بيان 2: بغداد ــ (البيان): الملاحظ على السوق العراقية الآن, تنوع المناشىء للبضاعة الواحدة, ولا سيما السلع المنزلية والكهربائية والمواد والادوات الاحتياطية .. وغيرها, ولكن هذا التنوع, يكاد يكون من مصدر جغرافي واحد, هو جنوب او جنوب شرق آسيا, السوق العراقية الآن هي السوق الآسيوية من ماليزيا وكوريا واندونيسيا وباكستان والهند والصين .. حتى (مكاو). وطبيعي ان الخليج العربي هو حلقة الربط .. وهكذا كان عبر كل العصور والازمنة .. حيث نشطت الملاحة البحرية, التي كانت لها جغرافيتها الخاصة. يقول الدكتور عبدالجبار ناجي, رئيس قسم الدراسات التاريخية في بيت الحكمة البغدادي: ــ حين ندرس الثروة العلمية النادرة, التي تميز الفكر العربي الاسلامي, في العصر الوسيط, الا وهي (المكتبة الجغرافية العربية ــ الاسلامية), التي فاقت في قيمتها العلمية والعملية المكتبة الجغرافية الغربية ــ اليونانية والرومانية ــ, تواجهنا عدة تساؤلات, لابد من الوقوف عندها: هل باستطاعة الباحثين ان يعدوا ما عرضه الرحالة العرب, وما وصفه الجغرافيون العرب عنصرا من عناصر الملاحة .. ؟ وهل كان الغرض من ذلك الاستكشاف فقط, ام التجارة, ام نشر الدين الاسلامي؟ * وماذا ترجح من الاسباب ..؟ ــ كلها .. لان التجارة كانت منذ كان العراق, ومنذ كان الخليج العربي. للعراق تاريخ في التجارة عريق. وقد ازدهرت تجارته في العصور العربية ــ الاسلامية الاولى ازدهارا كبيرا, وجاء ذلك مصاحبا, بشكل خاص, لقوة الدولة العباسية, وتطور اقتصادها وثرائها, واستتباب الامن في ربوع انحائها البعيدة, فرغم طابع التقشف, وأسس الاكتفاء الذاتي التي يقوم عليها النشاط الاقتصادي في معظم هذه الانحاء, فان اختلاف الثروات من مكان الى آخر, وتباين خبرات الناس ومهاراتهم, ادت الى وجود فائض من المواد والسلع, كان يجد له مسربا في سبل التجارة .. فبعضها تحمله السفن من ساحل الى آخر, وبعضها تسير به قوافل البر .. تارة لا تذهب بعيدا, واخرى تمر الشهور حتى تصل الى غايتها .. اي ان حركة السلع ونقل المواد كانت تأخذ طابعا محليا احيانا, واقليميا او دوليا في احيان اخرى ... ومن هنا يظهر ان التجارة في جوهرها, عبارة عن تبادل خبرة بخبرة ... وهي محاولة للكسب, من خلال نقل السلع, الى بلد آخر, تباع فيه, وتدر ربحا اكثر. * اين تكمن اهمية بغداد التجارية .. وما ترابطها التاريخي بمنطقة الخليج العربي؟ ــ تعتمد موارد التجارة على ما تنتجه الزراعة من مواد نباتية وحيوانية, وما تنتجه الصناعة من سلع تتوفر في مكان وتعز في مكان آخر. وعليه فان التجارة في العصور الاسلامية كانت تحمل ما ينتجه الشرق الاقصى, وما يكثر محليا في مختلف البلدان الاسلامية, ولعل ما قيل للمنصور وهو بصدد بناء عاصمة جديدة لدولته الفتية يلقي ضوءا على هذا الامر: (وانت يا امير المؤمنين على الصراة تجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة وواسط في دجلة, وتجيئك الميرة من ارمينية وما اتصل بها في (تامرا) حتى تصل الى الزاب, وتجيئك الميرة من الروم وآمد والجزيرة والموصل في دجلة). وهكذا يتبادر الى الذهن ان الموقع التجاري كان من بين العوامل المهمة التي حملت المنصور على اختيار موقع بغداد. وفي هذا القول ما يكشف عن حقيقة مهمة هي ان الموقع السوقي التجاري الذي يتمتع به العراق قد اتاح له اسباب النهوض التجاري. فساحله على الخليج العربي يفتح امامه ابواب التجارة في اعالي البحار عبر الخليج العربي والمحيط الهندي. وموقعه على الطريق الذي يربط بين الخليج العربي والبحر المتوسط جعل له اهمية تجارية بالغة. اذ ما من سلعة تنقل بين البحرين (وما اكثرها) الا تجد طريقها عبر العراق. وكانت حركة التجارة تأخذ مسارين, برا وبحرا, وكان الطريق البحري الى الصين يعتبر اسهل الطرق المؤدية الى تلك البلاد من اماكن نائية مثل سمرقند, وقد اهتم العباسيون بهذا الطريق ونشطت التجارة البحرية من وراء ذلك. وساعد على ذلك نشاط الحركة الملاحية النهرية في دجلة والفرات, ونمو مدينة البصرة ثغر العراق وبابه الى العالم, وفي خضم ذلك اصبحت البصرة ميناء رئيسيا في حين كانت بغداد ملتقى التجارات وسوقها الاعظم, اليها تحمل البضائع ومنها توزع على البلدان حتى اصبحت (مشرعة الدينا). اما الطريق البري فكان يبدأ من بغداد متخذا سبيله عبر مفازات وهضاب آسيا الوسطى ووعورة مسالكها وقلة الامن في مناطق المغول, مما ادى الى تفضيل الطريق البحري واقتصرت تجارة هذا الطريق على ما قل حمله وغلاء ثمنه من الحرير والعطور والاحجار الكريمة. وفي الحالتين عملت التجارة على تطور كثير من المدن واصبحت لها شهرة خاصة لا تزال بعضها تحتفظ بها. هدوء الخليج العربي * ولكن تجارة العراق عبر الخليج كانت تعود الى زمان بعيد جدا .. ابعد بكثير من اتخاذ بغداد ــ عاصمة للدولة الاسلامية؟ ــ كان الخليج العربي معروفا عند البابليين والاشوريين, واطلقوا عليه, بالنسبة لموقع بلادهم اسم البحر (البحر الاسفل), ويقابله عندهم من الناحية الاخرى (البحر الاعلى), وهو البحر المتوسط. وهناك ما يدل على ان العرب هيمنوا على الخليج العربي واستقروا عند سواحله منذ ازمنة قديمة. وهذه حقيقة تحدث بها الاقدمون من المؤرخين والجغرافيين, اذ ينقل احد الباحثين ان المؤرخ الروماني (بلين) (ت/113م) تكلم عن مدينة ميسان charax وذكر انها واقعة عند الطرف الاقصى من الخليج العربي. وتظهر تسمية الخليج العربي في خرائط البرتغاليين التي وضعوها للخليج في مطلع القرن السادس عشر. وكان الخليج العربي, لهدوء رياحه وضحالة مياهه وكثرة جزره, مدرسة تعلم فيها الانسان لاول مرة فنون الملاحة, ويظهر ان الفينيقيين, وهم اول من ركل اعالي البحار, كانوا من سكان شواطىء الخليج العربي, وكانت مياه الخليج العربي في الايام الخوالي تتعمق في ارض العراق, حيث نشأت اول ثورة عمرانية عرفها التاريخ في منطقة السهل الرسوبي الى جوار ساحل الخليج العربي وبني فروع نهر الفرات, من بينها المدن السومرية المعروفة (اور) و (لجش) وغيرهما. وكانت مدينة (اور) ثغر العراق على الخليج العربي ومنفذه الرئيسي الى البحر, وبين الخليج العربي والبحر المتوسط نشطت حركة تجارية في عهود التاريخ الاولى, فالى منطقة الخليج العربي تأتي منتجات الدول العربية الجنوبية وشبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا من الطيب والتوابل وبعض انواع الثمار, اضافة الى منتجات حيوانية كالعاج وبعض المعادن النفيسة كالنحاس والاحجار الجيدة والاخشاب. وكانت منطقة البحر المتوسط تشتهر, ولا تزال, بمنتجاتها الزراعية من الحمضيات والزيتون والحبوب والكروم. وعمل اهل العراق في حينه على استثمار موقعهم الجغرافي التجاري بين مناطق البحر هذه ونشطوا في عملية تبادل تجاري واسعة. فقد وجد العراقيون في اسواق الخليج العربي حاجة ملحة لمنتجاتهم الزراعية, وفي مقدمتها الحبوب والزيوت والتمور والجلود, كما وجدوا في متاجر الخليج واسواقه الاحجار الجيدة كالنحاس والاخشاب. وتعتبر مدنية (لجش) من مراكز تجارة العراق الخارجية مع الخليج, فعن طريقها كان يستورد النحاس من دلمون (البحرين) مقابل الشعير والزيت والطحين والملابس والفضة. وعرف العراقيون آنذاك ثلاثة مراكز رئيسية لتجارتهم في الخليج هي دلمون ومكان (عمان) وميلوخا. ويظن ان الاخيرة هي منطقة السند. وهذه مناطق تقع الى الجنوب من العراق على الخليج العربي, او ان بعضها يتم الوصول اليها عن طريقه, وكان اهل هذه المراكز ملاحين متمرسين واصحاب خطوط نقل بحرية في الخليج العربي. وكان ثراء هذه المناطق وتوفر المواد الاولية فيها مما يندر وجوده في العراق من العوامل التي دفعت حكام العراق الى تعزيز أواصر الصلة معها ووضع رقابة تحول دون تسربها. وكانت تجارة الخليج العربي مع العراق متنوعة وتشمل الكثير. وسدا لاثمان هذه السلع كان العراق يصدر المنسوجات والملابس والاختام الاسطوانية والمنتجات الزراعية وبعض المعادن التي كان يستوردها من الخارج كالرصاص, وكانت الفضة تستخدم احيانا في دفع اثمان السلع المتبادلة. الا ان طابع المقايضة هو الرائد في عمليات التبادل التجاري. واشتهرت شبه الجزيرة العربية بتجارة المر واللبان والبخور والافاوية. وكانت تجارة الصمغ الظفاري لها اسواق في سوريا ومصر, كما كانت تجارته من اسباب رخاء شبه الجزيرة العربية. ويلاحظ ان السلع المتبادلة كانت كبيرة الحجم ثقيلة الوزن كالنحاس والاخشاب والاحجار, لذلك كان نقلها احد الباحثين عن Saggs .ب الى كمية من النحاس مستوردة بلغ وزنها (13000 من) او ما يعادل ( 5.6) أطنان تقريبا. كتب في جغرافية البحر * كما ذكرت .. ان الخليج العربي كان منفذ العراق الى العالم, وذلك يتطلب الماما كبيرا بفنون الملاحة البحرية, الى اعالي البحار .. كيف كان يتم ذلك؟ وهل كانت هناك مدونات لامور كهذه؟ ــ ازدادت تجارة العراق في العصور الاسلامية الوسطى وازدحمت شواطئه بكثرة السفن الواردة, وتكدست في اسواق مدنه نفائس السلع والبضائع حملتها القوافل من مختلف انحاء المعمورة, وجاءت بداية هذه النهضة التجارية منذ مطلع القرن الاول للهجرة بعد ان حررت جيوش العرب ارض العراق, ولكن تجارة البحر ظلت تستحوذ على جل ما يستورده العراقيون ويصدرونه فقد اتاحت لهم معرفتهم السابقة بفنون الملاحة ومسالك البحر وعلم الفلك مكانة رفيعة في تجارة الخليج العربي والمحيط الهندي, وازدهرت تجارتهم البحرية واحاطوا بكل متطلبات نموها وتطورها. وكانت للعرب صلات تجارية واسعة في ارجاء المحيط الهندي قبل ظهور الاسلام. وتذكر بعض المصادر ان سفن العرب وصلت كانتون (خانقو) ابتداء من سنة 300 قبل الميلاد, ويبدو ان انتشارهم الواسع وازدهار تجارتهم في انحائه بدأ في القرن الاول للهجرة, وان العرب وصلوا الى جزر الهند الشرقية, لاسيما سومطرة, في وقت مبكر من القرن الاول الهجري حيث استقرت ناقلتهم في الساحل الغربي من هذه الجزيرة ويذكر النويري ان في جهة المشرق مما يلي بلاد الصين ست جزائر تسمى السيلي (مجموعة جزر سيليبس تقع في شرق اندونيسا) يقال ان ساكنيها قوم من العرب هاجروا إليها من العراق ايام الاموريين, كما يذكر ان سفنهم كانت تصل ميناء لوقين (هانوي) اول مرافىء الصين, وخانقوا (كانتونت) فرضة الصين العظمى. التجارة .. والأمن ان هذا الازدهار التجاري والثراء العريض اللذين شهدتهما الموانىء العربية في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) يعنيان ان المحيط الهندي اصبح ــ دون منازع ــ ميداناً لنشاط تجاري عربي اشاع الامن والاستقرار في المناطق المجاورة لهذا المحيط. اذ لا يمكن لنشاط تجاري ان ينمو ويزدهر الا في ظل حالة امن وسلام. وقد ساعدت هذه الاوضاع التجارية والاقتصادية المتنامية في انتشار العرب في جنوب شرقي آسيا حتى اصبحت لهم في نهاية القرن السادس الهجري مناطق استقرار ومراكز تجارية انتشرت على طول ساحل مالابار بالهند, ثم انتشروا شرقا فوصولا الى الملايو ومضايق ملقا, واستقروا بعد ذلك حتى جنوب الفلبين (ديبا). ويعتقد بعض المؤرخين ان (مالكا) او (ملاكاة) محرفة من كلمة ملاقاة العربية للدلالة على انها كانت من المواقع التي يلتقي فيها التجار من مختلف الشعوب كالعرب والهنود وغيرهما, وفي خضم نشاطهم هذا نقلوا الى سكان هذه المناطق دينهم ولغتهم وحضارتهم ومبادئهم الانسانية النبيلة, وهي معالم لا تزال شواهدها ماثلة في انحاء هذا الجزء من العالم. وقد اشتد ساعد العرب هنا لكثرة من دخل الاسلام من سكان تلك المناطق, اذ تعاظمت اعداد معتنقيه منذ نهاية القرن السادس الهجري لانه دين الفطرة الذي صلحت به امورهم واصبح سدا منيعا دون الطغيان الهندوكي الوافد من شبه جزيرة الهند وما حمله من نظام طبقي صلب مغلق. رحلة الى الصين * عدا ما تذكره الكتب .. كيف كان يستدل الملاحون العراقيون والعرب على معالم في (المجهول), وما هي المخاطر التي واجهتهم؟ ـ نظرا لاهمية التجارة في اقتصاد البلاد كثر الحديث عنها وعني بذلك الجغرافيون والمؤرخون العرب على حد سواء, وبرز من هؤلاء, حسب تتابعهم الزمني, ابن خرداذبة واليعقوبي وابن الفقيه والاصطخري وابن حوقل والمسعودي والمقدسي, وذهب الى وصف هذه المسالك بشكل مفصل احد المحدثين وهو يتناول دراسة الطرق البحرية مع اندونيسيا. ويتفق كل الباحثين عن ان الرحلة الى الهند والصين تبدأ من الابلة في منطقة البصرة, ثم تجتاز عبادان مسترشدة بخشبات على نحو ستة اميال على مجرى ماء دجلة (شط العرب) الى البحر, ليهتدي به, ويعلم به المدخل الى دجلة, واذا ضلت السفينة فيه خيف انكسارها لرقة الماء, ويسير الطريق الى عمان آخذا شطه الى الديبل (كراتشي) وهي مدينة عامرة وبها مجمع التجارة, وهي فرضة لبلد السند, ثم ينتهي الى بلدان الهند, الى ان تصل بساحل التبت والى ساحل الصين ثم لا يسلك بعد ذلك وقيل ان السفن تختار, في سيرها نحو بحار الصين, واحدا من طريقين, فهي اما ان تعرج على صحار ومسقط (عمان) حيث تحمل البضائع وتزود بالماء والمؤمن, ثم تقصد كولام (كويلان) في الطرف الجنوبي من ساحل الهند الغربي (ساحل مالابار), واما الطريق الآخر فكان يسير محاذيا لشواطىء السند. ويمكن معرفة تفاصيل هذا الطريق البحري من خرائط الاطالس الاسلامية. مجمع البحرين * ما اهم الموانىء بين العراق وجنوب آسيا ..؟ ــ تطورت بفضل التجارة المتنوعة الواسعة كثير من الموانىء على طول السواحل العربية, وظهرت فيها مواقع سوقية تطل على الخليج العربي وبحار المحيط الهندي. ولسنا هنا بصدد الحديث عن جملتها بل لعل ذكر اهمها يفي بالغرض . واهمها (البصرة) .. وهي اقدم موانىء الخليج العربي واحدى امهات مدن العراق شهيرة الذكر في الآفاق فسيحة الارجاء. وقد ساعدت عدة عوامل مجتمعة في جعل موقعها ذي اهمية خاصة. فهي موضع التقاء عدة طرق بحرية وبرية, او كما يقول ابن بطوطة هي مجمع البحرين الاجاج والعذب, اذ تقع البصرة عند الطرف الشمالي للخليج العربي, واليها ينتهي, او يبدأ منها, الطريق السوقي الذي يربط بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر دجلة والفرات, وعندها ينتهي ايضا طريق رئيس آخر يبدأ من اليمامة في قلب جزيرة العرب مارا بالنباج وكاظمة, اي ان البصرة كانت مركزا رئيسيا لتوزيع تجاري يشمل تجارة الهند والصين وشرق افريقيا, من ناحية, وتجارة شبه الجزيرة العربية والبحر المتوسط من ناحية اخرى. ويفرض موقعها تغير واسطة النقل من السفينة الى قوافل البر ما يترتب على ذلك تفريغ البضائع والسلع واعادة شحنها وتوفير خدمات تجارية عامة ليس من السهل الحصول عليها الا في مدينة كبيرة, وتشير المصادر العربية الى ان جذور الصلات التجارية البحرية بين العراق والهند والصين ترجع الى قرون سبقت ظهور الاسلام, اذ يذكر الطبري ان الابلة كانت مرفأ السفن من الصين وما دونها. لذلك تزايد عدد سكانها منذ تأسيسها سنة (17 هـ) زمن الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه), حتى اصبحت في القرن الثاني للهجرة مدينة الدنيا ومعلم تجارتها واموالها. واخذت تجارة موانىء الخليج العربي الاخرى تنتقل اليها تدريجيا حتى غدت منطلقا لتجارة الهند وسرنديب (سيلان ــ سـريلانكا) وجزائر الهند الشرقية والصين, فزاد غنى الناس وعظمت ثروتهم حتى بلغت جباية الدولة من احد تجارها مئة الف دينار في العام, وتتوسع المراجع العربية في ذكر تجارتها وصناعتها فاذا البصرة تشتهر بخزها وبزها, وهي معدن اللآليء والجواهر وفرضة البحر ومطرح البر .. منها تحمل التمور الى الاطراف, والحناء, ولهم خز وبنفسج وما ورد, وبالابلة تصنع الثياب الكتانية الرفيعة. ووصفت البصرة بالمجالس الحسنة والمناظر الانيقة والابنية الفاخرة, والعروش العجيبة والاشجار المثمرة والفواكه اللذيذة والرياحين الغضة. وهذه الاوصاف تعكس اوضاعا اقتصادية مزدهرة وحياة مترفة ارتبطت بتطور حركتها التجارية. و (صحار), وهي قصبة عمان ليس على بحر الصين اليوم اجمل منها .. دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق ومغوثة اليمن, ممتدة على البحر, دورهم من الآجر والساج شاهقة نفيسة, وايضاحا لقول المقدسي ان صحار كانت مدينة محصنة وعاصمة اقليمية لعمان, والى مثل هذا يذهب ابن حوقل قائلا: عمان ناحية ذات اقاليم مستقلة بأهلها فسحة, كثيرة النخل والفواكه والجرومية (اي فواكه المناطق الحارة) من الموز والرمان والنبق ونحو ذلك وقصبتها على البحر, وبها من التجارة ما لا يحصى وهي اعمر مدينة بعمان واكثرها مالا. وعلى مقربة من صحار تقع مسقط والى الشمال قليلا منها توجد (دبا) وكانت هذه ولا تزال موانىء عمانية تخدم تجارة البصرة والخليج مع شبه القارة الهندية والشرق الاقصى. وتتميز مسقط بميناء صغير في مأمن من الرياح تأتيها السفن مبتعدة من شاطىء صخري يقابلها. وتجارتها التمر والخيول, وكذلك (الشحر) او (عدن) اذ لم يقتصر تطور الموانىء على ساحل الخليج العربي وبحر عمان, وانما شمل سواحل جنوب الجزيرة العربية. ومن موانىء هذا الساحل مدينة الشحر وعدن, وذكر المقدسي: (عدن بلد جليل عامر آهل حصين خفيف دهليز الصين وفرضة اليمن وخزانة المغرب ومعدن التجارات) وذكر الشحر بقوله: الشحر مدينة على البحر معدن السمك العظيم يحمل الى عمان وعدن ثم الى البصرة واطراف اليمن. ومن خلال هذا الوصف يمكن ان نلتمس العلاقات التجارية بين مختلف الموانىء العربية التي تنتظم سواحل الجزيرة العربية من شمالها الى جنوبها. كل شيء! * ماهي اهم السلع التي كان يتم تبادلها بين العراق ودول الخليج العربي وجنوب آسيا؟ ــ ذكرنا آنفا نوع السلع والبضائع التي تتناقلها تجارة البحر على النحو الذي اورده المقدسي. وقد سبقه الى ذكر ذلك ابن الفقيه بسنين طويلة حيث يقول: والعنبر يؤتى به من بحيرة شلاهط (سومطرة) والفلفل من (هلي) ــ احدى تسميات جاوة ــ وسندان (بومباي) والبقم من ناحية الجنوب من شلاهط والقرنفل والصندل والكافور وجوز البوا من الزابج (جاوة) وهو من ناحية القبلة بقرب الصين من بلد يقال له (منضور) ــ من ساحل سومطرة الغربي ــ وماء الكافور والنيل من ناحية السند والخيزران من بلد يقال له (لنكبالوس) وكله من ناحية خراسان, والقنى من عمان والياقوت والالماس من سرنديب (سريلانكا) وكذلك الكركدن والطاووس والببغاء والدجاج السندي وجميع انواع العطر والصيدلة. ويلاحظ ان ابن الفقيه اقتصر على ذكر السلع المستوردة والبلاد التي ترد منها بشكل عام, واغفل ما كان يصدر من العراق وغيره من بلاد العرب. ويذهب ابن بطوطة الى شيء من التفصيل فيقول: ومن ظفار تحمل الخيل العتاق الى الهند. ويقع البحر بينها وبين قالقوط (كاليكوت ــ ميناء في ساحل مالابار عند طرفه الجنوبي) من بلاد الهند, مع مساعدة الريح في شهر كامل. ويأتي القطن من هذه البلاد اليها. ودراهم هذه المدينة من النحاس والقصدير ولا تنفق في سواها . ومن جزر ذيبة المهل (المالديف) تحمل المراكب المسك والنارجيل (جوز الهند) والفوط والوليان والعمائم, وهي من القطن, ويحملون منها اواني النحاس فانها كثيرة عندهم. وكان لتجار العراق نشاط تجاري ملموس في بلاد الهند وسفر متواصل اليها. فقد ذكر ابن بطوطة انه لقي محمد عبدالله الدوري في الهند. وكان التمر من المواد الغذائية التي تجد لها سبيلا في التجارة البحرية, وكانت السفن تحمله في خصاف من البصرة الى هرمز مدخل الخليج العربي. والخصاف عبوة تعمل من خوص النخل للتمر ونحوه. ولا يزال هذا النوع من العبوات شائع الاستعمال في يومنا هذا حيث تنقل السفن الشراعية وغيرها خصاصيف التمر من البصرة الى اقطار الخليج العربي والهند. ويذكر احد الباحثين ان ما كان ينقل من المتاجر عبر هذه السفن في هذه الرحلات الطويلة التي كانت تقضي سنة او ما الى ذلك, فانه يشمل الاقمشة الحريرية والكافور والمسك والافاويه والعاج والحديد وقضبان النحاس. وكانت السفن التجارية تلقى عناية في المرافىء التي تصلها تحفظ لها امن الطريق وسلامة المرور وتوفير المرافق والخدمات والسقاية, فقد كان في كوكوملي وكاليكوت مسلمة لبلاد الهند وبها ماء عذب فاذا استعذبوا من هناك الماء اخذوا من المركب الصيني الف درهم ومن غيره عشرة الى عشرين دينارا. ومن غير شك ان هذه الضريبة العالية تدل على حجم السلع التي تنقلها السفن وجودة نوعيتها وغلاء ثمنها مثل المنسوجات الحريرية والعطور والاواني الخزفية. وهي في الوقت نفسه تفصح عن مستوى الخدمات التي كانت السفن تحصل عليها. ولعل في خرائط الاطلس الاسلامي ما يعين على تلافي بعض النقص. اذ تبين اماكن الانتاج ومناطق الاستيراد. ويلاحظ ان تجارة المواد الغذائية محدودة فيما عدا تمور العراق, ذلك لان كل بلد له مأكله وينتج ما يكفيه, ويبدو ان اهم صادرات العراق والخليج كانت من السلع المصنعة والمنسوجات واللؤلؤ وسبائك الذهب وخيوطه والخيول. وتذهب غالبية هذه السلع الى الهند. وقد تأخذ طرقا الى بلدان اخرى فيما بعد. او واردات العراق فكانت تأتي من اماكن مختلفة واهمها: الحرير والاواني الخزفية من الصين. الكافور والفلفل من سومطرة, القرنفل من جزر سيلي (سيليبس) وما جاورها من شرق اندونيسيا. الزنجبيل والفلفل والفولاذ وصبغة النيل والحرير والقطن والنارجيل (جوز الهند) والقطيفة والسجاد والماس والعاج وخشب الصندل من الهند. والسفن من بنجلاديش حيث اشتهرت منطقة (تشيتاكونج) بصناعتها. ولعل كثيرا من هذه السلع مثل, العطور والاحجار الكريمة والتوابل كان العراق يعيد تصديرها الى بلاد اخرى لا سيما بلدان اوروبا. فقد كانت اسعار التوابل فيها غالية جدا تقارب اسعار الذهب. ومن كل هذا نخلص الى ان للعراق صلات تجارية بحرية مع منطقة المحيط الهندي منذ قديم الزمان فقد شهد العصر السومري بداية واسعة لها في الخليج العربي حتى اتسمت حضارة دلمون (البحرين) ومكان (عمان) بحضارة سومر. واصبح الخليج حضاريا بحيرة عربية. وعاظمت هذه الصلات وخرجت الى اعالي المحيط الهندي وبلدانه البعيدة في العصور العربية الاسلامية الوسطى حتى بلغت اقاصي شرق آسيا . وكان الاستقرار عاملا رئيسيا في ازدهار التجارة, ومن خلاله عمل العرب على نشر دينهم ولغتهم وحضارتهم الانسانية في ربوع المنطقة.