بيان 2: بغداد ـ (البيان): في يونيو عام 1975 شهدت العاصمة العراقية بغداد المؤتمر الاول للتربويين العرب الذي انعقد تحت شعار (دور التربية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الوطن العربي). كان المؤتمر خطوة نحو تربية عربية ذات أهداف ومضامين تتجاوز المستويات الفطرية إلى المستوى القومي بغية التوصل إلى فكر عربي موحد يحقق تعبئة الجهود والطاقات العربية ويوظف الموارد المادية والبشرية في خدمة التنمية. واليوم وبعد مضي ربع قرن على ذلك المؤتمر من حقنا ان نتساءل عن النتائج التي تحققت على المستوى العربي في هذا الموضوع. نجدت الصالحي اختصاصي التربية في جامعة المستنصرية تحدث حول توحيد المناهج التربوية العربية وهو موضوع للاستاذ الصالحي ضمن بحوث عديدة. * ما هي الاجراءات التي اتخذت عربيا على طريق توحيد أو تقريب المناهج التربوية؟ ــ سأستعرض في البدء صورة عامة لحركة اجراءات التطوير متخذا من اقطار معينة نماذج تطبيقية فمثلا الامارات العربية المتحدة بدأت بتطوير مناهجها منذ عام 1970 من خلال حملة جملة اجراءات منها تكوين اللجان المختصة وكتابة المذكرات حول المناهج وتقديم المقترحات مع الاتصال بالمدارس للتعرف على المقترحات ومن ثم طباعة الكتب في ضوء ذلك وهذه الاجراءات تمت من قبل جهات ذات خبرة واختصاص وافراد من الهيئات التعليمية والجامعية وكذلك فعلت البحرين حيث اقامت ندوة من قبل جهات ذات خبرة واختصاص وافراد من الهيئات التعليمية والجامعية وكذلك فعلت البحرين حيث اقامت ندوة موسعة لابداء الرأي وبمشاركة تدريسيين ومختصين في التربية وعلم النفس وتجري تجربة المنهج وفق برنامج زمني مفصل أما الاردن فقد بدأت بعمل التطوير عام 1964 لمناهج التعليم الابتدائي وعام 1972 للثانوي وعام 1973 لمناهج اعداد المعلمين وبمشاركة الجامعة الاردنية والمجلس القومي للتخطيط ومجلس البحث العلمي والمعلمين والمتخصصين الاكفاء ومثلها فعلت تونس منذ عام 1958 ــ 1968 وضمن الخطة العشرية وتكوين اللجان القومية للنظر في التعليم والجزائر عام 1963 والسعودية عام 1968 للابتدائية و1972 للثانوي و1973 لاعداد المعلمين, اما سوريا والعراق فالاولى ابتدأت عام 1967 والثانية 1968 وكذلك فعلت قطر ولبنان وليبيا ومصر واليمن. اليوم.. والمستقبل المنظور * كيف ترون مؤشرات الاهتمام العربي وما ابرز سماته وكيفية التعامل مع المستقبل؟ ــ معظم الاجراءات يغلب عليها الطابع الاداري والفني وقد تأتي ضمن مهمات (وزارة التربية) وسياقات العمل في مديريات المناهج, ومهماتها تعديل المناهج وتحديثها واغناؤها لكن واقع الحال يقول انها عمليات تحديث واغناء وتعديل جزئية تتخصص منذ البداية بمراحل التعليم وبالمواد الدراسية وتنتهي بطبع الكتب أو اعتماد المقررات الجديدة وكأنها ستكون ثابتة دون تصور شمولي لحركة تطوير المناهج على ايقاع التطور التربوي العام المقرون بالتطور الاجتماعي من جهة وبتطور العلوم ومتطلبات المهن من مستويات المهارة المتجددة يوما بعد يوم من جهة ثانية. انها تعبير دقيق عن صورة التعليم الاقرب إلى التقليدية في اطار اجتماعي متغير باستمرار بفعل قوى التغيير المختلفة وليس للمستقبل البعيد أو للمنظور القومي في اعداد المناهج أو في التخطيط لها موقع بارز موحد يتناسب مع الهدف الوطني والقومي لتربية الناشئة في الاقطار العربية. طغيان الكم على النوع * ما مستقبل التربية في الوطن العربي في ظل التحديات المعاصرة والمستقبلية؟ ـ ان الحركة التربوية التي ابتدأت منذ الستينيات أو بداية السبعينيات ارست قواعد مهمة في مجال التخطيط للتربية أو للتنمية إلا انهال لم تخل من وجهة النظر المعاصرة من مشكلات أو من حيثيات برزت من خلال التنفيذ الواقعي للخطط الموضوعة أو المعتمدة ومن الممكن من استقرائنا لمسارات هذه الحركة ان نستخلص ما يلي: ان التخطيط الكمي طغى على التخطيط النوعي (الكيفي) الذي انحصر الاهتمام التنفيذي به مقابل الاهتمام المتزايد بتطبيق الجانب الكمي حيث يعكس المخطط الكمي على دراسة الواقع ثم يحدد اهداف المستقبل ويقوم باساقطات وتنبؤات على مدى زمني محدد بعد ان يضع امامه تشخيص الواقع واستقراء اتجاهاته فيحدد مرامي الخطة في ضوء ما استقراه من مشكلات الواقع وبين سنة المرمى وسنة الاساس يجري عملياته الاحصائية وفق نماذج (للتدفق) فيوصلنا إلى معدلات أو نسب للتوسع في التعليم. ونلاحظ في العديد من الخطط الكمية يندر ان يدخل المخطط في تفصيل الوسائل وكيفية الوصول إلى ما رمى اليه في خطته فهو يقدر لنا اعداد التلاميذ والمعلمين وما يستلزم من مدارس دون ان يوضح لنا كيفية الوصول إلى اسلوب تمكين التلاميذ من الدخول في التعليم أو مصادر الحصول على الموارد المالية وكيفية توفيرها وقد يحسب ان هذه الامور تأتي عند (البرمجة) التي تبدو وكأنها تدخل مرحلة التنفيذ أو تجري مقدمة لها. ولابد لنا من التأكيد ايضا على ان التعليم له قطب واحد لا يمكن ان يعالج الكم منفصلا عن الكيف أو بالعكس ويبدو لنا ايضا ان معالجة المناهج في الخطط التربوية ينبغي ان تتم وفق استراتيجية تعتمد النوع والكم معا لكي تكون عملية بناء المناهج وتطويرها والتخطيط لها في سياقها الصحيح وآنذاك يتحول الجانب النوعي (الكيف) من عمل هامشي يضاف إلى الخطة (الكمية) إلى عمل اساسي في صلب الخطة, لان المناهج ومحتوى التعليم بالمفهوم الصحيح والابعاد الحقيقية هي العمود الفقري لصلب التعليم وجودته. * ما الطرق التي تم بموجبها تطبيق التغيير في المناهج عربياً؟ ــ لقد تمت العملية وفق مراحل يمكن تحديدها بانها كانت اما متقطعة أو مستمرة ووقعت تحت تأثير عامل خارجي اكثر منه بفعل قوى من داخل النظام التربوي وربما تمت لاسباب ظرفية اكثر منها بفعل اقتناع أو تنفيذا لخطط محددة وبطريقة مشتتة اكثر منها وفق مخطط تراكمي متكامل وفي وقت متأخر عادة عن الوقت المناسب وبطريقة سطحية أو جزئية اكثر منها اساسية. ومن هنا كان لابد من التمييز عند التصدي لاحداث التغيير في النظام التعليمي بعامة وفي المناهج والمحتوى بخاصة بين التغيرات المادية والتغيرات في المفاهيم لان التغيير أو التجديد يستلزم قبولا في المستوى الفردي وفي المستوى الاجتماعي ولابد من الاتساق المتوازن بين اهداف التربية وفق المراحل وبين اهداف مناهجها في حركة شاملة مستديمة لا تخفت قوتها بل تزداد تطورا مع تطور المجتمع في حاجاته ومتطلباته وآماله في المستقبل. لذا فان التربية هي جزء من النظام الاجتماعي يتأثر به مثلما يؤثر فيه وهنا يبرز دور المناهج في جعل التربية معبرة عن المجتمع في حركته نحو المستقبل. ملامح ومنطلقات * العالم العربي ليس موضوعا من كتلة واحدة متجانسة في التكوين والتركيب ومن المنطق والواقعية ان تؤخذ هذه الامور بعين الاعتبار عند التصدي لامر مهم كالمناهج التربوية, ما رؤيتكم التحليلية لهذه التباينات وكيف يتم التعامل معها؟ ــ ان بناء المجتمع بجودة مطلوبة وفق رؤية تربوية اجتماعية رصينة وعقلانية يتطلب النظر في المستقبل واطالة النظر فيه مثلما يتطلب النظر إلى الحاضر ولكن ابعطاء الاولوية المستقبلية اذا كان لابد من اولوية, مما يعني ان هذا النمط من الاستراتيجية اكثر حرصا من التخطيط التقليدي في استطلاع المستقبل ضمانا لسلامة التحرك اليه, ولما كان التعليم أي تعليم لا يوجد في فراغ وانما يشتق مكوناته وخصائصه واهدافه من المجتمع الذي يوجد فيه ويخدمه فان السؤال الاهم والاوسع والاعمق الذي يفرض نفسه تلقائيا هو (ماذا يريد المجتمع ان يكون؟ وما الرؤية الاجتماعية التي ارتضاها أو تطلع اليها؟ وماذا ينتظر ان يكون في المستقبل في ضوء ما يمكنه أو ما يريده أو يتطلع اليه؟). ومثل هذه الاسئلة تدخل مداخل الفكر والفلسفة غير التقليدية في استطلاع المستقبل الامر الذي سبقنا اليه المجتمعات المتقدمة والتي توسلت بتقنيات جديدة في المستقبل وتجاوزت اساليب الاجتماعات واللجان التقليدية في التوصل إلى فكر أو رأي وبلورته وصارت هذه التقنيات (فنا) له اختصاصيوه. وعندما نتساءل: ماذا نريد؟ أو ماذا يريد المجتمع؟ أو ماذا ينبغي ان تكون عليه مناهجنا التربوية العربية؟ ندخل باب (الامل) في المستقبل غير انه لا ينبغي ان يكون من احلام العاجزين أو تطورا طوبائيا لمستقبل التعليم والتربية انما ينبغي ان يكون تقديرا سليما لما يمكن ان تكون المناهج عليه ومحتوى التعليم في المستقبل اذ تمت تعبئة القوى المحركة والدافعة لها في احسن صورة ممكنة وبأحسن معدل للسرعة وافضل اتجاه للنمو. الديمقراطية ركيزة التعليم * الحديث يقودنا إلى تساؤل مهم: ماذا نريد من المناهج؟ ــ نحن لا نريد تطوير المناهج أو ادخال تحسينات أو تجديدات أو مستحدثات أو توسيع أو تنويع ولكننا نريد ان تصبح المناهج ركيزة تعليم عصري ينسجم مع مطالب مجتمع عربي ينشد التقدم ومع حاجات ابنائه ومستقبل حياته وفكره الوطني والقومي ليتحول التعليم بمثل هذه المناهج إلى قوة فعالة في صنع الانسان العربي الجديد والتقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع العربي. ان محو الرؤية الاجتماعية تتطلب ترجمة دقيقة عنها في محتوى التعليم وان هذه الرؤية الاجتماعية تفرض على التعليم ان يكون تعليما يعنى بطريقة التفكير العلمي مثلما يعنى بمفاهيم العلم وتوفير الموقف التي تتيح للمتعلمين فرص التعبير الصادقة والدقيقة عن انفسهم وافكارهم والتأكيد على العمل المتقدم المنتج والنافع وتمحيص تراثه الثقافي ونقده وممارسة الديمقراطية والوعي بالقضايا المعاصرة واتخاذ مواقف محددة منها وترصين الحالة الفكرية والنفسية والقيمية ازاء التحديات بمختلف انواعها. وهذا يتطلب تنمية النظرة المستقبلية لدى المتعلم وتنمية المهارات التي تجعله قادرا على الاسهام في التحكم بمستقبل الحياة والالتزام بالمبادىء والقدرة على الدفاع عنها وتطويرها مع القدرة على الدفاع عن ارضه ومقدساته والنزوع نحو التقدم الاقتصادي والاجتماعي فضلا عن القاعدة الايمانية والروحية فيه كل هذه من متطلبات التنشئة وتكوين الشخصية المتميزة بجوانبها كافة وهي من متطلبات التربية والتعليم ومن مطالب المجتمع الاساسية. ومن المهم ان نذكر هنا ان من حسن حظ الاقطار العربية (أو بعضها على الاقل) انها قد جرت فيها محاولات للتعبير عن رؤاها الاجتماعية وايضاحها وبلورتها وهي ليست بحاجة إلى ان تجهد نفسها وتعتصر ذاتها استكشافا لرؤاها واستيضاحها لان البداهة المشتقة من خبرة الواقع وتحديات العصر والظروف تؤدي إلى الوقوف على اسئلة تقول: ماذا يريد كل قطر عربي لنفسه على المدى الطويل والقصير؟ مهما كان حجم هذا القطر وامكاناته ومهما كان حظه من التاريخ والتقدم ومهما كان موقعه من المحيط إلى الخليج, فيقول الا يريد رخاء اقتصاديا والاخذ باسباب العلم والتكنولوجيا وبنية تحتية للقاعدة الاقتصادية وللبناء الاجتماعي مع حرية فكرية وسياسية متممة للعدالة الاجتماعية وموجهة للرخاء الاقتصادي وينشد امنا وسلاما في الداخل ومن الخارج وعلاقات طيبة ومودة مع المجتمع العلم والتكنولوجيا وعن العدالة وعن الحرية وعن الوحدة وعن الانفتاح والتعاون وعن القيم الاصيلة المتقدمة وعن الصمود والقدرة علي ردع الاعداء والاسهام في صنع المجتمع أو اعادة صنعه والمشاركة في حياته وتطويره.