انتهى لقاؤنا بالرئيس حسني مبارك فى افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب وأخذنا نتحدث, ونلتقي, ونتناقش, فكلنا يعرف بعضنا بعضاً, وحتى مثلي من المصابين بالانطواء أحيانا, يعرفون الكثيرين. وصافحت الدكتور جابر عصفور وكنت أعرف أنه مسافر لفترة طويلة, فسألته متى أستطيع أن أودعه. فقال انه مسافر غدا. وبالتالى كان عليى أن أودعه لحظتها. وانتابتنى مشاعر كثيرة لم تستطع ثرثرة الأصدقاء أن تخرجنى منها. وعدت من المعرض وأنا أحس بحزن الفراق, وأدهشنى هذا كثيرا فلم أكن والدكتور جابر عصفور صديقين بما تعنيه هذه الكلمة. ولا أظن أنه جمعنا مما يجمع الأصدقاء عادة إلا عندما تمت دعوتنا على العشاء ذات مرة على شرف ابراهيم خليل الجيدة رئيس مجلس ادارة مجلة (الجسرة) القطرية وهى إن كنت لا تعرف مجلة ثقافية أظنها مؤهلة لأن تخلف مجلة (الدوحة) التى أطاحت بها أحداث نعرف بعضها ونجهل معظمها, وحضر دعوة العشاء هذه الدكتور صلاح فضل. وحتى هذه الدعوة مشكوك فيها, فلقد كنا: الدكتور صلاح فضل وأنا مشاركين فى ندوة فى المجلس الأعلى للثقافة, وكانت تحت اشراف المجلس ونادى (الجسرة) القطري. ويبدو أنه من التقاليد -وكيف أعرفها - أن يتبع الندوة دعوة على العشاء. فلست إذن مقصودا بهذه الدعوة. ومع ذلك فأنا أعرف الدكتور جابر عصفور منذ زمن طويل, وكنا نعرف النابهين من طلبة الجامعة وخريجيها من المهتمين بالأدب. وكنا نظن أن الدكتور محمد مندور فلتة لن تتكرر. وأن أنور المعداوي لن يخلفه أحد. وأذكر أن من كتبوا عنه عند وفاته كرروا تعبير أنه آخر الفرسان. ولكن الزمن أثبت لنا أن عصراً لا يخلو من الفرسان مهما فسد هذا العصر, فجاء من خارج الجامعة عبدالعظيم أنيس ومحمود أمين العالم. وأقصد بتعبير من خارج الجامعة إنهما لم يأتيا الينا من قسم للغة العربية. فالدكتور أنيس أستاذ للرياضة البحتة, ومحمود العالم كان مدرسا للفلسفة قبل أن يترك الجامعة أو أن يبعدوه عنها, ولقد عمل سنوات أستاذا فى جامعات فرنسا. وبعدها جاء جيل الأكاديميين: صلاح فضل وعبدالمحسن طه بدر وعبدالمنعم تليمة وجابر عصفور. ولقد عرفت منهم الدكتور عبدالمحسن فكان صديقا عزيزا لنحو ربع قرن, واذا لم تكن تعرف الدكتور عبدالمحسن عن قرب فأنت لا تعرفه فلقد كان مقاتلا الى آخر لحظة من حياته. وكانت أيامه الأخيرة شديدة الحزن, فلقد رفع الطب يده عنه, ولم يسمح له إلا بسرير فى إحدى المستشفيات وبعض المسكنات, وكان يعرف حالته بالتفصيل ومع ذلك لم يكف عن المشاكسة. وحول سرير عبدالمحسن التقيت بالدكتور جابر لأول مرة. وأول مرة هذه لها معانٍ مختلفة فلقد التقينا قبلها بالتأكيد لكنها كانت لقاءات عابرة لا نتبادل فيها سوى التحية. ومنذ أربعة أعوام صاحبت الدكتور صلاح فضل فى مجلس ادارة اتحاد الكتاب. ولم تكن تلك أول لقاءاتنا, فلقد التقينا معا فى البحرين منذ سنوات طويلة, وتحدثنا لأيام عن انشغاله بحرية التعبير فى العالم العربي. وظلت هى القضية الرئيسية فى اهتماماته أثناء عملنا فى اتحاد الكتاب. وكانت مواقفنا كل هذه السنين الأربع متوحدة إلا مرة واحدة حدث صدام فيها بيننا, وغضب مني. ويبدو أن غضبه زال فيما بعد. ومرة أخرى توحدت مواقفنا. فرفضنا معا وحتى دون ترتيب أن نرشح أنفسنا مرة أخرى لعضوية مجلس الادارة. وفى فترة قصيرة تحول الدكتور جابر عصفور من ناقد أكاديمى نشط الى نجم ثقافي, وذلك بعد أن أصبح رئيسا للمجلس الأعلى للثقافة. ولقد استطاع جابر عصفور فى سنوات قليلة أن يجعل من المجلس الأعلى منارة ثقافية رغم الظروف الصعبة التى مرت بها الثقافة عامة فى هذه السنوات. ولقد جعلنى هذا أفكر فى القضية القديمة وهى علاقة المثقف بالسلطة. كان الدكتور طه حسين وزيرا, ولكن عباس محمود العقاد لم يحتل أى منصب رسمي. فهل نقول أن العقاد كان صاحب الموقف الصحيح. وأن طه حسين أخطأ عندما تولى الوزارة رغم أنه أحدث ثورة تعليمية عندما رفع شعار أن العلم كالماء والهواء من حق أى مواطن. ولقد تابعت عن قرب مثقفا يعتبر نموذجا للحديث عن علاقة المثقف بالسلطة هو سعد الدين وهبة, وعرفت من متابعتى هذه أن القضية ليست بالبساطة التى نطرحها أحيانا: نحن مع السلطة أم مع الثقافة؟ أو نحن مع السلطة أم مع الناس؟ فالدولة من واجباتها أن ترعى الثقافة ولذلك فهى تنشر الكتب وتنتج المسرحيات وتمنح الجوائز وتعين المبدعين ماديا وتبني الاوبرا وتقيم الأكاديميات الفنية الى آخر هذه الانجازات التى يعجز الناس عن اقامتها وحدهم أو حتى مجتمعين. أنا كمثقف - اذا جاز لي أن أصف نفسى بهذه الصفة ماذا يكون موقفى من هذا. هل إذا نشرت لي الدولة كتابا أكون عميلا للسلطة؟ فى معرض الكتاب الأخير كنت وزميلى وحيد حامد ضيفى ندوة فى المعرض أدارتها الدكتورة عزة هيكل ابنة أستاذنا الدكتور أحمد هيكل. وهو بالمناسبة كان وزيرا للثقافة. ووقف أحد الشباب وقال: أنتم أبواق للسلطة وانفعل وحيد حامد الخارج من أزمة قلبية منذ أسابيع, أما أنا فلقد انفجرت فى الضحك. فلقد تصورت أن أتهم بأى شئ سوى أن أكون بوقا للسلطة أو لغير السلطة. ولعل الشاب كان يقصد أننا نعمل فى التليفزيون الذى تمتلكه الحكومة. ولا أدرى هل العمل فى جهاز تملكه الدولة يجعل منك عميلا للحكومة. ولا أدرى لماذا نختص المثقفين بهذا الاتهام. هل الطبيب الذى يعمل فى الدولة بريء عكس المثقف. وهل الدولة عندما تملك جهازا فهذا يعنى أنه ليس ملكا للمواطنين أيضا. سؤال آخر عن قدر الحرية أو حتى (العمالة) حسب تعبير الشاب فى معرض الكتاب: ما هى المساحة المتاحة لحرية التعبير للكاتب الأمريكى فى التليفزيون الأمريكى وهو غير حكومى بالمقارنة للمساحة المتاحة للكاتب الفرنسى فى التليفزيون الفرنسى وهو حكومي؟. سنجد أن الكاتب الفرنسى يتمتع بقدر واضح من حرية التعبير لا يتمتع به زميله الأمريكي. وسؤال آخر هل التعامل مع أجهزة الدولة حرام على المثقف, واذا حرمنا جهات النشر والتشخيص والابداع على أنها رجس من عمل الشيطان, فماذا عن التعامل مع الجوازات والمستشفيات والمدارس؟ لا اجابة على كل هذه الأسئلة, أو على الأصح هناك اجابات مختلفة. ولكننى رغم أننى لم أكن قريبا من السلطة فى أى وقت لا أملك إلا أن أبدى اعجابى بثلاثة مثقفين وازنوا بين الثقافة والسلطة هم طه حسين وسعد الدين وهبة وجابر عصفور. وعندما لمع اسم جابر عصفور ورشح لأكثر من رئيس المجلس الأعلى للثقافة, تخلى عن كل ذلك وذهب ليدرس فى جامعة هارفارد. لكنه لم يتخل عن استراحة (البيان) وكنا جيرانا فى (الاستراحة) لفترة طويلة قبل أن ينقلنى الزميل الكبير خالد محمد أحمد الى هذا المكان, فيحسدنى البعض على اعتبار أنها ترقية, ويعزينى الآخرون على اعتبار أنها نفي. وسواء كنت أول جار أو سابع جار سأظل أقرأ استراحة جابر عصفور, وأحس بالحنين له وهو محاط بالثلوج التى وصفها فى آخر مقالاته.