بيان 2: القـاهـرة ــ أحـمـد عبـد المـنعـم: ها نحن فى حاجة لقاموس جديد.. وداعا مختار الصحاح.. فلم تعد تكفي.. كل يوم يقتحم حياتنا بلا استئذان لفظ غريب له معنى أغرب.. من المسئول؟ وما الحل؟ قضية تطرح نفسها بكل قوة.. تسمع فيها صراخ لغتنا العربية: انقذوني انقذونى من سنكحة.. وهرتلة.. وبرشطة.. اعزائي.. نزار.. أبوتمام.. البحترى والعقاد.. سامحونى.. فلا عزاء لكم.. وقريبا.. لا مكان.. والسؤال الذى يطرح نفسه بكل قوة.. هل هذه اللغة الغريبة قاصرة على مراهقي هذا الجيل أم أننا لا قدر الله سنصحو ذات يوم لنجدها أصبحت الطريقة الأساسية للتخاطب بين الناس؟ ولندع هـذا التحقيـق يجيب فى نهايتـه عـن هذا السؤال ولنذهب سويا نحاور شباب هذا الجيل وأبطال تلك اللغة عسى أن نعرف أسباب ودوافع احترافهم لهذه اللغة مع القاء الضوء على رأي الأجيال السابقة فيها. وايه يعني فى أحد النوادي حيث تكثر التجمعات الشبابية التى تعتبر الأرضية الأساسية والتربة الخصبة لنمو تلك الكلمات والمصطلحات الغريبة علينا كانت اللقاءات التالية مع شباب لا نقول عنهم أنهم فاشلون أو منحرفون ولكنهم يتحدثون هذه اللغة فماذا يقولون عنها: كريم السيد 25 سنة خريج كلية الآداب جامعة القاهـرة يتحدث بكـل احتجـاج: وأيه يعني؟ حتى الكلام الذى نتحدثه لا يعجبكم أنا نفسى أعرف ماذا يريد منا الجيل القديم؟ ورغم أننى لست من الجيل القديم بل أنا فى سن قريب من كريم وجدتنى أدافع عن الجيل القديم وأقول له ان الجيل السابق لا يريد شيئا سوى مصلحة هذا الجيل ورد كريم (نحن نعرف مصلحتنا جيدا وأعتقد اننا تقدمنا عنهم بالشكل الذى يؤكد ذلك فنحن جيل يجلس أمام الكمبيوتر ويتحدث اللغات ويمارس الانترنت بكل براعة فكيف يعرف الجيل السابق أكثر منا؟! وحتى لا يتحول الحوار الى صراع بين الأجيال تلك القضية المعروفة والتى ستستمر أبد الدهور عدت بالحوار الى النقطة الأساسية ورد كريم: لكل جيل لغته والجيل القديم كان له مصطلحات لا نعرفها وأعتقد أنه من حقنا أن يكون لنا كلمات تعبر عن جيلنا. وهل تعتبر أن (دماغ), (سنكحة), (كماننا) كلمات يمكن أن تعبر عن جيلكم أو حتى أى جيل؟! ويجيب كريم: هذه الكلمات لها دلالات خاصة بنا ونستخدمها كنوع من الفكاهة والتهريج الذى نحتاج له كثيراً وبدونه سنجن من متطلبات الحياة المادية التى لن نقدر عليها. وتركت كريم وحولت دفة الحوار لأحد الجالسين معنا ويدعى رامى حسين وسألته عن رأيه فرد قائلا: من وجهة نظرى هذه اللغة تعتبر عار على هذا الجيل ولكن أنت لا يمكن أن تقف أمام أى تطور وهذه اللغة تعتبر تطورا فى مسار اللغة وقد ظهرت نتيجة تغيرات كثيرة فى المجتمع ككل ولهذا فانتشارها يعتبر أمرا طبيعيا بل وحتميا. ولأن علامات الجدية تبدو على ملامح رامى الذى يقارب عمره سن كريم سألته: هل تتحدث أنت هذه اللغة؟ أجاب: ستتعجب عندما تعلم اننى أكره هذه اللغة جدا ولكن أحيانا استخدمها وتخرج منى دون ارادتى وكأنها من مفردات لغتنا فأحيانا تجدني أقول لصديقى كي أخفف عنه أحدى مشكلاته: (ياعم.. كبر دماغك) وهى المقصود منها اخرج من هذا الموضوع من رأسك وفكر فى شئ آخر أو أقول له (ياعم عيش) ومعناها أترك الهم وشاركنا المرح. ويضحك رامى قائلا: صدقنى كل هذه الجمل أصبحت شيئا حتميا فى حياتنا ولا يمكن أن يتركها الشباب. هات م الآخر يا أستاذ وفى لقاء آخر مع ايناس ياسين فتاة تدرس فى الجامعة الأمريكية وبمجرد أن القيت عليها سؤالى أيه رأيك فى اللغة الجديدة وجدتها تجيب بكل سرعة وانفعال: هات م الآخر ياأستاذ.. أنت تتحدث بالنيابة عن مين أنت من سننا ولو كنت من انصار العودة للخلف وعايز الكل يجلس امام التليفزيون ليشاهد النشرة فى حين أن البنات فى المطبخ تعد الطعام لليوم التالي أو تقف خلف المشربية لتطلع على الرايح والجاى منها. وحاولت أن أوضح لها اننى لست كما تظن انما أنا أبحث عن سبب انتشار اللغة الجديدة بين شباب العصر الحالى: فردت بنفس الانفعال: لغة أية وجيل أيه.. منين اللغة دي إحنا بنتكلم زي الدنيا كلها ما بتتكلم بس احنا مش بنعجب اهالينا فى أى شىء. هناك أمل ولأن الآنسة ايناس يبدو عليها انها من مدرسة الاستاذ كريم تلك المدرسة التى لا تقبل حتى المناقشة وتعتبر أن أي مشكلة مثارة هى نتاج عن صراع الأجيال فقد اكتفيت بما سبق وذهبت الى مجموعة أخرى تجلس فوق سلم أحد المبانى ووجهت سؤالى لكريمان اسماعيل 25 سنة طالبة بكلية الهندسة والتى تحدثت بشىء من العقلانية حيث قالت: نعم هناك لغة فرضت نفسها على شباب هذا العصر وأعتقد أنها تعود أساسا لعملية التربية فلو أن كل أب سمع ابنه يتحدث بكلمة ولو واحدة غير لائقة وقام بتوبيخه أو حتى ضربه فى بعض الأوقات اذا احتاج الأمر ذلك لما استفحلت هذه المشكلة وصارت على النحو التى هى عليه الآن.. وليس الأب والأم فقط ولكن المدرسة هناك مدرسون يتحدثون بهذه اللغة فى الوقت الذى يسمعها فيه التلاميذ ويحفظون كل ماينطقه المدرسون وهم قدوتهم العليا. وتستطرد كريمان وكلامها يعطيني أملا فى غد أفضل: من هنا أرى أن على الجميع مواجهة هذه الظاهرة وعلى المتخصصين فى التربية والاعلام اعداد خطة مشتركة تستهدف ملاحقة أسماع وأذهان الأطفال والشباب وحتى الكبار فى كل مكان يذهبون اليه للقضاء على كل ماهو قبيح فى لغتنا وزرع الكلمات والعبارات التى تعودنا عليها وسمعناها في شعرنا العربي وكتبنا قصصنا العربية وقبل كل ذلك فى القرآن الكريم والأحاديث النبوية البليغة. ولأن الطيور على أشكالها تقع أيد حسين فوزى رأي زميلته قائلا: ان هذه اللغة الجديدة لن تستطيع التغلب على لغتنا العربية الأصيلة لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة لغة العقاد وطه حسين.. لا يمكن أن تنهزم اللغة العربية المحترمة بسهولة ولكن نحتاج جميعا للتكاتف لمساعدة المعانى الجميلة والكلمات الرائعة على البقاء بيننا دون أن تهزمها تلك المصطلحات الحمقاء ذات المعنى القبيح والجرس السيىء. وبعد كلام ايناس وحسين شعرت ان هناك أملا وببقاء أصناف من نوعيات هؤلاء البشر الذين تربوا على الجمال ستبقى اللغة والمعنى والقيم التى نحترمها ونتمنى بقاءها. صرخة أم وعلى احدى الموائد حيث تجلس مجموعة من السيدات قمت بعرض فكرة التحقيق عليهن وكان رد احداهن: لن تصدقني حينما أقول لك أنني احيانا أصرخ من كثرة ما أسمعه من ابنى وهو يتحدث تليفونيا مع أحد اصدقائه أحس أنه يحاول أن يقول كلاما لا أفهمه ليخفي علي شيئا خاصا به ولكن أعرف بعد ذلك انه لا يقصد ذلك ولكنها مفردات اللغة التى فرضها هو وأقرانه على أنفسهم واتخذوها سبيلا لكلامهم مع بعضهم وصدقنى وقتها لا يسعنى سوى أن أصرخ فيه خوفا على أن يستمر فى هذه اللغة الغريبة حتى يكبر وتكون هى طريقة حديثه وتخاطبه مع الغير وبالتالى يفقد احترام الجميع له ولا يكتسب سوى صداقة بعض (المتخلفين) من محترفي تلك اللغة القبيحة. وتتناول وفاء السهيلى أطراف الحديث: أنا حقيقة أتعجب هل تدنى مستوى التعامل بين الناس لدرجة أنه وصل لطريقة وعبارات الحديث بينهم.. أين الاخلاق؟ أين المعانى الجميلة؟ زمان.. عندما كان أحدنا يتحدث لأكبر منه كان يقف وينتقى أفضل وأشيك الألفاظ أما الآن.. ياعم.. أنسى.. أخرك أيه هذا بالاضافة لألفاظ أخرى غير معروفة وغير مفهومة وليس لها أى محل من الاعراب. ألفاظ سمعتها وداخل احدى الجامعات حيث يجلس الزملاء على الأرصفة وكأنها موضة العصر وحيث تتباعد الفترات بين المحاضرات فتتزايد فرصة الجلوس فى أوقات الفراغ تركت أذنى لتسمع ما يدور فى حوار شباب العصر مع بعضهم ويالها من ألفاظ سمعتها! ايه ياعادل (اشفور) برضه زي كل يوم؟! آه (اشفور) ياسيدى ربنا يرجع الماما بخير وبسرعة! كرملة (دلع كريمة) (هاغطس عشرة وأجى ماتزوغيش) (اشطه) ياجميل ماتغيبش عليا. صافرة كبيرة منغمة اعقبها. (ولش) (دلع وائل) أنا (هلباوي) عليك (الليلة) دي والجايات أكثر. و(لا يمهمك ياحبي) عادي أنا خيري سابق عليك. كلت من محلز. الجديد؟ آه من اللذيذ.. بس (حراق) خد بالك.. بس ياعم وصاحبك قعد (يلوش) فى الكلام وقال القديم والجديد و(خرف) و(هبل) زى العادة. ياسمسم.. ياسمسم (لا أعرف دلع ايه سمسم هذه) معانا والا فى (الكالتشي). معاك ياعمنا دانت حبيبى.. المهم اللي بالي بالك يجى. وبعد كل هذه العبارات جلست أسمع ما سجله (الكاسيت) وفى محاولة للترجمة استطعت بمساعدة أخى الأصغر أن أصل الى هذه التفسيرات وهى على الترتيب كما يلى: بالنسبة لعادل (الجملة الأولى) أشفور تعنى (مفلس) ليس معه أى نقود وأعتقد أن عادل ينتظر والدته حتىتجيئ من السفر وتحضر نقودا. فى الجملة الثانية كان الأستاذ ينادى على كريمة زميلته ومعنى (هاغطس عشرة) انه سيغيب لمدة عشر دقائق. أما الجملة الثالثة والتى كانت تقول (هلباوي) معناها انه (رامى الهلب عليه) وهى الأخرى جملة تحتاج لتوضيح ويقصد بها أنه مفلس وستكون تكاليف سهرة هذه الكلية على حساب صديقه. وجملة آه فى اللذيذ تعنى انه محل جيد واكلاته ممتعة أما (حراق) فكنت أفهم منه للوهلة الأولى أن يضع (شطة) فى مأكولاته ولكن بما أنه محل يبيع أحيانا حلويات فهمت بعد ذلك أن (حراق) يقصد انه غالي الثمن.. ولا حول ولا قوة الا بالله.. وللظاهرة تفسير وفى محاولة لفهم أسباب ودوافع هذه الظاهرة سألنا السادة المتخصصين فى مجالات الاجتماع ومنهم الدكتورة سامية الخشاب الرئيس السابق لقسم الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة فقالت: ستجد ان الظاهرة منتشرة أكثر بين المراهقين تلك الفترة الخطيرة التى مررنا بها جميعا وهى فترة تتسم بعدم القدرة على وزن الأمور بجانب رد الفعل السريع والعنيف اذا ما حاولت مناقشة موضوع ما وهذا كله يكون بسبب التغيرات الفسيولوجية والجسمية القوية التى تحدث للمراهق وبما انه يتغير فى كل شىء فمن الطبيعى أن يتغير فى سلوكه ولهجته وطريقته فهو أرضية خصبة لكل جديد وبالتالى فاللغة الجديدة تكون ما يبحث عنه ولذلك يستخدمها كثيرا ولا أعتقد أن الكبار المتزنين يستخدمون لغة كهذه نظرا لقدرتهم على استيعاب ووزن الأمور. ولا يختلف كمال الغزولى أستاذ اللغة العربية مع رأى د. سامية الخشاب ويضيف: اننا لا نجد هذه اللغة الا بين طلبة الثانوى والجامعة واحيانا المراحل النهائية فى الابتدائية ولكن بعد وصولهم الى سن معينة يختفى كل هذا وافاجأ بتلاميذ أصبحوا رجالا محترمين وتركوا هذه اللغة وأجدهم ماشاء الله يتحدثون بلباقة وكأنهم ليسوا من سمعتهم بالأمس. أما الدكتور سعيد بدوي رئيس قسم اللغة العربية بالجامعة الأمريكية فيقول: أنا لست قلقا من هذه المصطلحات الغريبة لأنها ظاهرة عادية ومتكررة وان كانت زادت حدتها هذه الأيام نتيجة للانفتاح الأكثر مما مضى ولكن يجب أن نعترف أن لكل جيل تعبيراته والتى يعتبرها لغته الخاصة التى يعبر من خلالها عن نفسه وتلك الظاهرة حدثت من قبل وستظل تحدث. وأخيرا كل ما نتمناه أن تظل هذه التعبيرات فى محلها يتناقلها الشباب لفترة ويتركونها بعد دخولهم الحياة العملية ونتمنى أكثر أن تظل اللغة العربية المحترمة قادرة على التغلب على هذه اللغة الغريبة.. ونحن من ذلك لواثقون.