ارتبطت حياتنا بالبحر منذ امد بعيد والبحر يعني لنا الحياة والخير والعطاء لا ندري من دونه كيف تكون حياتنا, هذا ما قاله الوالد خلفان بن سيف بن بدر في بداية حديثه عن ذكريات الامس وأضاف الوالد خلفان قائلا عشقت البحر منذ صغري وكل ما احمله في جعبتي من ذكريات الامس الجميل هي عن البحر والغوص, وصيد الاسماك وتجارة اللؤلؤ وأرجع الوالد خلفان سر التعلق بالبحر الى عمل والده في البحر وتجارة اللؤلؤ بل كان والده علما من اعلام هذه التجارة في عجمان وكان يمتلك سفنا كبيرة وعديدة تخرج شهورا لرحلة الغوص وتأتي محملة بكنوز البحر المتنوعة من اللؤلـؤ, اضـافـة الى ذلك كان لوالده اكبر مصنع للسفن بعجمان ويعرفه الجميع الى ان اصبح كبيرا في السن ومختصا في حل النزاعات التي تحدث احيانا بين النواخذة في البحر وعاش والده من العمر مئة عام, وفي هذه الاجـواء العابقة بعبير البحر عاش الوالد خلفان وما زال مرتبطا بالبحر كما يتولى الآن منصب رئيس جمعية الصيادين في عجمان. الطفولة الجميلة يقول الوالد خلفان في بداية حديثه ولدت في عجمان سنة 1938م وفي ذلك الوقت لم تكـن هنـالك شـهادات ميـلاد او اوراق رسمية يسجل فيها المواليد, ولكن تعرف السنوات عن طريق الاحداث المهمة في حياة المجتمع وترعرت في اسرة ميسورة الحال, تتكون من الاب والام وثلاثة ابناء, كنت انا اوسطهم. وعن طفولته يذكر الوالد خلفان بن سيف ان الطفولـة جميلـة اينمـا كانت رغم اختلاف حياة الأمـس عن حياة اليوم المترفة وأكد الوالد خلفان بأنه قضى اجمل سنوات العمر مع اقرانه في رمال شاطىء عجمان يشيدون اجمل القصور في الرمال بمنتهى الحب والسعادة ويلعبون الالعاب الشعبية المختلفة التي عرفت في مطلع الاربعينيات من هذا العصر وقال الوالد خلفان اجمل لحظة انتظـار وترقـب كانت تتمثل في عودة سفن الغوص والاهالي من رحلة الغوص وهم يحملون كل انواع اللؤلؤ والاشواق لذويهم. بدء الدراسة ويواصل الوالد خلفان سرد ذكرياته عن الامس, قائلا عند ما بلغت سن الخامسة ذهبت مع اخوتي الى المطوعة وهي تدعى نافجة من اجل حفظ القرآن الكريم وكنا نتعلم بنين وبنات مجتمعين في منزل المطوعة نتلو الآيات القرآنية بصوت واحد والحمد لله حفظت اجزاء عديدة من كتاب الله وبعد ذلك التحقت بأول مدرسة في عجمان في ذلك الوقت وكانت عبارة عن حجرة واحدة ومعلم واحد وهو الاستاذ ناصر محمد الذي يكن له ابناء جيلنا كل حب واعتزاز واحترام لما قدمه الينا من علم ومعرفة وكان في ذلك الوقت اهم شيء ان يتعلم الصبي مباديء القراءة والكتابة وبعض مبادىء الحساب اضافة الى ذلك في ذلك الوقت لم تكن هناك مدارس نظامية كما عليه الحال الآن وكانت المدارس الموجودة تعد على اصابع اليد الواحدة, وفي هذه الاثناء توفي والدي, مما توجب علي ان اعمل واعتمد على نفسي اضافة الى ذلك يذكر الوالد خلفان احداث الحرب العالمية الثانية وما ترتب عليها من اثار سلبية على حياة الناس بسبب كساد تجارة اللؤلؤ ويروي الوالد خلفان قائلا, مرت سنوات عصيبة على الناس في الامارات مما جعل معظم الشباب يطرق باب الهجرة والاغتراب لتوفير لقمة العيش الكريمة, وبدوري سافرت الى السعودية ومكثت في اول رحلة عشرة شهور ثم رجعت الى عجمان لم ترق لي الغربة وذلك لقسوة الحياة في الغربة ولكن الظروف اضطرتني مرة اخرى ان اعود للعمل في السعودية وهذه المرة قضيت بها ثلاث سنوات متواصلة اعمل ليل نهار ثم رجعت نهائيا الى عجمان, وعملت في مصنع طابوق صغير الى جانب ممارسة مهنة صيد الاسماك واستقر بي الحال وتزوجت. وحول مراسم الاحتفال بالزواج بالامس, يرى الوالد خلفان ان الاحتفال بالزواج في حياة الامس كان اجمل وأفضل من احتفالات اليوم التي تنتشر فيها مظاهر البذخ والشرف التي تترك بعدها الكثير من الديون والهموم للمعرس وهو مقبل في اول حياته الزوجية, ويذكر الوالد خلفان يوم زواجه بأنه لم يكلفه سوى القليل من الروبيات وتجمع الاهالي وأكل الجميع ورقصوا العيالة وفرحوا فرحا حقيقيا. اما عن مراسم الزواج اليوم فيقول الوالد خلفان لا تهتم بالفرح بقدر ما تعنى باظهار الوجاهة الاجتماعية ولا يحضرها الفقراء حيث تقام الافراح في الفنادق, مؤكدا بأن مظاهر الاحتفال في الامس كانت مظهرا اجتماعيا يشارك فيه الجميع ويأكل فيه الفقراء والمحتاجين مما يدل على الترابط والتكافل الاجتماعي الحقيقي. وعن فترة شبابه وذكرياته يقول الوالد خلفان, بأن شباب الامس كان اكثر مسئولية من شباب اليوم بحيث طرقوا ابواب العمل في سن يافعة وصقلتهم الحياة وهم صغار السن, ويذكر الوالد خلفان تجمع الشباب في حلقات بالمجالس للاستماع للقصص والحكايات التي تحكي عن رحلات الغوص والبحر وأحيانا تلقى قصائد الشعر الشعبي والازجال. ويرى الوالد خلفان ان فترة الستينيات كانت حياة مليئة وخصبة في حياته منها سباقات قوارب (الشواحيف) التي تجري في المناسبات والاعياد وكانت هذه المسابقات من ام القيوين الى عجمان وأحيانا تمتد الى الشارقة ويشارك فيها الشباب لاظهار مدى قوتهم وصلابتهم والكل يسعى الى الفوز اضافة لسباقات الهجن التي كانت تجري من فترة الى اخرى وايضا يشارك فيها الشباب وفي هذا السياق اشار الوالد خلفان باهتمام اصحاب السمو الشيوخ حكام الامارات لحفظ هذا التراث وتشجيعهم للشباب لممارسة هذه الرياضات الشعبية المتوارثة عن الاجداد. وقال الوالد خلفان بن سيف, بقيام الاتحاد بين الامارات وقيام دولة الاتحاد, عم الخير للجميع وذلك بفضل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله واخوانه اعضاء المجلس الاعلى للاتحاد حكام الامارات فيما قدموه من اعمال جليلة جعلت دولة الامارات العربية المتحدة تتبوأ موقعا مرموقا في مصاف الدول المتقدمة ووجد مواطن هذه الأرض الطيبة كل رعاية وعناية واهتمام وفي هذا الاطار يقول الوالد خلفان بن سيف, بعد الاتحاد تيسرت أمور الحياة ووجد الشباب فرص العمل والوظائف وفتحت الجامعات والمدارس ورصفت الطرق ووجد الاهالي العلاج في أرقى المستشفيات, وأشار الوالد خلفان الى انه قبل قيام الاتحاد وظهور النفط لم يكن هناك أي شيء يملكه الناس إلا القليل أما اليوم, فإن عيون الخير قد فاضت على الجميع وامتلك الأهالي الفلل الفخمة والبيوت الفاخرة, خلافاً لبيوت الأمس التي بنيت من الطين وجريد النخل, وحول حياته بعد قيام الاتحاد, يقول الوالد خلفان لم أعمل في وظيفة بل تابعت مسيرة الأعمال الخاصة وصيد الاسماك وأتولى منصب رئيس الصيادين بعجمان منذ خمسة عشر عاما وما زلت اواصل المسيرة. هدر واستنزاف وحول صيد الاسماك اليوم يقول الوالد خلفان اخشى من الهدر والاستنزاف الذي يحدث للبحر من جراء صيد الآسيويين وما يقومون به من صيد عن طريق الالياخ (الشباك), مما يهدد مستقبل الاسماك, داعياً المسئولين الى ضرورة الاهتمام بهذا الأمر وعدم ترك الحبل على الغارب, كما هو عليه الحال الآن, وعن صيد الاسماك في الأمس, يقول الوالد خلفان ان الصيد في الأمس كان خلاله الصيادون معروفون جميعاً لأنهم من اهل الوطن ولم تكن هناك عمالة آسيوية تعمل في هذا المجال وكان الصيادون يعرفون بعضهم البعض ومناطق الصيد داخل البحر مقسمة بينهم, مؤكدا ان الادوات التي يستخدمونها في صيد الاسماك لا تضر بالبيئة البحرية حتى القوارب دون ماكينات والأهم من هذا أو ذاك هي قناعة الناس بما يرزقهم به الله من رزق البحر, ويقول الوالد خلفان, لم نعرف الطمع واللهاث وراء المال كما يحدث الآن واعتقد ان الكثير من الأهالي تركوا أو هجروا مهنة صيد الاسماك وقاموا بتأجير سفنهم للآسيويين, وهذا ألحق الضرر بالمهنة. تطور وعمران وحول عجمان الأمس ومقارنتها بعجمان اليوم, يقول الوالد خلفان, لا يوجد اي تشابه بين عجمان الأمس وعجمان اليوم, فقد تطورت بسرعة متلاحقة وأصبح بها الابراج السكنية والمباني الجميلة والحدائق الغناء والشوارع الرحبة اضافة للكثافة السكانية, وهذا تطور يجعلنا نفخر كثيراً لأنه لم يشمل عجمان فقط بل بقية العقد الفريد من الامارات. وأبدى الوالد خلفان اعجابه بزيادة الرقعة الخضراء في دولة الامارات التي تسر الناظرين وقدم الوالد خلفان مجموعة من النصائح الى جيل اليوم قائلا: يتوجب على الشباب السعي الجاد نحو العمل والمحافظة على الانجازات الضخمة التي تحققت على ارض الوطن, كما أشاد الوالد خلفان بالشباب المثابر في طلب العلم والمعرفة وأخذ أعلى الشهادات العلمية من أرفع الجامعات العلمية, كما طالب الشباب بعدم تكبيل انفسهم بديون البنوك بغرض شراء السيارات الفارهة, كما أشاد الوالد خلفان بن سيف بما تقوم به جريدة (البيان) من رصد وتوثيق لحياة الأمس التي لا يعرفها الكثير من الشباب مؤكدا ان هذا التاريخ يجب ان يعلمه الجميع لا سيما شباب اليوم من اجل آخذ القدوة في الصبر والكفاح والعمل الجاد في سبيل رفعة الوطن. حوار: اسامة احمد