منذ سنوات والحديث عن قيام السوق الإسلامية المشتركة بين الدول الإسلامية لا يزال ساخناً ومستمراً, خاصة وأن العالم يتجه نحو إقامة التكتلات الاقتصادية الصغيرة والكبيرة, في دول أوروبا وأمريكا وآسيا, ويشمل هذا التكتل الدول الغنية والفقيرة, بعد أن لاحظت الدول التي تقف منفردة في المجتمع الدولي, ضعف حيلتها أمام المشكلات الاقتصادية المتشابكة والمعقدة التي تكثر وتزداد مع تطور الزمن, ويصعب على هذه الدول إيجاد الحلول المناسبة والسريعة لها, ثم اللحاق بركب التنمية والحضارة في ظل النظام الراهن لهيكل السوق العالمي الجديد, لذلك بدأ الاقتصاديون الإسلاميون بعقد المؤتمرات والندوات وكتابة البحوث والمقالات لبحث إمكانية إقامة السوق الاقتصادية الإسلامية المشتركة بين الدول الإسلامية المعاصرة. في العاصمة البنجلاديشية (دكا) نظم مركز البحوث الإسلامية مؤتمراً بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية, وبنك البركة البنجلاديشي, وافتتحه وزير مالية بنجلاديش, الذي أكد على أهمية إقامة هذه السوق, التي تحقق التعاون بين الدول الإسلامية, واستعرض المشاركون في أعمال المؤتمر تعاون جنوب شرق آسيا المماثلة, والمكونة من ماليزيا وبنجلاديش وبروناري واندونيسيا. ومن المشاركين في الدعوة لهذه السوق, المجلة الاقتصادية الإسلامية (تجاريس) حيث قالت: إن العالم اليوم يواجه عصر التحديات والتكتلات الاقتصادية, التي يأتي في صدارتها, الاتحاد الأوروبي, واتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (تاقتا), ومنتدى التعاون الاقتصادي الآسيوي الباسفيكي (أبيك) والاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة (الجات). وأخيراً منظمة التجارة العالمية. وهناك دعوات مماثلة لإقامة السوق العربية المشتركة, بدأت منذ سنوات ومازالت الدعوة قائمة, والعمل مستمراً على إيجاد هذه السوق, لإخراجها إلى حيز الواقع والتطبيق, وهذا الهدف تسعى إلى تحقيقه بعض الدول العربية ضمن إطار الجامعة العربية, وهناك دعوة لإقامة أسواق مصغرة, ضمن تكتلات محددة ببعض البلاد العربية, كالسوق الخليجية لدول مجلس التعاون, والدعوة التي وجهتها سوريا, لإقامة سوق اقتصادية مشتركة تضم دول إعلان دمشق, ومازالت هذه الدعوة قيد الدراسة والمشاورات بين الأطراف المعنية جارية, لوضع الأسس والمبادئ التي ستقوم عليها هذه السوق. وفي كل مناسبة وطنية أو قومية أو إسلامية, تتصدر البيانات الرسمية تصريحات المسئولين السياسيين والخبراء الاقتصاديين ودعوتهم لإقامة السوق العربية المشتركة, والسوق الإسلامية المشتركة, ولكن الكلام يبقى حبراً على ورق, وتتابع الجماهير العربية والإسلامية أخبار هذه الأسواق مترقبة خبر الإعلان عن البدء بتنفيذ اجراءات قيامها, ولكن الأيام تنقضي والأجيال تنتظر, ولعل المنتظر يصل قريباً. فوائد السوق الإسلامية المشتركة أولاً: الاقتراب من الاكتفاء الذاتي العربي والإسلامي, وخفض نسبة الاعتماد على العالم الخارجي, في استيراد السلع اللازمة للسوق المحلية بكافة مجالات نشاطاتها, الغذائية والدوائية والصناعية الخفيفة والثقيلة, وخاصة في مجال الأمن والدفاع العسكري. ثانياً: الاستفادة من إنتاجيات الدول المشاركة, وبالتالي إقامة الصناعات التخصصية بين الدول الأعضاء, التي تؤدي إلى تحسين الإنتاج كماً ونوعاً, وتوفيره في الأسواق بأفضل المواصفات. ثالثاً: دعم مواقف الدول الإسلامية في وجه المنافسة الدولية في مجال التجارة العالمية لتتمكن من إثبات وجودها على الساحة الدولية. رابعاً: توسيع مجالات الإنتاج, وتعدد طرقه, ليلبي حاجة السوق في الدول الأعضاء, ويعمل على إيجاد فرص عمل للشباب العربي والمسلم. خامساً: تغطية حاجة السوق في الدول الأعضاء والصديقة, ثم تصدير الفائض إلى الخارج, بنظام المبادلة التجارية مع الأسواق العالمية, وذلك بمبدأ التعاون المشترك القائم على العدل والاحترام المتبادل بين الأطراف المعنية. ومما يساعد على قيام هذه السوق ونجاحها في تحقيق أهدافها, ما تتميز به الدول العربية والإسلامية عن غيرها من الدول الأخرى, حيث يجمع الغالبية العظمى من شعوب هذه الدول دين واحد, ولغة وعادات وتقاليد واحدة, إضافة إلى المصير المشترك أمام عدو واحد. كما أن الموقع الجغرافي المتقارب بين الدول العربية والإسلامية, يضمن لها التعاون والتكامل في كل ما تحتاجه أسواقها, من الثروات الطبيعية أو البشرية بيسر وسهولة, وبسرعة مثالية نظراً لتوافر وسائل النقل, وقرب المسافات نسبياً, وكذلك فإن توافر الموارد المالية والبشرية والطبيعية بنسب متفاوتة في هذه الدول, يجعلها تكمل بعضها بعضاً, فما كان في هذه الدولة نادراً تجده في الأخرى فائضاً, وما تجده في هذه فائضاً يكون في الأخرى نادراً, وبذلك يتحقق التكامل الاقتصادي. أما وسيلة قيام هذه الأسواق فلا بد لها من أن تكون قوية تعتمد على أسس علمية تبنى على بيانات صادقة صادرة عن عقول مخلصة راغبة لهذه السوق النجاح والفلاح, وهذا يتطلب من القائمين على أمر هذا المشروع الحيوي في حياة الأمة العربية والإسلامية, بأن يتحروا الدقة في اختيار المرتكزات الأساسية لقيام هذه الأسواق. عوامل نجاح الأسواق المشتركة لابد لكل عمل يكتب له النجاح, أن يجتمع فيه العنصر المادي والعنصر الروحي, أما العنصر المادي فيتمثل في دراسة أحوال الدول الأعضاء دراسة دقيقة شاملة, وما يتوافر فيها من موارد طبيعية, وما تحتاجه أسواقها المحلية من صناعات وسلع ومواد أولية, ثم تصب هذه البيانات في قاعدة البيانات الشاملة, التي تكون ركيزة أساسية لدعم القرار المتخذ من قبل السلطات العليا القائمة على تنظيم شئون السوق, والقادرة على اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي. أما العنصر الروحي ــ وهو الأهم ــ في قيام هذه السوق فإنه يبدأ من كل فرد من شعوب الدول المشاركة, فالمزارع في مزرعته يساهم في النجاح, وكذلك العامل في مصنعه والتاجر في متجره والحرفي في مهنته, والطبيب في عيادته والمهندس في مكتبه, والطالب في مدرسته, والمربي في منبره, والجندي في ثكنته, الكل في عمله المنتج, الكل يعمل بإخلاص, اذن الكل يساهم في النجاح من موقعه الذي هو فيه, والسفينة لا تنجو من الغرق إلا بتعاون جميع ركابها. إن التعاون من أخلاق الإسلام, وبه أمر اللّه تعالى بقوله: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وأوصى الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - كل عامل أن يتقن عمله فقال: (إن اللّه يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) (ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). السوق الإسلامية العربية المشتركة, تبدأ انطلاقتها من السوق المحلية في كل دولة عربية أو إسلامية, وذلك بتربية العاملين في المجال الاقتصادي تربية إسلامية, حسب مبادئ النظام الاقتصادي في الإسلام, الذي يضع الفرد أمام مسئولياته الكبيرة التي ترتبط بعقيدته الدينية, التي تحرسه في السر والعلن, وتملي عليه الاستقامة في القول والعمل, والتعاون في سبيل إعمار الأرض بالنظام الذي ارتضاه اللّه لعباده المؤمنين. ولابد لنجاح السوق الإسلامية من إقامة بنك أو بنوك إسلامية في كل دولة عضو في السوق, لتتولى مهمة القيام بأعمال الأموال وتحويلها بين دول السوق والدول الأخرى, ويجب أن يكون البنك الإسلامي شرطاً لدخول السوق الإسلامية, حتى لا يبقى عذر لمتعذر, ولا حجة لمحتج, ولا ثغرة ينفذ منها أعداء الأمة, ليشككوا المسلمين بجدوى العمل الجماعي الإسلامي, مستغلين غالبية العامة منهم لفهمهم الخاطئ ببعض أحكام الإسلام في المجال الاقتصادي, وخاصة الأمور المستجدة على الساحة الاقتصادية المعاصرة, وذلك لبعد أكثر المسلمين عن هذه الأمور الخاصة بفئة من المختصين الذين يتابعون أخبار الاقتصاد والساسة في العالم. كما يجب أن تكون لهذه السوق هيئة رقابة شرعية تعتمد في فتاواها على موسوعة فقهية معتمدة من علماء المسلمين في الزمان والمكان المعاصرين للسوق, وذلك سداً للمنازعات والخلافات وحفاظاً على وحدة السوق واستقرارها وتقدمها وتطورها نحو الأفضل, ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار, أن السوق إذا قامت وفشلت فمن الصعب جداً أن تقوم مرة أخرى. إذن فمسئولية قيام السوق الإسلامية تبدأ بعناصر الشعب في كل دولة أولاً, من الفقير قبل الغني ومن المرؤوس قبل الرئيس ومن الصغير قبل الكبير ومن المرأة قبل الرجل, فالكل مسئول لأن الفائدة مشتركة, والخير يعم الجميع وكذلك الضرر إن وجد, فيمكن تلافيه وبتعاون الجميع يقل أثره, ويظهر أثر السوق المشتركة الطيب بتوحيد الأنظمة والتعرفات الجمركية, وإنشاء المشروعات المشتركة لتحقيق الأمن الغذائي في الدول الأعضاء, وتنمية الموارد المائية فيها واستغلال مصادر الطاقة الطبيعية وتطوير صناعة الأدوية لتناسب الأمراض الحديثة, وخاصة الخطرة منها كالسرطان والإيدز وغيرهما. المشاريع الإنتاجية التي تقام في كل دولة عضو في السوق تصب في النهاية في مصلحة الشعب بكل فئاته, وبالتالي تتحقق مصلحة الدولة, ومن ثم مصلحة الدول المشاركة, ثم مصلحة الأمتين العربية والإسلامية. فما الذي يجعل الدول ذات العلاقة في إحجام عن تنفيذ هذه الأسواق قبل فوات الأوان؟ لا يستطيع المراقب لما يحدث على المساحة العربية والإسلامية والدولية, أن يحدد العوامل التي تقف في وجه تعاون جميع الدول العربية والإسلامية في المجال الاقتصادي, وذلك لكثرتها وتعدد طرقها, واختلاف أساليبها, ووجهات النظر فيها, وإن كان معظمها بل الأهم فيها يعود إلى تناسي العرب والمسلمين مبادئ الأخوة الإيمانية, وما تفرضه هذه المبادئ على الأفراد والجماعات المسلمة من خلق التعاون في السراء والضراء ــ وكأنهم تناسوا كيف قامت دولة الإسلام بقيادة النبي الكريم ـ عليه الصلاة والسلام - وكيف علمنا ربنا أن ننـظر إلى المال ومتاع الحياة الدنيا, ووجهنا لنضعه في خدمة إخواننا المسلمين المجاهدين لنصر اللّه ورسوله, وهذه غاية الإنسان المؤمن في الحياة الدنيا. ومن يقرأ القرآن الكريم ويتدبر آياته يجد الراحة النفسية, والاطمئنان والهدوء في رحابه, ويجد اللذة والمتعة في وضع أمواله لإسعاد إخوانه. ويجد رضا اللّه والبركة والنمو في أمواله, والرزق الكثير والخير الوفير, والسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة, وكان من المفلحين كما قال رب العالمين في سورة الحشر الآية 9: (والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). المسلمون في كل زمان ومكان جسد واحد, سيسألهم ربهم فرداً فرداً يوم الحساب بهذا المبدأ وبهذا الميزان, وكل تفريط بأي عضو من هذا الجسد ستقع مسئوليته على كل قادر على رفع الضرر ولكنه قصر في ذلك, وسيكون حسابه بين يدي اللّه - عز وجل - هذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان من عامة المسلمين, لثبوتها بالأدلة النقلية والعقلية التي منها قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ثم شبك بين أصابعه), وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً إذ جاء رجلٌ يسأل أو طالب حاجةٍ أقبل علينا بوجهه فقال (اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء).