بيان 2: ان كنت تحب ان تسمع بقلبك, فتابع قراءتك بلا تردد.. وان كنت حقا من عشاقها ـ تستطيع الان ـ ان تراجع صوتها في ذاكرتك.. فـ (ام كلثوم) وحدها فقط (تتميز) بصوت جميل مغموس دلال وسحر وشجن.. وعندما يخرج من حنجرتها يمطرك رقة ويذيبك احساسا. ان صوت (ام كلثوم) جزء من ذاكرتنا العاطفية لا يُنسى.. وعمر من سنوات التكوين.. فمن منا لم يكتب اغانيها في كراسات القلوب؟.. وعاش مع نغمات صوتها اكثر من معنى للحياة. ماتت (ام كلثوم), لكن الفن الجميل لا يموت, وبفنها ساعدت في كسر الحواجز والحدود, وساهمت في تكوين وجدان شعبنا العربي, الذي اسعدت الملايين منه, وبقيت اسطورة صدقها الناس صوتا وصورة وأداء. (رجعوني عينيك لأيامي اللي راحوا علموني اندم على الماضي وجراحه). تعودنا للأسف ان نذكر فضل الناس بعد الموت.. تعودنا ان نستيقظ فقط عندما يرحل هؤلاء الذين نحبهم, ونملأ المكان والزمان والأوراق, بكان, وكانت وكانوا, لكننا هذه المرة سنترك كلماتنا مع اغاني (ام كلثوم) تجدد العزاء في فنها الجميل الباقي, ومع الآهة المسافرة في قلوبنا نترحم على اغاني زمان! (وعايزنا نرجع زي زمان قول للزمان ارجع يا زمان وهات لي قلب لا داب ولا حب ولا انجرح ولا شاف حرمان). ما كتب عن ام كلثوم كثير, وما نشر عنها لا يعد ولا يحصى, سواء في حياتها او بعد رحيلها, لكن السؤال الذي يجب ان يطرح حاليا, هل كل ما يتلقاه الجيل الجديد من معلومات عنها هو الصحيح؟ هل يعرف ان من اهم اسباب احتفاظ شعوب شمال افريقيا (المغرب وتونس والجزائر) باللغة العربية صوت (ام كلثوم).. الذي كان يجمعهم الخميس الاول من كل شهر حيث كانت تقيم حفلاتها, وهي لا تدري انها بذلك تكسر طوق الاحتلال الفرنسي الذي فرض لغته في المدارس والتعاملات اليومية. ويوم ان ذهبت الى دول شمال افريقيا بعد الاحتلال حملتها الجماهير وهي داخل سيارتها عدة امتار عرفانا وتقديرا. (هوه صحيح الهوا غلاب معرفش انا والهجر قالوا مرار وعذاب واليوم بسنه). هي اول مطربة بالمعنى الدقيق للكلمة في الغناء العربي.. هي اول مغنية بالمعنى المطلوب للطرب, هي اول فنانة تعي وتعرف وتدقق في الكلمة واللحن وتحاسب نفسها على الآداء لأنها كانت دائما تعشق صراخ الجماهير وهو يتفاعل بحب مع اغانيها. ولأنها حالة خاصة في تاريخنا الغنائي, ولا ينكر احد انها ثروة فنية, اطالب باعادة النظر في كتابة تاريخها من جديد, ومع احترامي الشديد لما كتبه الاستاذ محفوظ عبدالرحمن في مسلسل ام كلثوم والذي بالفعل يحسب له لا عليه, لكن يجب الاعتراف بأن الدراما لا تقدم تاريخا, وانما تستعرض سيرة ذاتية في لمحات سريعة. ثم دعوني اطرح السؤال الاهم, هل شرائط اغاني (ام كلثوم) تصلح اليوم بعد التطور الرهيب تكنولوجيا كمكتبة موسيقية تنقل هذا التراث للأجيال القادمة؟ (فكروني ازاي هو انا نسيتك انت اقرب مني ليه يا هنايا حتى وانت بعيد عليا او معايا تنتهي الايام وحبك انت ملهوش نهاية). صوت (ام كلثوم) يملأ القلب بالحب والشجن, يدفعك الى اجترار الذكريات واستعادة الأيام واللحظات التي افلتت من بين اصابعك. لا يمكن ان تسمعها وتتجاهلها, انت مجبر على الصمت, ومجبر على متابعة صوتها, كأنها تطير بك الى عالم لم تره من قبل, ولا تستطيع الوصول اليه الا بصوت ام كلثوم, ذلك الصوت الذي لا يمر دون ان يترك علامة في القلب. (هجرتك يمكن انسى هواك وأودع قلبك القاسي وقلت اقدر في يوم انساك وافضي م الهوا كاسي لقيت روحي في عز جفاك بأفكر فيك وانا ناسي). كيف يمكن ان نحافظ على تاريخ قد ننتظر طويلا قبل ان يتحفنا الزمان بمثله؟ هل جمع مكتبتها الموسيقية بأحدث وسائل التكنولوجيا هو الحل, هل كتابة تاريخها, وتأريخ حياتها من خلال متحف مازال حتى هذه اللحظة في علم الغيب, يمكن ان يرد لأم كلثوم ولو جزءا من مليون لحظة سعادة عشناها معها ومازلنا ننتظر غروب شمس كل يوم لنتنفس ونستنشق هواءها الذي يغسل اسماعنا ومشاعرنا. الكارثة, اننا نكتب, ونعيد الكتابة, ويترجم الفعل الى صمت, ورد الفعل يبقى محبوسا في ادراج المسئولين! (واحب تاني ليه واعمل بحبك ايه دا مستحيل قلبي يميل ويحب يوم غيرك ابدا) ربما كان لموت (ام كلثوم) معنى, لأنها كانت تخاف من ان يأتي زمن على الغناء سيكون من الرداءة لا لأنه ليس هناك من لا يحسن الغناء, ولكن لأن هناك ايضا من لا يحسن السمع!!