يبدو ان شتاء هذا العام في الامارات له مذاق مختلف, فهو يترك رعشة في الجسد تعيد للحواس يقظتها وانتباهها, ورغم ذلك احتاجت برودة بعض الليالي الى سخونة في القلب, احدثها بالفعل فيلم (العاصفة) ، الذي اشعل النار في العقل والوجدان, واعاد للمشاعر وهجها, لأكتشف بعد عشر سنوات ان تحت الجلد احاسيس كادت ان تموت! (عدى النهار والمغربية جايه تتخفى ورا ضهر الشجر وعشان نتوه في السكه شالت من ليالينا القمر) كلمات كتبها (الابنودي) وغناها (عبدالحليم حافظ) بعد نكسة 67 لتبقى حية مغموسة في وجداننا شاهده على مرحلة انكسار قديمة.. ولتكون ايضا معبرة عن مرحلة انكسار اخرى جديدة في حياتنا وهي (حرب الخليج) التي احدثت ومازالت شرخا عميقا في جدار عالمنا العربي. (وحدها الاسئلة ترى والاجابات عمياء) جملة علق بها المخرج خالد يوسف على النهايات المفتوحة في فيلمه (العاصفة), وهو لا يدري ان كل مشهد قدمه صرخة تساؤل اجاباتها لدى المشاهد.. وامنيتي الا يكون المشاهد كاجابات خالد يوسف, ليعي حجم الكارثة التي اطاحت بأحلام الحب والحياة, وجعلتنا نقف على مفترق طريق نكتفي كما في نهاية الفيلم بحرق العلم الامريكي, والبكاء على اطلال ما دمره الاخرون بأيدينا!! ولأننا مازلنا نخاف ونختشي!.. ونتردد ويدعى البعض منا انه يتعمد البعد عن السياسة.. (كالبعد عن الشر) نتفرج عليها ونغني لها.. يصدمنا (خالد يوسف) عندما يقترب من المحذورات برأي يخالف اتجاه بعض حكامنا العرب حاليا للسلام.. ويعلن رفضه لاتفاقية كامب ديفيد من خلال الاب (حسن) ـ قدمه الممثل عبدالله محمود ـ والذي شارك في حرب 73 واصيب بطلق ناري في ساقه مما تسبب له في اعاقة جسدية.. حيث يثور عندما يرى العلم الاسرائيلي يرفع في القاهرة وتسقط قناعاته وقيمه الوطنية مع بضع اوراق يوقع عليها السادات وبيجن.. ورغم انه يختفي وينسحب من حياة زوجته (هدى) والتي قامت بها (يسرا) ووالديها (علي وناجي) واللذين قدمهما الممثلان محمد نجاتي وهاني سلامة, يظل التساؤل حائرا لماذا اختفى الاب؟ هل هو حي ام ميت؟ وماذا يعني هذا الغياب؟ ( وبلدنا على الترعة بتغسل شعرها جاها نهار مقدرش يدفع مهرها). بلغت يسرا ذروة التألق.. وقمة الابداع حين خرجت منها زفرة الآهة لتظهر كل احزانها المكبوتة في اعماقها بعد ان علمت بأن هناك مواجهة بين ابنها الذي يعمل مع الجيش العراقي وابنها الذاهب الى تحرير الكويت مع القوات المصرية.. اعتصرها الألم وهي تغلق الباب وراءها وظهرت ملامح المعاناة على تقاسيم وجهها وارتعاشة جسدها, بل ان مشهد تنظيفها للمنزل واصطدامها بالسبورة التي رسم (علي) صورته عليها بالطباشير, ومحاولاتها لازالة (طرطشات) المياه عنها, فتجد مع كل محاولة ملامح ابنها تنطمس فتضطرب وتزداد توترا من ابرع المشاهد واجمل ما ادته ممثلة على الاطلاق. اما مشاهد التجرؤ على مشاعرها كأم.. ومحاولات قمع احاسيسها كأنثى عندما يقتحم الحب حياتها.. وتقف في انتظار موافقة ابنائها على السماح لها كي تواصل شكلها الطبيعي كامرأة, فقد اجادت يسرا وعبرت بعنف وتشنج مطلوب عن كل تطور حدث. ورغم ان المخرج ترك نهاية هذه العلاقة مفتوحة كباقي الخطوط الدرامية في الفيلم يبقى التحدي قائما هل تتزوج هدى من محمود مدرس التاريخ.. والذي جسده الممثل (هشام سليم), وهل يمكن ان ينتصر الحب على مشاعر الامومة؟ (يا هل ترى الليل الحزين ابو النجوم الدبلانين ابو الغناوي المجروحين يقدر ينسيها الصباح ابو شمس بترش الحنين). فاجعة هتفت الحناجر من اجلها, وتشابكت الايدي مع القلوب وهي تنادي بأعلى صوت يهتز له وجدان بشر مردده (يادي الذل ويادي العار اخ بيضرب اخوه بالنار). جملة صاعقة ومباشرة لخصت مضمون ما اراد الفيلم ان يقوله, وعدم توضيح نتيجة المواجهة بين مدفع علي (محمد نجاتي) مع الجيش العراقي ومدفع ناجي (هاني سلامة) مع الجيش المصري ودموع الشقيقين تحت صرخات الامر الصادر لكل منهما نار تسلط الضوء على درامية الواقع العربي وبشاعة ما حدث دون ان يغلق باب الامل.. وكأن النهاية المفتوحة ارادت ان تترك تساؤل.. وماذا بعد؟ وهل هناك غد يمكن ان نلتقي فيه من جديد؟ ورغم الحزن القاتم الذي تضمنته احداث الفيلم لكن تبقى خصوصية نظرة التفاؤل في اسقاط روح الطرافة على مدرس التاريخ.. ومالها من مدلول.. ومشاهد الرومانسية التي تغلغلت وانتزعت من داخلنا صلابة الحياة المادية.. ومسحة المرح التي رافقت الصول المصري والذي قدمه الممثل (محمد لطفي) ببراعة وكأنها محطات خففت الى حد كبير من عنف ما نراه. ويبقى في النهاية ايضا بداخل كل منا تساؤل التلميذ لمعلمته.. في التاريخ نتحدث عن فلسطين بينما الجغرافيا تحتضن خارطة اسرائيل, وقبل ان تجاوب المعلمة يدق الجرس ليخرج التلاميذ.. ونخرج نحن ايضا من قاعة العرض.. ليظل الجواب عالقا في الاعماق؟!! اسامه عسل