بيان2: بغداد ـ (البيان): (هاي دودي), (هاي سالي).. وسارت الصبية مزهوة بصباها باتجاه فتى لا يعرف حقا ان كان فعلا فتى ام له علاقة بعالم الانوثة المثيرة, فقد تزاحمت خصلات شعره خلف اذنيه ورأسه, طويلة متناثرة, بينما سحبها من الامام حتى تكاد تنقطع, ولم ينس طبعا اغراقها بالزيت لينعكس عليها ضوء الشمس وضياء القمر (فتجتذب الفتيات اكثر), اتكأ الاثنان إلى جذع شجرة وارفة الظلال في احد النوادي (العائلية) واستغرقا في وشوشة ساخنة امام انظار الآباء والامهات السعداء (جدا) بوجود حرارة واستمرارية في علاقاتهم الاجتماعية مع اعضاء النادي, فالمعروف ان البرود يجتاح عالم الاثرياء ويحل محله الترفع والاشمئزاز والغرور أو في الاقل الانعزال والعزلة!! لابد ان ننتمي إلى ناد, قالت الفتاة لامها حين شعرت ان والدها الذي كان موظفا بسيطا قد تحول إلى ذئب من ذئاب السوق, فقد تمكن من استغلال وظيفته كمدير لمخازن احدى شركات الادوية فباع ما طالته يداه في السوق السوداء, واثرى ولم يكتف بذلك, وتزايدت امواله مع تزايد اكتشافه لاساليب تجارية مربحة مهما كانت غير مشروعة, لم تعد الام أو الفتاة تسألان عن مصدر ارباح رب العائلة, المهم انهما ترتديان افضل الملابس وتتحليان بالذهب وتحضران الحفلات والمناسبات الاجتماعية لتعرض كل منهما مقتنياتها الجديدة والاهم, ان العائلة الكريمة انتمت إلى ناد اجتماعي غاصت الام في لجة القيل والقال والتباهي بآخر ما اشترته وما ستشتريه بينما غرقت الفتاة حتى اذنيها في المظاهر الشبابية التي يعيشها ابناء الاثرياء ففقدت كل ما كان يجملها من قيم الماضي وتحولت إلى متابعة متحمسة لاخر صيحات الازياء وصائدة بارعة لاصدقاء صديقاتها, وراقصة متمكنة في قاعة النادي التي تحتضن الاجساد وهي تتلوى ليل نهار. اكتملت صورة الثراء التي تبحث عنها الام بمجرد انتماء العائلة إلى ناد اجتماعي فاخر, وفجأة, هبطت اسعار السوق بتأثيرات خارجة عن ارادة التجار, فخسر الاب التاجر صفقة وضع فيها مجازفا كل ما يملك من نقود, ووجد نفسه من دون ان يدري (مديونا) واضطر إلى بيع سيارته (الاولدزموبيل) وحلي زوجته وابنته الذهبية, ولم يبق الا البيت (الدبل فوليوم) ومع تهديدات الدائنين اضطر إلى عرضه للبيع. انزوت الفتاة عن اعين اصحابها في النادي, واختفت مع والدتها في المنزل تندبان الماضي الذي رحل بسرعة, ووشوشت الفتاة في اذن امها: (هل تظنين ان احدا سيتقدم لخطبيتي بعد ان شاهدني الجميع في سيارات اصحابي, وعرفوا انني رضيت بفقدان كل شيء لانال صورة الفتاة الثرية المتحررة), ردت امها بعين دامعة: (ليتنا لم نعرف الثراء يوما فقد افقدنا كل شيء حتى الاحساس بالامان والراحة). ماذا يريدون حقا؟! ترى اغلب فتيات النوادي ان ما يفعلنه لا يستحق الانتقاد, فهذه الشابة (ص. ف) تقول مثلا: ـ نحن نعيش عمرنا بتفاصيله, نتحدث مع الشباب بعفوية, ونخرج معهم, المهم ان اباءنا يعلمون بذلك, كما انهم يوافقون على ارتدائنا الملابس التي نحبها مهما كانت مثيرة أو غالية, لانها (موضة العصر) وتباع في المحال الراقية, نحن نبحث عن (الفرفشة) و(المرح) ولا داع لتعقيد حياتنا بأنظمة وقوانين وقيود! ويقول الشاب (محمد هادي) الذي يدرس في احدى الكليات, ويعمل في ناد اجتماعي: ــ يشهد النادي تجمع عدد كبير من الفتيات والشبان, وقد اعتدنا مشاهدة غرائب السلوكيات والملابس تحت شعار (الحرية) أو (التحضر) وما يؤلمني احيانا هو محاولة الطبقات الاجتماعية المتواضعة تقليد الطبقات الاعلى لمجرد حصولهم على ما يؤمن انتماؤهم إلى النواد, مما يفقدهم نقاط التوازن (ويضيع الاخضر بسعر اليابس). صعدت في سيارة الاجرة مع شقيقها, كانا يرتديان بنطلونات الجينز وتعلو وجهيهما الحيرة, هكذا ابتدأ علي تايه حديثه عن رأيه بشباب (المجتمع الراقي) ـ كما تدعوه الطبقات الادنى ـ وهو يعمل سائق سيارة اجرة ثم اكمل: سألتهما عن وجهتهما فقالا: نبحث عن عنوان في شقق السيدة, لقد خرجت شقيقتنا الكبرى امس مع صديقتها صاحبة سيارة (السلبرتي) لتوصلها إلى شقتها ولم تعد, ثم استدرك الشقيق (القلق) على شقيقته قائلا: ـ كانت صديقتها تعاني من دوار وصداع بسبب (الحبوب المهدئة) بعد بحث لم يطل عثر الشقيقان على الشقة المعروفة كما يبدو, وعلما ان صاحبتها اعادت شقيقتهما إلى بيتها (معززة مكرمة) قبل وصولهما فعادوا مرتاحي الضمير, وفي الطريق اوقفاني ليبتاعا علبة سجائر ويدخنا معا, بأطمئنان!! هل يمكن ان نتساءل هنا, اين الاباء اذن؟! هل ينشغلون باستمرار بجمع الاموال ومتابعة البورصة, والاطباء والمهندسون والفنانون والموظفون الكبار, هل يشغلهم امر اخر عن متابعة المولعين بالنوادي وبقية الانشطة الشبابية (المرعبة) ام انها تتم برضاهم وتحت رقابتهم؟! تقول الدكتورة نضال الراوي: ـ يجب ان تعيش ابنتي مرحلة عمرها سواء في الزي أو في التصرفات, فلا مانع من ان يكون لها زملاء في النادي اعرف اسرهم واثق في تربيتهم. بينما تقول عروبة محمد: ـ الشباب حرية وانطلاق ولذا احاول ان اكون صديقة لابنتي لتوعيتها بطريقة غير مباشرة بمفهوم التحضر مع التمسك بالصفات التي تربينا عليها كحياء الانثى الذي تعتبره السنة المطهرة شعبة من الايمان لان الفتاة عندما تبتعد عن حياتها تفقد الفارق بينها وبين الرجل! امراض جديدة يحاول الدكتور مهند العاني استاذ علم النفس في كلية الاداب جامعة بغداد توضيح الامر بقوله: ـ مما يؤسف له ان مجتمعنا الان يعاني من امراض جديدة, اولها غياب الدور الحقيقي للاسرة, فالاب مشغول بعمله باستمرار, والام مشغولة بالمظاهر في حالة كون الحالة المادية للاسرة جيدة, الاسرة مثلث لابد من تفاعله, يتكون من الاب والام والابناء, وفي حالة انتفاء ذلك التفاعل يعيش كل فرد من الاسرة لنفسه ويفعل ما يحلو له, اما المرض الاخر فهو الغزو الغربي الذي يتمسك به الشباب ويعوضون به مركبات النقص فيهم, فنجدهم يتمسكون بالملابس الغربية, والمظاهر الاخرى, حتى لو لم تناسبهم, لمجرد تحقيق فرضية الاختلاف عن سواهم, اضافة إلى غياب سلطة الاب وترك المسئولية للمرأة التي قد تترك لبناتها حرية ممارسة ما حرمت منه في السابق, وتكون غير قادرة على السيطرة على البنين في حالة مرافقتهم لاصحاب السوء, أو تأخرهم خارج المنزل أو عزوفهم عن الدراسة. * ما الحل اذن؟ ــ من الضروري ان يعيد الآباء ترتيب اوراقهم قبل ان يفلت الزمام نهائيا, واعتقد ان من بين الاسباب, أو من بين اهمها: ان اصابة حديثي النعمة بالغرور إلى درجة اللامبالاة بالقوانين والانظمة والاساليب الصحيحة في تربية الابناء, الثراء ليس كل شىء فقد يزول وتبقى عيوب النفس شاخصة للعيان. صورة أخيرة طفل مشعث الشعر, رث الملابس, يقف قرب مطعم تؤمه (العوائل الراقية), انتظر احسانهم طويلا دون جدوى, وفجأة ترجلت فتاة (راقية المظهر) مع صديق أو شقيق, لا احد يعلم, من سيارة نوع (جامبو) وكانت تحتضن كلبا صغيرا ابيض ونظيفا إلى درجة اللمعان, وحين خرجت من المطعم, كانت تحمل سندويشا محملا بكل ما لذ وطاب تحاول ان تدفعه في فم الكلب الجميل, لكن الكلب كما يبدو متخما و(عينه شبعانه) فاضطرت الفتاة إلى رمي الساندويتش في سلة قريبة, وما ان ابتعدت خطوتين حتى هرع الطفل ليختطف الساندويتش قبل ان ينتبه له احد ما فيسبقه اليه, اعتقدت وانا اراقب هذا المنظر ان الطفل دعا في سره بطول العمر للكلب المدلل وتمنى ان يتغذى الكلب يوميا في هذا المطعم (الراقي).