر الحيوانات الثدية في العالم, لكن وجودها في المحيطات وهجرتها الموسمية يجعلان دراستها امراً صعباً للغاية. ومع استمرار التهديد الذي تشكله عمليات الصيد غير المشروع في انحاء العالم لهذا النوع من الحيوانات البحرية, يوفر علم الوراثة الان للعلماء اداة جديدة لمراقبة تعداد الحيتان. وكنتيجة لذلك يظهر الان نوع جديد من خبراء الحفاظ على الموارد الطبيعية يجمع بين قدرات عالم الاحياء الميداني ومهارات الباحث المخبري والحصيلة تتمثل في عالم وراثة متخصص في قضايا الحفاظ على الموارد الطبيعية. هاورد روزنباوم واحد من نوعية العلماء الجديدة هذه فهو مستقر في نيويورك ومتخصص في دراسة الحيتان, لكنه يمضي عامه متنقلاً بالتناوب بين قاعدته الميدانية في جزيرة (نوزي منجابي) في خليج (انتونجيل) بشمال شرقي مدغشقر, ومختبره في مانهاتن بنيويورك, حيث يقوم بتحليل البيانات, مستعيناً بادوات الابحاث الجينية. والبرنامج الذي يعمل فيه جاء حصيلة جهد مشترك من رابطة الحفاظ على الحياة البرية والمتحف الامريكي للتاريخ الطبيعي. ويقوم روزنباوم بدراسة الحيتان الحدباء التي تتجمع لتتوالد وتتناسل في خليج انتونجيل خلال شتاء نصف الكرة الارضية الجنوبي, مابين منتصف يوليو ومنتصف سبتمبر. ولذلك فهو يسافر إلى مدغشقر في اوائل أغسطس لينضم الى الفريق بعد اقامة القاعدة الميدانية قبالة شواطي جزيرة نوزي منجابي, لفهم كيفية تطبيق علم الوراثة في الجهود العلمية المبذولة للحفاظ على الحوت الاحدب. تتجمع اعداد الحيتان الحدباء في نصف الكرة الجنوبي في تكتلات منفصلة نسبياً في انحاء العالم. وتعرف اللجنة الدولية للحيتان سبع مناطق اساسية في المحيطات تحتشد فيها الحيتان في موسم التواليد التي يدرسها روزنباوم هي جزء من المجموعة (ج) التي يعتقد انها تتتغذى في المياه الصيفية الغنية بالعوالق بجنوب البحر المتجمد الجنوبي, وتعود ادراجها شمالاً في الشتاء للتجمع والتناسل في خليج انتونجيل. ويتم هذه السنة توسيع نطاق ابحاث روزنباوم ومده إلى مناطق اخرى في نصف الكرة الجنوبي, بالتنسيق مع جهود اخرى في الاطلسي وغرب المحيط الهندي, بما في ذلك البرازيل وجنوب افريقيا وجزر القمر ففريقه يغطي ثلاثاً من مناطق التوالد السبع الاساسية في نصف الكرة الجنوبية, وهو يتعاون أيضاً مع باحثين اخرين في المناطق الاربع الاخرى. يبحر روزبناوم مع فريقه في قارب سريع متطور للقيام بجولات مدروسة قبالة شواطىء جزيرة (نوزي منجابي) وحالما تقع اعينهم على مجموعة من الحيتان يشرعون بجمع البيانات أولاً, من خلال نظام تحديد المواقع الارضية بواسطة الاقمار الصناعية (جي. بي. اس) ثم يلتقطون صوراً للحيتان باستخدام كاميرات رقمية متطورة. وبادخال البيانات الى جهاز كمبيوتر يتم معالجتها ببرنامج خاص يظهر موقع واتجاه حركة الحيتان على خارطة المنطقة. ويحاول الفريق تتبع الحيتان لاخذ عينات من انسجتها الحية تتم دراستها لاحقاً لتحليل بياناتها الوراثية في مختبر مانهاتن على بعد 9000 ميل من مدغشقر. ومن اجل كل تحليل يستخدم روزبناوم شفرة معقمة لنزع شظية دقيقة لتكون عينة من جلد الحوت الثمينة. ويحتفظ بالطبقة الدهنية لاخضاعها فيما بعد لاختبارات علم السموم التي تحدد مستويات الملوثات العضوية الموجودة في الحيتان الحدباء. ويأمل الباحثون ان يتمكنوا من تحديد حجم وهيكلية تجمعات الحيتان الحدباء في مدغشقر وفي بقية انحاء نصف الكرة الجنوبي. وباستخدام التقنيات الجينية الحديثة والبيانات الفوتوغرافية. المحوسبة, يمكن للعلماء رصد حركة كل حوت على حده من تلك التجمعات للاجابة عن اسئلة مثل: هل تتنقل الحيتان فيما بين مناطق التناسل الاساسية ام ان كل مجموعة من الحيتان معزولة وراثياً عن المجموعات الاخرى؟ ويعلق العلماء أهمية كبيرة على الاجابة عن هذا السؤال لانه اذا كانت الحيتان لا تتنقل فيما بين المجموعات المختلفة, عندها يجب التعامل مع كل مجموعة تناسل على انها مجموعة منفصلة مميزة, وهذا يعني انه حتى عمليات الصيد المحدودة قد تؤدي, في حال استئنافها إلى انقراض مجموعة بأكملها. وسيساعد روزنباوم وفريقه من الخبراء المختصين في صنع قرارات حاسمة بخصوص ادارة الحيتان والتعاون مع السلطات المحلية والاقليمية من اجل حماية المناطق الحساسة مثل خليج انتونجيل في مدغشقر. ويكتسب هذا النمط من الابحاث اهمية خاصة هذه السنة, حيث ستجتمع اللجنة الدولية لصيد الحيتان مرتين لمناقشة اقتراحات برفع الحظر المؤقت المفروض منذ 14 عاماً على عمليات الصيد التجارية. وهكذا فان التطبيق الجديد لعلم الوراثة في جهود الحفاظ على الموارد الطبيعية بشكل عام, وفي محاولات قراءة مستقبل الحيتان بشكل خاص, جاء في التوقيت الامثل.