بيان 2: دمشق ــ هاجر أحمد: يشير المحامي والباحث الراحل نجاة قصاب حسن في كتابه الشيق (حديث دمشقي) إلى ان من يمر بحارات الشام القديمة ويشهد منازلها من الخارج، فإنه يرى بيوتاً لا شكل لها ولا زينة, ويضيف موضحا مدخله التوصيفي: هذا الطابق الأرضي لا نوافذ فيه ومن الخارج يطلى بالكلس وفوقه طابق له شبابيك مغطاة بالخص وتطل كشرفة صغيرة على الطريق ومن فيها يرى الناس ولا يراه الناس وهذا كل شيء, ولكن إذا دخلت الى الدار الشامية وجدت فيها دهليزاً صغيراً تنفذ منه الى فسحة يبدأ معها عجبك بالتحول الى إعجاب أرضها من الحجارة المرصوفة الملونة وإذا كان البيت لأغنياء فمن الرخام وفيها أكثر من شجرة من الأشجار المنزلية. ولكن, لماذا هذه الازدواجية لماذا هذا التناقض الصارخ في البيت الدمشقي وإلى أي مدى يمكن أن يعبر ذلك عن طبيعة حياته أو منطق اقتصادي أو اجتماعي؟ تساؤلات لابد أن تجول في ذهن كل من يخرج بهذا الانطباع التأملي الذي يستوقفنا بداية من قبل الولوج إلى عوالم الزخرفة والنقوش الجمالية داخل البيت الدمشقي ــ تساؤلات نعود لنقرأ بعض اجاباتها في حديث الراحل نجاة قصاب حسن الذي يتابع فيقول: (اذن فالبيت الدمشقي من الداخل غيره من الخارج جنة ومن الخارج شيء لاشكل له ولا جمال فيه ربما كان لذلك سببان: الأول ديني: فالجدران عالية والنساء يختبئن ضمنها فهو (حريم) محصن والمرأة التي تدخله تقضي حياتها برمتها فيه إلا طلعات خفيفة ولذلك يجب أن يكون جميلاً ومشتى ومصيفاً. والسبب الثاني: أذكر أنني قرأته عند محمد كرد علي وهو أن الدمشقي لكثرة ما عانى من موجات الغزو والنهب والتقلبات وألوان الحكم القديم القائم على التعسف يحاول جهده أن يخفي النعمة ولا يظهرها وذلك أن النعمة ما أن تظهر على صاحبها حتى يقتل أو ينهب في أول فرصة وربما كان هذا من الصفات اللاصقة بالعواصم. زخارف الأبواب: ونترك المظهر الخارجي المتقشف لنبحث في الداخل عن انسجام التكوين وهدوء الألوان وبراعة التشكيل وذائقة الفنان نبحث ها هنا عن أصوات أولئك الذين أبدعوا كل هذا الماضي الجميل عن اختلاجات أرواحهم عن ضربات ريشتهم وحنو أزاميلهم وأنين صبرهم الطويل ستستوقفنا أولاً زخارف الأبواب الخشبية بدءاً من الباب الرئيسي للبيت الذي يطق عليه الدمشقيون باب الزقاق تمييزاً له عن الأبواب الأخرى وصولاً إلى أبواب الغرف والقاعات الداخلية. يتألف الباب عادة من مصراع واحد أو مصراعين وربما أكثر وتعقد فتحة الباب في اعلاها بقوس مستقيمة وهي الأكثر شيوعاً أو قد يمتد قوسها بعقد يختلف انحناؤها حسب التصميم وتتعدد أشكال عقود الأبواب في بيوتات دمشق ومشيداتها والتي يحصيها ويوثق لها د. قتيبة الشهابي في كتابه زخارف العمارة الاسلامية في دمشق فيقول: ومنها العقد التام والعقد المحدب والعقد الموتور أو القطاعي وهناك القلة من العقود ذات النماذج الغربية. ويبدع الفنان الدمشقي المصمم لمصراع الباب في التفنن بزخرفته وتنفيذه وكم هي كثيرة نماذج تلك المصاريع غير انها لا تخضع لنمط محدد في الزخرفة ولا تخرج عن كونها انتاجاً عفوياً بسيطاً ينطلق من الاحساس بجمالية التصميم سواء أكانت منفذة بالخشب أم بالحديد. الأرابيسك تداخل الزخارف الحميم: تتداخل في البيت الدمشقي الزخارف النباتية والهندسية والخطية بتوزيع مدروس وتناوب منظم وانسياب شاعري ــ الإيحاء البصري الأهم الذي يتركه هذا التداخل يقوم على مزيج حميمية تشابك هذه العناصر وألفتها من جهة وامتداداتها الرحبة التي تتسرب من ركن إلى آخر. أوراق وأغصان وأزهار نافرة العجمي: ولع الدمشقيون بالنباتات لايقف عند باحة الدار ولا يقتصر أيضاً على الأصص والأحواض الصغيرة التي تملأ كافة أرجائه بل يتعداه بالزخرفة ويتجلى هذا أكثر ما يتجلى في النقوش الزخرفية التي تعرق العجمي والتي تقوم على الزخرفة البارزة على الخشب المطلي بمعجون نافر ملون تزين بها جدران القاعات وحشواتها والغرف والسقوف كما تزين بها الجسور والأبواب والأعمدة والحليات وأبواب الخزائن الجدارية وحتى المفروشات الخشبية, يقول قتيبة الشهابي يحضر معجون العجمي من مزيج من عدة كالزنك والاسبيداج والجص والكتبرة والغراء ويمرر فوق الخطوط المرسومة على الخشب للأغصان والأوراق ومحيط الأزهار فتبدو نافرة وبعد الجفاف يطلى بالألوان الزاهية ويوشى بالذهب ويحفظ تحت طبقة من القرنيش أو الزيت لعزله عن عوامل الطبيعة والمناخ. هذه العمليات التقليدية المعقدة كانت تستغرق الفنان الدمشقي وتأخذ الكثير من الوقت والجهد لكنها كانت تنبع أساساً من الاحساس بقيمة الجمال والإخلاص له وهو اخلاص تحسد عليه البيوت الدمشقية اليوم مثلما نغبط ساكنيها. الرخام والزجاج المعشق .. أطياف وأطلال: في زخارف البيت الدمشقي تجتمع الموهبة مع الذائقة الرفيعة والدأب والصبر الطويل مثلما تجتمع كافة عناصر الطبيعة ومواردها فإلى الخشب والجص والتراب والكلس هناك الرخام وهو حجر كلسي متعدد الألوان منه الأبيض والملون والمجزع والناعم والهش وللرخام دور كبير في عمارة دمشق القديمة منها والحديثة ويستخدم لإكساء واجهات البيوت الخارجية ورصف أرض الصحن أو الفسحة السماوية, أرض الديار, وبركة الماء (البحرة) وتزيين عقد وجدران الإيوان والنوافذ وما شابه من الأعمال الزخرفية. وإلى الرخام هناك الزجاج المعشق وهو عبارة عن زجاج ملون متداخل في جص أو خشب أو النوافذ الزخرفية المخرقة بدءاً من الأشكال الهندسية البسيطة إلى الزخارف النباتية الكثيفة لكن العنصر الأساسي الذي يعطي الزجاج هذا الدفء هو اللون الذي ينسكب على لوح الزجاج الشفيف فيتداخل معه أحياناً أو يطغى عليه فيما تنعكس أشعة الشمس لتحول اللون والزجاج والزخرف إلى مهرجان من الأضواء والأطياف والظلال. كتابات ونقوش .. أسماء وتواريخ: وبالآيات القرآنية والأقوال والحكم المأثورة تمتلئ زخارف البيت الدمشقي وتمتلىء في بعض الأحيان بالكتابات والنقوش وتحضر أسماء وتواريخ لبناة ومعماريين وأصحاب بيوت. وزخارف البيت الدمشقي في نقوشها الكتابية وغير الكتابية تقول بالخط واللون والتشكيل الكثير عن الروح الكامنة في ثناياها عن تلك الألفة اليومية مع الجمال عن البهجة التي لا تنفد.