بيان 2: يكاد عمره ان يتجاوز السبعين, مر خلال هذه الاعوام الطويلة بالكثير من الاحداث, بعضها حلو والبعض الآخر مر.. الا انه مثله مثل ابناء جيله وزمانه الجميل ترك الزمان فيه آثار القوة والصلابة التي جعلت وجهه يبدو وكأنه لايزال في بداية الشباب فالحيوية تتدفق في اوصاله. بمنزل ابنه في منطقة القطارة استقبلنا مصبح خميس المرر وكل الاصالة تسبق خطواته وترحيبه الحار ودفء المشاعر التي يسبغها بوصول ضيف عليه. يعود بنا عم مصبح الى الزمان الماضي حيث كان يوما صبيا ثم شابا ثم رجلا ناضجا ادى رسالته في كل مرحلة من مراحل حياته في خدمة ارضه ومجتمعه وعشيرته يقول عم مصبح وعيت الدنيا وانا العب في اراضي واحياء منطقة القطارة, تنتمي اسرتي وعائلتي الى قبيلة بني ياس وعندما شببت عن الطوق كان المرحوم الشيخ شخبوط يحكم ابوظبي وما ان بلغت السادسة عشرة حتى التحقت كجندي في حرس الشيخ شخبوط او في الحرس الاميري كما كنا نسميه, وكانت الحياه في هذه الفترة التي بدأت هي المعيشة والمكدة والعمل سواء اكان غوصا أم زراعة أم رعي للاغنام, كان يجب ان نوفر اسباب حياتنا مع صباح كل يوم, فقد كانت الحياة, وكسب العيش بصفة عامة صعبا للغاية بعكس الحياة الآن حيث يأتيك المعاش وانت نائم, لم نكن بمثل هذا الثراء ولكن كنا اكثر تواصلا مع بعضنا البعض واكثر اقترابنا من بعضنا في كل المناسبات السعيدة او الحزينة. مشاركة عامة ففي الماضي لم يكن يمر على اسرة أي حدث مهما كان صغيرا او كبيرا, مفرحا او محزنا دون ان يشاركه كل الناس احزانه او افراحه.. كان هناك تكامل اجتماعي طبيعي بدون قوانين مكتوبة او قرارات صادرة, كانت قوانين نابعة من حب الناس لبعضهم البعض وحرصهم على بعضهم بعكس هذه الايام حيث تشعبت العلاقات وتصادمت المصالح واصبح كل انسان يعيش لنفسه او في اضيق الحدود لصالح اسرته. ويتذكر عم مصبح الايام الاولى التي التحق فيها بالشرطة فيقول تدربت في اول ايام التحاقي بالشرطة على يد الشرطي القديم حمد بو قطعة ووزير الداخلية السابق حمودة بن علي وكذلك على يد الضابط الانجليزي ستيكي وكان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة وقتها حاكما للعين وكان يحضر التدريبات ويشرف عليها بنفسه, وقد بقيت في الحرس سنتين ثم انتقلت بعد ذلك للعمل في شركة داس البترولية, وحين عينت في شركة داس كان راتبي حوالي 70 روبية هندية, وكان العمل يستمر ليل نهار, وكانت هذه اول مرة نحصل فيها على راتب منتظم شهريا. ثم قرر والداي تزويجي وكان ذلك في منتصف الخمسينيات ولما كانت عائلتي غنية نسبيا في ذلك الوقت فقد دفعت مهراً قدره خمسة آلاف روبية وهو كما قلت مهر مرتفع جدا في ذلك الوقت نظرا لان القبائل كانت تقدر المهور بالاملاك التي تحوزها اسرة او قبيلة العريس, وكان لدينا املاك كثيرة تتنوع بين النخيل والابل والماشية, كما ان العروس كانت ابنة عمي ومن نفس القبيلة ولذا فقد كنا نرفع المهر حتى تترسخ قيمة القبيلة وسط القبائل, وتم الاتفاق مع افراد القبيلة وكبارها على ان اتزوج ابنة عمي وهي بالطبع من نفس القبيلة وبالفعل ذهبت مع كبار القبيلة الى والد العروس وطلبنا يدها, فقد كان من العيب في ذلك الزمان ان يذهب العريس الى اهل العروس بمفرده او حتى ان يكلمها هو واسرته فقط فلابد ان تتم الخطبة وسط عزوة من أهل العريس وكان يوم العرس ليلة واحدة تبدأ بتقديم (الذهبة والمير) وبعدها نحتفل بتجهيز بقية المتطلبات كالعيش والثياب والصوغة, وقد سار عرسي على هذا المنوال, وبعد ان تمت هذه الاجراءات اخذت عروسي الى العريش الذي جهزته كعش زوجية حيث لم يكن هناك في هذا الزمان بيوت تبنى من الاسمنت, ولكن سنة 1965 استلمت اول بيت من البيوت التي بناها الشيخ زايد على الطريقة الحديثة حيث الاسمنت والطوب والرمل واول دفعة بيوت بنيت كانت 7 بيوت وطلع لى منها بيت انا وعروسي ولكني لم انتقل لهذا البيت وفضلت البقاء مع عشيرتي في الخيام وبيوت العريش حتى تنتهي الحكومة من بناء بقية البيوت حتى ننتقل جميعا في وقت واحد الى البيوت الجديدة. ويواصل عم مصبح ذكرياته مع زمانه الماضي فيقول بعد ان تعبت من العمل المتواصل في شركة البترول تركتها واخذت حقوقي بالعملة البحرينية وبعدها عملت في تجارة السيارات التي كانت مزدهرة وفي بداياتها وهكذا سارت بنا الحياة مع ظهور البترول من حسن الى احسن. حب جارف ويتذكر عم مصبح انه كثيرا ما التقى بصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ايام كان حاكما للعين حيث كان يبرز في حصن بن خموس ويجلس وقت العصر هناك حيث كنا نجتمع حوله لنتعلم منه شئون الحياة وكانت الذبائح تمر وتصبح الوليمة مفتوحة لكل الموجودين ليتناولوا الغذاء مع الشيخ زايد وكان الناس جميعهم حريصين على الالتقاء بزايد فقد كان يتمتع بحب جارف من أهله وشعبه في العين وابوظبي. ولا يمكن وانا اتحدث عن زايد ان انسى ان العين كانت قبل ان يحكمها زايد عبارة عن كثبان رملية ومرتفعات جبلية ولا توجد بها طرق ولا محال تجارية ولا حدائق ولا اي اثر لنشاط, وكان هناك سوق واحد اسمه سوق الرجعة حيث كان كل شيء يباع فيه, القهوة والدقيق والارز ومحال خياطة الملابس, وكان يفتح من الصباح وحتى الساعة الثانية عشرة ثم من العصر حتى مغيب الشمس وكان السبب في ذلك ان السوق لم يكن به كهرباء بل والعين كلها لم يكن بها كهرباء, وفي هذا السوق كانت حركة التجارة نشطة لكنها بسيطة واذكر اننا كنا نبيع الحطب للتجار في السوق ونشتري بدلا منها القهوة وحينما كانت الكميات تفيض عن الحاجة التي يتطلبها السوق كنا نضطر للذهاب الى دبي لتسويق انتاجنا من الحطب ورغم ان دبي كانت مدينة جميلة في ذلك الوقت الا ان صعوبة الرحلة كانت تجعلنا نفكر اكثر من مرة قبل المسير اليها ذلك انها كانت تستغرق ستة ايام على ظهر النوق والجمال وكانت هذه ارخص وسيلة فقد كان سعر الجمل في بداية الخمسينيات لا يزيد على 6 روبيات وبعد ان ظهرت السيارات وبدأت (التراكات) او الشاحنات في دخول العين كنا نخاف من صوتها جدا بل انني ورفاقي ومعظم اهل العين كانوا يفزعون من صوت هذه الشاحنات ويختبئون حتى تعبر, وكانت هذه احدى النوادر التي نتندر بها حتى وقت قريب حيث كانت الحياة تتمتع بهدوء شديد يصل لدرجة السكون ولكن تدريجيا اعتدنا على هذه الاصوات القادمة الينا من الخارج وتطور الأمر عندما قمت سنة 1962 بشراء سيارة جديدة ماركة لاند روفر بقيمة 9 آلاف درهم, واذكر تماما ان السيارة كانت بدون ارقام فلم تكن هناك شرطة مرور لترخيص السيارة او اعطائنا لوحات ارقام او غيره مما هو موجود او متبع الآن كما انها لم تكن خاضعة للجمارك او الرسوم وكنا نشتريها في هذا الوقت من دبي من احد كبار التجار الذي يستوردون هذا النوع وكذلك سيارات البدفورد, ويستطرد عم مصبح قائلا: لقد تغيرت الدنيا الآن كثيرا, اصبحت العين جنة بالقياس للماضي, لقد استطاع زايد ان يغير وجه الحياة في العين, بل في الدولة كلها ودخل بنا الى عصر جديد وحياة جديدة حتى اصبحت الحياة راحة ورفاهية بعد ان كانت معاناة وقسوة, فالمدارس والمستشفيات في كل مكان والطرق تربط الدولة كلها ببعضها, والبنايات تنتشر في كل مكان وهي على احدث الطرازات المعمارية وكل بيت يضم سيارة واثنتين وثلاث.. لقد احدث زايد معجزة ساهم معه فيها اخوانه اصحاب السمو حكام الامارات ليرتقوا بمواطن هذه الدولة الى مصاف مواطني اعظم الدول.