بيان 2: كتب كثيرة تناولت سيرة الراهب الروسي الأشهر جريجوري راسبوتين, سواء قصة حياته أو لغز مماته, إلا انها ظلت جميعها بلا استثناء منقوصة, ومعلوماتها غير دقيقة, وآخر فصولها لم يكتمل فقد كان هناك (ملف) ناقص, سُرق بفعل فاعل, بعد حادث اغتيال راسبوتين, وهو الملف الذي يكشف أسرارا ويحل ألغازا, ثم ظهر هذا الملف فجأة, منذ سنوات, وبيع في مزاد علني أقامته شركة سوثبي الشهيرة. هذا الملف اشتراه عازف الفيولوفسيل مستسلاف روستروبوفيتش, وأعطى حقوق الطبع والنشر كاملة للمؤلف ادفارد رادزينسكي الذي قدم لنا حقائقه التي لم تكن معروفة من قبل عن ألغاز حياة راسبوتين ووفاته. ورادزينسكي يعد من أشهر كتاب المسرح الروسي, وقد عرف على مستوى العالم من خلال كتابه الشهير (القيصر الأخير وستالين). وهو يقيم في روسيا حيث يعد من الشخصيات البارزة التي تطل على شاشات التلفزيون بصورة مستمرة. في التاسع عشر من ديسمبر ,1916 قبيل أيام من احتفالات عيد الميلاد الأخير بالنسبة لامبراطورية آل رومانوف, ظهرت جثة فوق سطح مياه نهر مالايا نيفكا في مدينة بتروجراد. بدا الوجه مشوها والجسد تلفه الثلوج, لكن الشيء المروع الأكثر ايلاما تمثل في اليدين, فقد كانتا مقيدتين ومرفوعتين لأعلى كأنما كانتا تحاولان فك القيد. في هذه المياه المجمدة كانت نهاية شخص غير عادي, وعلى الرغم من انه تعرض للضرب واطلاق الرصاص, إلا انه لم يمت, وكان لا يزال حيا يحاول التحرر من قيوده. عندما ظهرت الجثة على سطح المياه المتجمدة هرع عدد كبير من الناس إلى النهر وهم يحملون القوارير والأباريق والدلاء المملوءة بالمياه, حتى يتم اغراق المياه المتجمدة بها فيطفو الجثمان, أرادوا أن يغرقوا بالمياه تلك القوة الوحشية غير العادية لصاحب الجثة الذي ذاع صيته في كل أنحاء روسيا. ويقول مؤلف كتابنا: (لقد خشيت دائما الكتابة عنه, ليس لانه موضوع تفوح منه رائحة الخيال فحسب, ولكن لان راسبوتين يعد أحد أهم الأساطير الشعبية في الثقافة الجماهيرية للقرن العشرين, خشيت الكتابة عنه لانني لم أفهمه على الرغم من انني قرأت الكثير عنه). كل شيء عن هذا الرجل كان غامضا وغير واضح. حتى وجهه الذي كان مألوفا من خلال الصور العديدة التي التقطت له, تحول إلى وجه مجعد لفلاح في منتصف العمر, أنفه غير منتظم وشفتاه كثيفتان, حساستان, لحيته طويلة وشعره مفروق عند منتصفه, وممشط لأسفل تجاه جبهته. ويقول عنه أيضا من رأوه: عيناه كانتا جذابتين, محدقتين, متلألئتين, ملونتين, تشع منهما قوة مغناطيسية. ويقول المؤلف: ان الشيء الأكثر غموضا بالنسبة لي هو العمى الذي أصاب الأسرة المالكة الروسية تجاه راسبوتين, فقد أطلقت الامبراطورة الكسندرا زوجة القيصر نيقولا الثاني على راسبوتين لقب (الزعيم) وهي التي قرأت وعرفت عن قرب الكثير عن الزعماء. ألم تصدق القصص والروايات التي سمعتها عنه؟ ألم تصدق تقارير الشرطة عنه؟ ألم تصدق عائلة رومانوف؟ ألم تصدق القيصر واخوته؟ كل ذلك ممكن.. ولكن كيف لم تصدق أختها؟ ونيقولا نفسه, ماذا عنه؟ لماذا وافق على عمى زوجته فيما يتعلق براسبوتين؟ هل كان ذلك لانهما كانا يحاولان انقاذ ابنهما المريض الذي عرف ذلك الفلاح كيف يداويه؟ هل كان اهتمامهما بحياة ابنهما من القوة بحيث جعلهما يغمضان عينيهما عن كل شيء؟ هل ذلك أيضا جعلهما يلوذان بالصمت وهما يشاهدان سلالتهما تدمر تدميرا وتشوه تشويها على مرأى ومسمع من الجميع؟ في هذا الكتاب محاولة لتفهم هذين الأبوين الطيبين, على الرغم من كل اللعنات التي تصب على من تقع على عاتقهم مسئولية الكارثة التي أدت إلى سقوط روسيا عام ,1917 ذلك ان هذه الكارثة لم تحصد أرواحهم فقط, وإنما حصدت كذلك حياة الابن الذي أولياه اهتماما كبيرا وحياة بناتهما, بل وحياة الملايين من رعاياهما. ترى هل هناك سبب لا نعرفه لثقتهما الشديدة بهذا الرجل راسبوتين؟ لا شك في انه عندما طفت جثته المرعبة على سطح المياه في بداية القرن بدا كل شيء واضحا. وعلى الرغم من هذا الوضوح فإن المرء لا يزال بعد ثمانين عاما يريد أن يسأل نفسه سؤالا مهما: من هو بالضبط جريجوري ايفيموفتش راسبوتين؟ أين الحقيقة؟ يقول مؤلف كتابنا: عندما تحدثت عن ملف راسبوتين اعتقدت انني سأكون قادرا على الاجابة عن تلك الأسئلة السابقة, فقد كنت أعتقد ان الملف قد اختفى في السبعينيات عندما كنت أقوم بتأليف كتاب عن نيقولا الثاني, حيث أتيحت لي الفرصة للاطلاع على أوراق اللجنة الاستثنائية للحكومة المؤقتة. في مارس 1917 بعد أن تنازل نيقولا عن العرش, وانتصرت ثورة فبراير, وغصت السجون وغرف الحبس الانفرادي, وتم نقل الكثيرين إلى سجن الباستيل الروسي, حيث دخله المنشقون السياسيون على يد الشعب. أولئك الذين لم يستطيعوا السيطرة على مصير روسيا: ستورمر جلوستين, رئيس وزراء القيصر, ووزير الشئون الداخلية بروتوبوبوف ورئيس دائرة البوليس السياسي سيئة السمعة بيليتسكي وخلفه اليكسيس فاسيليف ووزير الموغل في العمر الكونت فريدريكس ورئيس مجلس الدولة شليجوفيتوف, ومدير القصر فويكوف وأقرب صديقة لزوجة القيصر أنيسا فيروبوفا ... باختصار صفوة المجتمع الروسي. في الرابع من مارس 1917 شكلت الحكومة المؤقتة لجنة استثنائية خاصة للتحقيق في الأعمال غير القانونية التي ارتكبها وزراء ومسئولون آخرون في عهد القيصر, حيث كانوا يخرجون من السجن للاستجواب ثم يعادون إليه. كانت محاضر الاستجواب قد تم اعدادها للنشر, وكان من المفترض أن كل روسيا تعلم ــ وفقا لخطة اللجنة ــ ما الذي كان يحدث خلف الستار عندما كان القيصر وزوجته يحكمان روسيا, وعلى ضوء هذه المعلومات فإن مستقبل أول برلمان روسي سوف يقرر مصير القيصر وزوجته والوزراء الذين كانوا قبل أيام يحكمون روسيا. أحد أهم الأسئلة كان يدور حول الفلاح الروسي شبه المتعلم جريجوري راسبوتين, وعندما استولى البلاشفة على الحكم في انقلاب أكتوبر 1917 ألغوا اللجنة الاستثنائية, وفي 1927 قرروا نشر جزء من الاستجواب لمعظم وزراء القيصر البارزين بمناسبة الذكرى العاشرة لثورتهم. وقد عرضت هذه التحقيقات مشاهد من عهد القيصر الذي كان يسيطر عليه جريجوري راسبوتين. وبعد أربعة عقود, وفي عام 1964 تمت اضافة وثيقة جديدة حول راسبوتين إلى تلك المجلدات التي تم الحصول عليها من تراث اللجنة الاستثنائية. وبعد ظهور تلك الوثيقة بدأت البحث عن الملف. عثرت على ملف راسبوتين الخاص والمثير للشفقة في أرشيف اللجنة. في البداية هناك برقيات شهيرة إلى القيصر وزوجته, ووجدت أيضا برقيات لم تنشر من قبل مرسلة من زوجة القيصر إلى راسبوتين ممهورة بتوقيع (حبيبتك). هذه البرقيات ألقت المزيد من الضوء على راسبوتين وزوجة القيصر. في هذا الأرشيف أيضا عثرت على الأعمال الكاملة لراسبوتين, كان أقواها وأكثرها إثارة للحيرة رواية (حياة تائه غير مجرب) التي لم تنشر في حياته, والعديد من المؤلفات الأخرى. بعد ذلك عثرت على يوميات راسبوتين في الأرشيف, من بينها: توجيهات راسبوتين للقيصر, وكأنه يلكمه لكمة قوية, موضحا اللغز السخيف للشعب الروسي: كيف ترى تعليم الفلاح, عن طريق حماره؟ هل تريد أن تمزق حماره؟ لكن مثل هذا الغضب سوف ينمو في رأسه, يجب أن تستخدم الجوهر وليس السبب لكنه لم يفهم السبب وخشى الروح. وهنا يسيطر راسبوتين على زوجة القيصر الخاضعة له, فقد توصل إلى اتفاق سلام مع ألمانيا, وكانت زوجة القيصر تركع أمامه وتعده بتنفيذ رغبته. لكن الوثائق الأكثر إثارة التي تخص راسبوتين والتي قرأتها في ذلك الوقت في مجلدات التقارير التي كتبها عملاء البوليس عن راسبوتين هي تلك التي كانوا يكتبونها يوميا عن جميع تحركاته دقيقة فأخرى, وحاول هؤلاء المخبرون أن يقدموا وصفا تفصيليا عن زواره وضيوفه وكذلك كانوا يكتبون تقارير عن فترات غيابه عن مسكنه وأين ذهب ومن قابل, بل كانوا يكتبون أسماء زواره ووقت وصولهم ووقت مغادرتهم. لكن الملف المفقود لأولئك الذين عرفوا راسبوتين لم يفارق مخيلتي. وبعد بداية البرسترويكا جددت تساؤلاتي. وفي بداية التسعينيات قمت بالبحث عن هذا الملف في بطرسبرج, لكن الوثيقة الوحيدة التي تخص راسبوتين كانت محفوظة في أرشيف الدولة التاريخي الذي يقع في أحد المباني الضخمة للبرلمان. كان الملف عبارة عن كشكول مدرسي يحمل صورة وجه بوشكين, وكانت كلمة يوميات باللغة الانجليزية ناقصة حرفا. وقد أثار اكتشاف هذا الكشكول في التسعينيات موجة من المقالات في الصحف العالمية الرائدة. لكنه لم يكن الملف المطلوب. في شقة روستروبوفيتش في باريس وفي غرفة معيشته عثرت على شهادة ناشر راسبوتين واسمه فيليبوف, وكان هذا هو الملف الذي بحثت عنه طويلا. ملامح الاسطورة الغامضة نصف حياة راسبوتين غامضة بكل المعايير. في عام 1917 تحدث المحققون في اللجنة الاستثنائية مع رفاق راسبوتين وزملائه في محاولة فاشلة لكتابة سيرة ذاتية مبكرة له. لكن في أرشيف اللجنة هناك مخطوطات عن تلك الفترة كتبها راسبوتين بنفسه. في عام 1907 بعد أن تمكن من السيطرة على العائلة المالكة الروسية, بدأ في التحدث عن قصص جولاته في روسيا, وهناك مخطوطة بعنوان (حياة متجول غير خبير) كانت موجودة لدى زوجة القيصر, لكننا سوف نأخذ في الاعتبار ان معجبيه من الأسرة الروسية الحاكمة كانوا يريدون سماع قصة حياة من يرونه القديس جريجوري الاسطورة. وتستطيع أن تعثر على آثار تدلنا على شيء مثير هو تحول راسبوتين, ثم العثور على وثائق قليلة عن ماضيه تم اكتشافها في أرشيف سيبيريا. ولد جريجوري ايفيموفيتش في مقاطعة تيومين في اقليم توبول في قرية بوكروفسكو وهي مستوطنة صغيرة تقع داخل أعمال سيبيريا. أما تاريخ ميلاده فكان لغزا, حتى سيرته الذاتية احتوت على عدة تواريخ لميلاده تراوحت بين عامي 1860 و 1870. والموسوعات السوفييتية حددت سنة ميلاده بين عامي 1864 و1865 جهود راسبوتين الشخصية هي التي أحدثت لبسا حول تاريخ ميلاده في عام 1907 أكد انه في الثانية والأربعين (أي انه ولد عام 1865) وبعد سبع سنوات وفي عام 1914 وأثناء التحقيق عن مولده قال: عمري خمسون عاما (أي انه من مواليد 1864) وفي عام 1911 كتب في مذكراته انه عاش 50 عاما وبدأ العقد السادس. وكلمة راسبوتين مشتقة من كلمة مشينة هي (راسبوتا) وتعني الشخص التافه, المنحرف, وقد عاش راسبوتين شبابا معذبا, إلا ان عينيه امتلكتا سحرا مغناطيسيا غريبا, وكان حالما يجذب الشابات, وقد ضبط أكثر من مرة مع فتيات الهوى, وعوقب على ذلك. وعندما كنت أقوم بتجميع عناصر السيرة الذاتية لراسبوتين عثرت في عام 1912 على نسخة من جريدة (نيو تايمز) بها مقال للكاتب الصحفي الشهير مينشيكوف تناول فيه حديثا له مع راسبوتين قال فيه الأخير: كانت طفولتي معذبة, وعندما كنت في الخامسة عشر كنت أحلم بالله كثيرا, وكنت أبكي, ولا أعرف من أين جاءت دموعي ولا لماذا. وحتى سن الثامنة والعشرين كنت أعيش مثل بقية الخلق في العالم, ثم حدث التحول في حياتي, عندما عملت سائقا لعربة تجرها الخيول. وذات مرة كنت أنقل راكبا أصبح كاهنا أبرشيا فيما بعد, وجرنا الحديث إلى الله, وكان هذا الحديث نقطة تحول في حاتي, استغرق الحديث 11 ساعة. لكن الناس في قرية بوفكروفسكوي لم يصدقوا تحول ذلك الشخص الذي كان عربيدا وسكيرا إلى داعية بطريقة الروح, وكانوا عندما يعودون إلى بيوتهم يضحكون منه ساخرين. هكذا انتهى نصف عمر راسبوتين, وبدأ العد التنازلي لحياته, بدأ العقد الرابع, وهو يتنقل من دير إلى آخر, وفي هذه الأديرة سمع عن النبوءات الكبرى التي تتعلق بانهيار امبراطورية آن رومانوف, هذه النبوءات غدت شائعة. وتعلم جريجوري من التجربة الروحية, وبدأ يحكم مئات الأشخاص, وتحكم في كل الأديرة, حيث كانوا جميعا تابعين له سرا ويمثلون قوة كبيرة, وبدأت شهرته تنتشر عام 1903 في أنحاء بطرسبرج باعتباره (رجل الله). الطريق إلى القصر بدأ راسبوتين يستعد لرحلته إلى العاصمة الروسية, ذلك المكان الذي سبقته إليه شهرته. كان لا يزال شابا, لكن وجهه كسته التجاعيد بفعل الشمس والرياح خلال جولاته وكثرة سفرياته. وجه قروي, حتى وهو في الخامسة والعشرين كان يبدو رجلا عجوزا, أكبر من سنه, وكثرة سفرياته جعلت منه قاضيا سديد الرأي. ظهر راسبوتين في بطرسبرج عام 1903 عشية أول ثورة روسية, وفي العاصمة انتهت الأساطير والتنبوءات, وظهرت قصة راسبوتين في الوثائق وشهادات الشهود. وكما قال راسبوتين في كتابه (حياة متجول غير مجرب), ذهبت إلى بطرسبرج لهدف عظيم هو جمع المال من أجل بناء كنيسة في بوكرفسكوي. أنا نفسي شخص غير متعلم, ولكن الأهم من ذلك ان بداخلي قلب عابد). وعندما وصل راسبوتين إلى المدينة العظيمة ذهب في البداية إلى دير الكسندر نيفسكي, وحضر الصلوات, ثم وضع خطة متهورة, وهي ان يذهب مباشرة إلى مدير المعهد العالي للتقنية الذي كان يعيش في الدير, واستطاع الوصول إليه بعد أن جعل الحارس يتعاطف معه, واستطاع أن ينال ثقته, وترك انطباعا جيدا لدى الجميع, فأطلق عليه لقب (الأخ جريجوري). ثم بدأت الشائعات حول الهدية الهائلة لراسبوتين وهي: لماذا تحتاج الشخصيات رفيعة المكانة والمرموقة إلى نبوءات, وها هو راسبوتين يدهشهم. قام الأدميرال فيوفان باجراء اختبار له فقال: (سألناه هل سنكسب المعركة مع اليابان؟ فأجاب راسبوتين: أشعر من أعماق قلبي انها معركة خاسرة. وقد حدث ذلك وتحققت هذه النبوءة في معركة مضيق تسوشيما). فما الذي حدث بالضبط؟ هل علم فلاح قروي ذكي بشيء عن ضعف بلاده الكبير المخزي؟ أم هل سمع بما نشرته الصحف الروسية من ان أسطولا يتكون من سفن عتيقة عفا عليها الزمن يبحر علنا لتشتبك مع اسطول ياباني حديث في معركة حكم عليه بالاخفاق فيها؟ دعا فيوفان راسبوتين للانتقال لكي يعيش معه في شقته في احدى البنايات الفاخرة في بطرسبرج وهو قصر الدوق الكبير بيوتي نيكولافيتش, ابن عم نيقولا الثاني, وكانت أهم شخصيتين في القصر امرأتين هما الأميرتان ميلتيسا واناستاسيا. هكذا غدت العائلة المالكة الروسية كلها في انتظار راسبوتين, الذي استمر في زيارة الأميرة اناستاسيا طوال النصف الأول من عام 1907 مما أثار غضب ميليتسا, وبدت كما لو انها متسامحة وتغض الطرف عن ان راسبوتين أصبح الآن ضيفا سريا معتادا في القصر الملكي, حيث ان كبار الزوار يلتقون به في منزلها. عام 1910 كان عاما عاديا, لكنه تميز بعدة أحداث قليلة حازت اهتمام صحف وسكان روسيا, فقد عقد في هذا العام المؤتمر الأول لجميع روسيا للنضال ضد شرب الخمور, وهو مرض روسي حقيقي, وقد استعاد ذلك أحداثا قديمة مثل المعركة التي خسر فيها المحاربون المخمورين (سراويلهم), وواجهت الحكومة اتهاما بانها تحقق أرباحا من وراء تلك الكارثة, ولهذا السبب خرج من المؤتمر ممثلو وزارة المالية بعد أن شعروا بالاهانة. في السابع من نوفمبر وقع أهم حدث تاريخي في هذا العام حيث عاشت روسيا في حزن عميق: لقد مات ليو تولستوي, ولم ينطق راسبوتين بكلمة, ولهذا السبب جذب انتباه العالم. وتلقى الناس ضربة من غموض سيرته الذاتية وتحول ذلك الرجل الساقط وبهويته التي دارت حولها الشكوك وحول قدرته على الشفاء ونبوءاته وبالعالم المغلق للعائلة المالكة الروسية والتي عاش راسبوتين معها. واضطر الجميع يمينا ويسارا للاعتراف بالحقيقة: المواهب الفذة للروسي البسيط. القروي يواجه أوروبا كل هذه الأحداث المتزامنة لم تكن أمورا عابرة, والسبب في ذلك هو هذا القروي, نفسه, أو على وجه الدقة دوره الجديد, ففي الفترة من 1909 إلى 1910 بدأ أناس مؤثرون وأقوياء في الحديث في ما لم يفكر فيه أحد, الأب جريجوري لم يكن فقط يتعامل مع العرش وليس فقط يصلي مع القياصرة ولكنه بدأ في التدخل في الشئون السياسية العليا. لقد بدا للكثيرين بوضوح ان هذا القروي شبه المتعلم سوف يقرر مصير أوروبا. في أكتوبر 1908 وصلت برقية إلى روسيا تقول ان النمسا والمجر قامتا بضم المحمية البلقانية (البوسنة والهرسك) بطريقة غير رسمية, وفيها يعيش عدد كبير من الصرب الأرثوذوكس. وبدأت في روسيا حركة قوية للدفاع عن اتباع روسيا من العرق السلافي, روسيا التي اعتبرت نفسها زعيمة للعالم الأرثوذوكسي. شهد عام 1909 مجموعة كبيرة من المقالات في الصحف بالاضافة إلى حد من مظاهرات مزعجة. المجتمع يطالب بالدفاع عن اتباع روسيا من السلافيين والقى أعضاء مجلس الدوما خطبا حول التزام روسيا التاريخي بمتابعة البلقانيين الذين اتحدوا معها بالدين المشترك ووحدة الدم. وتجمع في براغ عدد كبير من البرلمانيين السلافيين من بينهم أعضاء في مجلس الدوما, وقد شعر أيضا بالقلق أبناء البلقان من الأرثوذوكس الذين خشوا أن تكون البوسنة والهرسك الخطوة الأولى في التوسع الألماني, أي مسيرة ألمانية نحو الشرق. احتجت جموع العرب والجبل الأسود, وطالب حاكم الجبل الأسود بالحرب, وتعهد بتدخل حاسم من روسيا, وقد كان مدعوما من زوج ابنة الروف الأكبر نيكولاي نيكولافيتش, الرجل العسكري الرئيسي في عائلة رومانوف. القادة الروس التواقون للانتقام من الضعف الروسي في الحرب مع اليابان أرادوا أيضا الحرب, وهكذا أصبح حزب الحرب متعدد الأجنحة, لكنها لن تكون حرب اقليمية مع النمسا والمجر. وألمانيا لم يكن لديها نية أن تبقى وحيدة. وفي الثامن من مارس 1909 وجهت ألمانيا إلى روسيا انذارا نهائيا, فإما ان تعترف بضم البوسنة والهرسك, أو تقبل غزو الجيش النمساوي ــ تحت حماية ألمانية ــ لصربيا. وهكذا بدأت أولى بذور الحرب العالمية الأولى, وأصبحت ممكنة لكن ذوي الخبرة وكبار السن الذين عرفوا ضعف روسيا وسلاحها الضعيف خافوا من الحرب, وكما ذكرت زوجة الجنرال في مذكراتها بتاريخ 13 مارس: لا قدر الله لئن اندلعت فسوف تكون هناك ثورة أخرى. وهكذا فإن الكل خشي الحرب. الامبراطورة اليكس أيضا كانت تخشى الحرب فهي لم تنس الثورة الحديثة التي أعقبت الحرب مع اليابان, وعلمت انه في حال الحرب مع ألمانيا فإن أخاها ومملكتها الصغيرة دارمشتات سوف تصبح عدوا لها, ثم جاء الدور على الأب جريجوري راسبوتين الذي علم كيف يقرأ رغبات اليكس السرية, وعرف دوره, وأداه ببراعة تماما. تحدث راسبوتين بحسم ضد الحرب, تماما كما يليق لرجل متدين تنبأ, بل في الواقع حذر, من الهزيمة وقيام الثورة. فكتبت اليكس إلى القيصر في الأول من نوفمبر 1915: (صديقنا يعارض الحرب على طول الخط ويقول ان البلقان لا تستحق أن يتصارع العالم حولها). وشعرت الامبراطورة بالامتنان لراسبوتين, وبالسعادة لان رغباتها تتوافق تماما مع تعليمات الأب جريجوري وبالتالي أصبح الجميع ضد الحرب, وأصبح القيصر مترددا. وسرعان ما صدق مجلس الوزراء على ضم البوسنة والهرسك وتمت استعادة مضيق توشيما, الذي احتل في غمار الحرب مع اليابان, وأصبحت عبارة (دبلوماسية توشيما) تعبيرا شائعا في الصحف, وحتى أكثر الناس, ادراكا اعتقدوا في ذلك الوقت ان رفض القيصر للحرب أملاه عليه راسبوتين. وفي عام 1911 ومن أجل اخماد موجة الانتقاد العاتية كان من الضروري للعائلة المالكة الروسية أن تتوقف عن دعوى ذلك القروي الى القصر الملكي وان تلتقي به سرا في شقة أنيا. في خريف عام 1912 قام راسبوتين بما وصف بأنه احدى معجزاته الحقيقية: فقد انقذ حياة, وريث آل رومانوف, بل ان اعداءه شهدوا له بذلك, وقد بدأت المأساة اوائل اكتوبر في سبارا, تلك القلعة التي يقوم فيها القيصر بالصيد, وكان هناك شيء ما يحدث في احدى الغرف الداخلية بالقلعة, وظل ذلك سرا على الجميع. اصيب ابن القيصر بالمرض مرة اخرى, وكان هذه المرة اكثر شدة حيث كان يسمع انين الابن في كل وقت وأخذ الاطباء يستعدون للقدر المحتدم بعيدا فأرسل له القيصر برقية, يطلب منه فيها ان يصلي من اجله, فرد عليه راسبوتين ببرقية يقول: ان الله سيقف الى جانبك واستجاب الله للدعاء.. وابنك سوف يعيش). وعندما كانت اليكس ذات الوجه الشاحب بسبب عدم النوم لأيام عديدة عرضت البرقية على الاطباء, فأومأوا برؤوسهم بحزن, ثم قالوا ان الطفل لا يزال يحتضر, فسكتت زوجة القيصر, وكان ذلك ثقة منها براسبوتين, وشفي وريث العرش الروسي بالفعل. وبدا لها انها رأت معجزة بعينها, فقد استطاع راسبوتين ان يشفي ابنها على البعد. فقد تجاوز الابن الفترة الحرجة من مرضه. اليس ذلك كافيا لكي ينال حب الوالدين؟ قال الاطباء ان الابن يعاني من ضيق في الشرايين, وتحداهم راسبوتين انه سيقوم بتوسيع الشرايين بعد ذلك فكيف لا تعظمه الام وتقدره؟ أجراس الحرب بدأت نذر الحرب في الافق, فقد استعدت فرنسا لحرب طويلة مع روسيا, وبدأت المانيا ـ والنمسا والمجر الاستعدادات قبلها بأسبوعين وفي الوقت نفسه وضعت انجلترا اسطولها البحري على اهبة الاستعداد, واستمرت المباحثات الدبلوماسية المحمومة, لكن الدبلوماسيين لم يستطيعوا تغيير شيء, ذلك ان اوروبا المجنونة كانت تتجه الى الحرب. طلبت المانيا من الحكومة الروسية وقف اعمال التهديد ضدها وضد النمسا بحلول منتصف ليلة 19 يوليو ووقف التعبئة. وأعلنت المانيا الحرب على روسيا في المساء بعد ان انتهت فترة الانذار. كان راسبوتين يرقد في سريره, يرقب العالم وهو يتجه للحرب, وفي 4 اغسطس اعلنت انجلترا الحرب على المانيا, وفي 23 مايو 1915 اعلنت ايطاليا وقوفها مع الحلفاء وفي 27 اغسطس 1916 دخلت رومانيا الحرب مع الحلفاء, وفي 6 ابريل 1917 دخلت الولايات المتحدة الحرب, لتبدأ بذلكم الحرب العالمية الاولى بشكل حقيقي ودموي. وحان آخر عام في عمر راسبوتين, ففي العاشر من يناير احتفل بعيد ميلاده السابع والاربعين, ولن يرى عامه الثامن والاربعين, وتم الاحتفال بعيد الميلاد تحت نظر المخبرين. رجال كوميساروف ظهروا في شقة الفلاح القروي يحملون الهدايا وعرضوا ان يساعدوا الضيوف في خلع معاطفهم. كانت الهدايا قيمة, ذهب, فضة, سجاجيد, اثاث شقة كاملة, لوحات, نقود, وبرقيات تهنئة عديدة. وفي الوقت نفسه بدا ان الجميع يريد التخلص من راسبوتين, بعض الوزراء رأوا ان التخلص من راسبوتين سوف يمهد الطريق امام العرش لكي يعم السلام في الدوما. قال الوزير خوفوستوف ان قتل راسبوتين ليس امرا صعبا ووضع الوزير بيليتسكي صديق كوميساروف بذلك في مأزق فاستدعى الكولونيل لوضع خطة للتخلص منه وعرض عليه التمويل, وبدأ كوسوتوف في وضع خطة للاغتيال. اولا قام المتآمرون على راسبوتين بدس السم له, لكنه لم يمت على الفور, وظل حيا بعض الوقت, ثم قاموا باطلاق الرصاص عليه, وأيضا ظل حيا, انه الحقد الشيطاني. لكن لماذا لم يمت بعد ان دسوا له (سيانيد البوتاسيوم) في الحلوى؟ لقد كان المحلول ضعيفا جدا.. فقد اعدوه وهم في عجلة وقلق, لكن كمية السم كانت تكفي لقتل ثور, فهل كان راسبوتين سوبرمان؟ وإن كان كذلك فلماذا كان يتصرف كرجل عادي جدا؟ الكل اجمع على انه لم يتناول الحلوى, واكدوا انه كان يمارس حمية شديدة, وأنه كان يربط بين ذلك وبين قدرته على شفاء الآخرين, كان يأكل السمك ويتجنب الحلوى, حتى عندما كان اتباعه يقدمون له علب الحلوى لم يكن يأكلها. لكن كيف استطاعوا اقناعه بأكل هذه الحلوى بالذات؟ شقيقته تؤكد انه لم يتناول الحلوى المسمومة قط, لكن ربما يكون قد وضعوا له السم في النبيذ, ولكن ربما كان المحلول ضعيفا جدا. هناك رواية اخرى تفيد انه عندما رفض راسبوتين تناول الحلوى وشرب النبيذ, انتظر القتلة حتى غادر الجميع المكان, ثم توجه اليه فيلكس, وأطلق عليه الرصاص على الفور, وتخلصوا من هذا القروي الخطير, وان كل ما قيل عن تسميم الحلوى والنبيد كان من اختراع القتلة. وفي صباح 19 ديسمبر تم العثور على جثته طافية في نهر مالايا نيفكا بالقرب من جسر بتروتسكي الكبير, وكان شكله مرعبا, يداه كانتا في وضع وكأنهما يحاولان فك القيد وكانتا مرفوعتين. تم دفنه بطريقة سرية ولم يحضر سوى الاب فاسيليف الذي قام بمراسم الدفن وشقيقا راسبوتين وبناته ونفر قليل من القصر. وقيل ان ثروته كانت 300 ألف روبل في عام ,1916 وقد حاول الجميع العثور على هذه الثروة وخاطبوا جميع البنوك لكن من دون جدوى فقد تبخرت الثروة الطائلة بمقاييس ذلك الوقت. وبعد ان قامت ثورة فبراير طالبت اسرته بميراثه وأمواله الضائعة, وبعد القاء القبض على اليكس لم تعد قادرة على ان تزوره في قبره بل كان هو قادرا على زيارتها.. في الاحلام.