بيان 2: كان الناس يعتقدون بأنه قصر مسكون, لان قصصاً وحكايات شتى شاعت حوله.. لهذا ابتعد معظم الاغنياء عنه يوم بدأوا في بناء قصورهم الجديدة, حتى اصبح القصر كجزيرة مهجورة وسط بحر من الخضرة البرية.. قد تسألون مثلما سألت نفسي ذات يوم, ما قصة هذا القصر القديم؟ لا احد يعرف الجواب.. ولكن الجميع متفق على ان غموضاً يلف قصر الشيخ.. وقصر الشيخ هذا, جاءت تسميته منذ أكثر من مئة سنة. لان الشيخ (عرفان) هو الذي بناه.. وكان مهراً لخديجة.. لقد انتشرت اشاعات كثيرة, وحكايات اشبه بحكايات الجدات التي سمعناها يوم كنا اطفالاً, جن وعفاريت وتنانين وابطال وفرسان بخيول طائرة, وجبال ووديان وصحارى وبرار.. أي كل ما يمكن أن يغذي عالم الاسطورة والخرافة.. ولم يعرف أحد ما حتى اليوم الحقيقة ــ لأن الحقيقة غامضة ــ كما كان جدي رحمه الله يقول. وقد ابتدأ غموضها منذ أن بدأ الشيخ (عرفان) بالتودد الى خديجة.. والتقرب من والديها ورسم الطرق الى قلبها.. ومن المعروف في تلك الأيام البعيدة, كما سمعت, ان الشيخ (عرفان) كان في الستين, أما خديجة فكانت في الخامسة عشرة.. وككل الحكايات غير المنطقية, لكي يوافق الاهل على زواج ابنتهم الصغيرة من رجل كبير له من العمر ما لوالد الفتاة من السنوات, يجب ان يكون غنياً. وكان الشيخ (عرفان) غنياً, بل غنياً غنى فاحشاً.. ولكي يكسب الشيخ رضى عروسه, عليه ان يبني لها قصراً! فبنى الشيخ (عرفان) قصراً لخديجة.. ومنذ ان انتقلت خديجة اليه, لم يعد يسمع عنها شيئاً, حتى والداها ما عادا يعرفان عنها امراً ما! طبعاً لم يكونا مسرورين لذلك.. ولكن لا حيلة بيدهما.. فهما قد زوجاها لرجل غني مقابل المال, وقد حصلا عليه, فما دخلهما بعد ذلك في حياة ابنتهما.. لهذا كفا عن السؤال عنها.. اختفت, كما قيل لي, وراء اسوار القصر لتلف وتدور سنوات طويلة في حديقته دون ان تنجب ولداً, عاشت وحيدة مع الشيخ (عرفان) الى يوم زار فيه الموت القصر, وطلب مقابلة الشيخ! يقال ان (عرفان) كان قد استعد في ذلك اليوم للقاء الموت. جلسا معاً, تحادثا.. واستمعا الى بكاء خديجة... حتى ان الموت تأثر لبكائها فأطال من عمر زوجها الشيخ بضع دقائق قبل ان يأخذ (الأمانة) الربانية.. سأل الموت: ماذا اعددت ليومك هذا يا شيخ عرفان؟ ابتسم الشيخ بأسى وقال مجيباً: كل ما يرضاه الله.. ثم اضاف: ولكني لم اعد زوجي خديجة بعد لهذا اليوم! سأله الموت: كيف؟ اجابه: لم اقل لها, ما لها وما لغيرها من الملك الذي سأتركه ورائي.. سأله الموت: لماذا؟ اجابه: لانك فاجأتني.. لم تسمح لي بفرصة لذلك. قال له الموت: لا بأس. مازال امامك بعض الوقت, افعل ما تريد ان تفعله قبل ان تودع دنياك هذه؟ لا احد يعرف ماذا قال الشيخ (عرفان) لزوجه. ولكن هناك اشاعة تقول, ان الشيخ (عرفان) قدّم لها كل ما يملك من مال وعقار. ثم اكد لها, هذا الى جانب القصر الذي سكناه معا طوال هذه السنوات.. انه قصر كبير, به قاعات وصالات وغرف وملاحق من اقبية واسطحة, واكشاك وحدائق. قال لها: كلها لك.. ثم سألها: هل سمعت ما قلته؟ كلها, نعم, كلها لك.. ثم حاول الشيخ (عرفان) ان يطيل حديثه مع خديجة, الا ان الموت ضغط على مساعده ينبئه ان الوقت يفوت بسرعة, وان عليه انماء توصياته على آخرها قبل ان يغمض له الموت عينيه الى الابد.. هز الشيخ (عرفان) رأسه كأنه يقول, لقد فهمت ما تريد قوله.. وتابع حديثه لزوجه خديجة قائلاً: هل فهمت.. كل ما ذكرته لك؟ ثم اضاف: الا غرفة واحدة.. ستجدين جميع الغرف بلا اقفال الا واحدة.. ستجدينها مقفلة الباب.. اياك ان تفتحيها, لانها ليست لك! ويقال ان الشيخ (عرفان) عندما انتهى من حديثه هذا, اغمض عينيه الى الابد! وما سأقصه الان, هو ما كان بعد موت الشيخ (عرفان) بعدة سنوات, يقال, والعلم لله وحده, ان ما اشيع بعد موت الشيخ, كان على لسان زوجه خديجة وذلك لغاية في نفسها.. لقد ابتسم بعضهم وقال: ماذا؟ هل تريد ان تضحك علينا, كما كنا نضحك على اطفالنا يوم كنا نحكي لهم حكاية الغولة القابعة وراء باب الغرفة التي يجب ان لا يفتحها احد؟ هل هي استعارة من حكايات الجدات؟ اتريد ان تقنعنا ان زوجها طلب منها ان تفتح كل غرف القصر الا غرفة واحدة فيه؟ انها حكاية قديمة.. ثم اضافوا: لنفرض ان الحكاية صحيحة, ولكن ما غاية خديجة منها؟ لم نستطع ان نصل الى جواب مقنع. لهذا نسي الناس الحكاية, او تناسوا ما اشاعته خديجة.. ولكن هناك, دائماً, ناس فضوليون, لا يكتفون بالتساؤل, انما يريدون معرفة الحقيقة, او شيء منها, ومن هؤلاء, اربعة اشخاص, اشيع عنهم, انهم كانوا لصوصاً, ظنوا ان في الغرفة كنوز الشيخ (عرفان)! يقال, انه بعد نقاش طويل توصل الاربعة الى قرار: علينا ان نقتحم القصر, علينا ان نعرف ماذا في تلك الغرفة؟ نزلت خديجة, وكانت قد بلغت الستين من العمر, درج القصر, لتقابل الاشخاص الاربعة, وتعرف ماذا يريدون منها؟ التفت الاربعة الى بعضهم.. ثم اداروا وجوههم الى خديجة وقالوا معاً: نريد ان نعرف منك.. ماذا في هذه الغرفة؟ سألتهم: لماذا تريدون ذلك؟ قالوا لها معاً: لقد سمعنا ان اموال زوجك وكنوزه مخبأة وراء بابها المغلق.. تساءلت خديجة العجوز: ماذا؟ أقلتم مال زوجي وكنوزه.. اجابوا وهم يطرقون بوجوههم: نعم.. انفجرت خديجة بضحكة قوية, حتى دمعت عيناها, ما لبثت ان كفت عن الضحك ومسحت دموعها بمنديلها وقالت: من اخبركم بهذا الامر؟ اجابوها معاً: هكذا سمعنا من الناس.. هزت رأسها بأسف وقالت لهم: ليس فيها سوى ايام عمري! رفعوا وجوههم اليها باستغراب وقالوا: ماذا قلت؟ اجابتهم: كما سمعتم. ليس فيها سوى ايام عمري.. سألوها: اي عمر تقصدين؟ اجابتهم: عمري.. حياتي التي قضيتها حتى اليوم في هذه الدنيا.. سألوها: ايعقل؟ اجابتهم: ولماذا لا يعقل؟ ثم اضافت: اتريدون ان تعرفوا ماذا ستجدون في الغرفة لو دخلتم اليها؟ قالوا: نعم.. نريد.. هزت رأسها وقالت: لا بأس.. اما أنا فشعرت بالخجل من نفسي عندما بدأت خديجة العجوز حكايتها, لانني وجدت فيها غير الحكاية التي سمعتها من الناس. ولكن, وبما ان الوقت قد فاتنا, سأرفع رأسي مع الاربعة الى خديجة لنستمع الى ما ستقصه علينا. قالت خديجة: هناك من اشار الى عملية (بيع وشراء) في يوم زواجي من الشيخ (عرفان), ربما هكذا تبدو.. فتاة في الخامسة عشرة ورجل في الستين, اهل الفتاة فقراء معدمون, والرجل الستيني غني يكاد ان ينفجر بماله.. عندما طرح والدي رغبة الشيخ (عرفان) عليّ, اخبرته ان لا مانع لديّ.. ولكن! امام كلمة: و.. لكن. اذكر ان الشيخ رفع وجهه اليّ وقال وهو يستشعر بحساسية مضادة, لان هذه الــ.. ولكن بدت قاتلة.. فكان على الشيخ (عرفان) ان يطرق وجهه الى الارض مفكراً قبل ان يسألني: ما هو شرطك؟ قلت له: ان تخصني بغرفة من غرف قصرك, يمنع عليك دخولها او معرفة ما فيها! رفع وجهه اليّ بدهشة, ثم سألني: لماذا؟ لقد جعلت غرف القصر كلها تحت تصرفك؟ اجبته: هذا ما اريده منك.. تأملني طويلاً ثم قال: انا موافق.. نظرت خديجة الي وقالت بعتاب: ما الامر الذي دفعك الى المجيء مع هؤلاء اللصوص؟ ابتسمت لها وقلت: جئت لا سمع منك الحكاية! ثم أضافت: ولكن لماذا قلت عن هؤلاء لصوص؟ اجابت: ستعرف لماذا؟ ثم ادارت وجهها عني الى الاربعة وتابعت: عندما كنت في الرابعة عشرة, وقبل ان اتزوج الشيخ (عرفان) كنت وشاب على وفاق وحب.. احتج الشاب على موافقتي للزواج واتهمني شتى التهم.. الا انني قلت له: انا لا احبه. انا احبك انت! ولكني لن اتزوجك. سأتزوج من هذا الشيخ لغاية في نفسي.. ولكن الشاب استمر في غضبه عليّ ومضى عني يلعن المال والفقر.. رأيت واحداً من الاربعة يطرق وجهه بأسى كأنه يخفي عاراً.. بينما كانت خديجة تتابع حكايتها وهي تنظر الى الشخص الذي اطرق وجهه: عندما وافقت على الزواج من الشيخ (عرفان), لا انكر اني فكرت, وانا في الخامسة عشرة, وهو في الستين.. صحيح ان الآجال بيد الله, الا ان شيخاً في الستين لن يقدر ان يبلغ من العمر اكثر من الثمانين, لانني سأجعل منه أداة للموت لاحضر بها قبره رويداً رويداً. قلت لنفسي: سيموت في الثمانين, اما انا, فسأكون في الخامسة والثلاثين, سأكون في قمة الانوثة, والتفتح والنضج. سأعيش بعدها للرجل الذي احب.. سأسقيه كؤوس المتع والحياة. تابعت خديجة: ولكن ياللاسف لم يوافق الشاب الذي كنت احب ما خططت له.. اما الثاني, تابعت خديجة, فصادفته في السوق, عند بائع حرير. اعجبت به فأكثرت من شراء القماش والحرير, ثم توجهت اليه وقلت: ادفع عني.. وهيا معي الى البيت لاسدد لك دينك. رأيت رجلا اخر بين الاربعة يطرق وجهه وهو يخفي ابتسامة خبيثة. تابعت خديجة: دخل قصري ولم يخرج منه الا بعد ست سنوات, اما الثالث فكان اقربهم الى قلبي. لقد سألته ان كان يعرف تقليم الاشجار في حديقة القصر؟ فهز رأسه بالايجاب. قلت له: هيا معي.. ولكنه امام الباب تلكأ وهو يلتفت حوله وقال: الى اين اتيت بي؟ اجبته: الى قصري.. وهذه حديقته. قال بخوف: ولكنه قصر الشيخ (عرفان). سألته: وماذا في ذلك؟ قال: لقد سمعنا عنه حكايات دموية! ضحكت له وقلت: انا امرأة وليس بي خوف من الدخول الى قصره, فكيف وانت رجل؟ ثم تابعت غامزة منه: ام انك.. احمر وجهه خجلا وقال: سأدخل ولو كان في ذلك مماتي. ضحكت بشدة منه وقلت: على العكس, سيكون في ذلك حياتك. سألتها: وهل دخل؟ ابتسمت خديجة وهزت رأسها موافقة, ثم اوضحت: نعم. وبقي لدي اربعة عشر عاما, بقي لدي حتى مللته فصرفته بمودة دون ان اجرح له ماشعره. اطرق اخر من الاربعة وجهه. ثم مالبث ان رفعه غاضبا, ونظر الى وجه العجوز خديجة.. ولكنه لم ينطق بحرف. رأيت خديجة تصمت طويلا, حتى مللت الجلوس. فقالت: هل صدقتم ان الغرفة هذه تحوي ايام حياتي ام لا؟ لم ينبس احد منهم بحرف. ضحكت خديجة وقالت: لا بأس.. سأتابع: اما الرابع فكان اسعدهم حظا, لقيته في عيد الربيع يسقي المحتفلين الماء, فاقتربت منه وقلت, الا تريد ان تسقي امرأة مظأي ماء يا رجل؟ نظر الي وقال: اسقيك يا امرأة مادمت ستدفعين ثمن الماء الذي ستشربينه. سألته: وان لم تجد لدي ثمن الماء الذي اريد ان اشربه؟ فقال, لن اسقيك قطرة واحدة.. فانا لم احمل هذه القربة على ظهري كل هذه المسافات لاسقي الناس بالمجان! قلت له: انا لا اقول لك ان تسقي الناس كلهم, انما اريدك ان تسقي امرأة ظمأى واحدة فقط. نظر الي فما لبث ان قال: لا.. لن اسقيك. ليس بخلا, انما ارى لديك حكاية ما, وانا لا احب الحكايات. قلت له: انا امرأة ظمأى, وليس ورائي او امامي اية حكاية. نظر الرجل الي وقال: لا بأس. ولكن على شرط. قلت له: انا اقبل بشرطك مهما يكن.. ولكن اسقني اولا.. فأكاد اموت من العطش. قال: لن اسقيك حتى تسمعي مني الشرط. قلت له: جزاك الله.. قل شرطك قبل ان اموت. قال: ان تعديني بالمجيء في العام المقبل, في مثل هذا اليوم من عيدالربيع لتدفعي لي ثمن الماء الذي شربت؟ اجبته: موافقة رغم غبائك. وشربت الماء, ثم طلبت من خادمتي ان تطلب منه, دون ان يعرف اني انا التي ارسلتها, ان ينقل في عصر كل يوم كوزا من الماء الى القصر القديم. فوافق على ذلك.. تابعت خديجة: وظل معي عشرة اعوام. اطرق اخر الاربعة وجهه الى الارض, بينما كانت خديجة, كما رأيتها من عليائي, تبتسم للأربعة وتقول: هل صدقتم ما اخبرتكم به, عن محتويات الغرفة المقبلة؟ رفع الاربعة وجوههم اليها وقالوا معا: صدقنا. ولكن على اصرار ان نعرف ماذا في هذه الغرفة المغلقة.. قد يوجد فيها الى جانب حياتك بعض الذهب والماس والياقوت؟ هزت خديجة رأسها وقالت: لن يوجد منها سوى ما اخبرتكم به, والى جانبه ليل حالك.. قالوآك با بأس. لن نتخلى عن مطالبنا. قالت خديجة: مازال لحكايتي ذيل اريد ان ازيل بها ما اخبرتكم به!! قالوا: هاتي.., تابعت خديجة بلهجة محزونة, بأسى: عندما بلغت الخامسة والثلاثين كان الشيخ (عرفان) قد بلغ الثمانين. اما عندما بلغت الخامسة والخمسين فكان الشيخ (عرفان) قد بلغ المئة.. وفي هذا العمر الطويل الذي عاشه جاء الموت زائرا. ثم اضافت خديجة: مات.. مات وهو يقول للموت, لقد اخبرني جدي, وهو صاحب كرامات, بأني سأموت يوم ابلغ مئة واربعين سنة! ثم سأل ان كان لدى الموت تفسيرا لذلك؟ هز الموت رأسه ثم قال: لا احد يعرف الآجال سوى الخالق عز وجل. قال الشيخ (عرفان): انا لا انكر هذا, ولكن جدي كان صاحب كرامات فلا يمكن له ان يكون من الكاذبين! هزت خديجة رأسها, وقد شعرت لهزة رأسها بالاسى التام, لأنها كانت تريد ان تقول: لقد بلغت, في يوم موت الشيخ (عرفان)الخامسة والخمسين, ومع بلوغي هذا ضيعت كل شيء.. ثم اشارت بيدها الى الغرفة المغلقة الباب.. عندما قامت خديجة لتفتح الباب, شعرت بخوف, حتى كدت ان اصرخ بها.. الا تفعل, كدت ان اطلب من الاربعة ان يتركوا العجوز خديجة وشأنها, وان يرحلوا بسلام.. الا ان الاربعة التفتوا الي وقالوا: ان كان قلبك رقيقا فدعنا وارحل. لقد ترصدنا هذا القصر سنوات طويلة حتى استطعنا الوصول الى معرفة الغرفة المغلقة والوقوف امام بابها.. اننا نراها كالصدفة.. ما ان تفتح حتى تطل منها لؤلؤة لا مثيل لها في الدنيا. لؤلؤة تساوي ملايين الملايين من المال والذهب. ضحكت خديجة وقالت: لن تجدوا فيها سوى ايامي البائسة وعتمة ابدية تشبه عتمة القبر! قالوا لها: نحن جئناك لصوصا ولم نجئك مقامرين. هيا افتحي الباب. ظلت خديجة واقفة صامتة, ما لبثت ان رمت بالمفتاح اليهم وقالت: افتحوها. عندما فتحوا الباب لم ار سوى مستطيل اسود. اقترب الاول منه, ما لبث ان تشجع وولجه فغاص في العتمة واختفى فيها, ثم تبعه الثاني والثالث والرابع.. اختفى الاربعة في ظلمة الغرفة دون صوت او حركة.. قالت خديجة لي: وانت الا تريد ان تلحق بهم؟ قلت لها: لم آت برفقتهم لا لحب بهم. انما جئت شاهدا على الحديث. ضحكت وهي ترمي رأسها الى الوراء, ثم تجهش ببكاء مر طويل. لم اتوقع ان اتورط في هذه الحكاية, وان اكون شاهدا على احداثها الاخيرة, اي على خاتمتها. ادرت وجهي فيما حولي, اتأمل الجو المحيط بي, متناسيا خديجة وبكائها المر والباب الذي غاب وراءه الرجال الاربعة, كنت مدهوشا لما اراه من تحف وسجاجيد وشمعدانات وحصر وابسطة بالوان زاهية, وتحف اثرية قديمة واخرى حديثة, احدق في ستائر الحرير المسدلة على النوافذ وفوق القناطر المذهبة والمزينة بعناقيد الاوراق واكاليل الغار. سألت نفسي: اي عالم ساحر هذا؟ اي اسطورة اعيش في اجوائها؟ وفجأة علا من ورائي صوت وحركة, فالتفت, وما اغرب ما رأيت. لم اصدق ما رأت عيناين.. شيخ, عرفت فيما بعد انه (عرفان) بلباس حريري ابيض, غير مخيط كالكفن تماما, يخرج من باب سري في الجدار الذي كان ورائي بالضبط! مديدة الى خديجة التي مسحت الدمع عن عينيها, ورفعت رأسها الى زوجها المنبثق من الجدار كأنها تسأله, ما الذي اتى به الان؟ سمعت الشيخ (عرفان) يقول: الان عرفت اسباب موتي وانا في المئة من العمر, وليس كما تنبأ لي جدي! سألته خديجة: عن ماذا تتحدث؟ اشار الشيخ (عرفان) الى الباب الذي اختفى فيه الرجال الاربعة قائلا: عن هؤلاء الاوغاد. هزت خديجة رأسها وقالت: لقد قبلت بشرطي ايها الشيخ منذ ان كنت في الخامسة عشرة وانت في الستين؟ ام انك نسيت؟ اجابها: لا, لم انس, ولكن كم كانت بي رغبة في معرفة الاربعة او واحد منهم لاجعله عبرة لكل الرجال الـ.. قالت خديجة: ها قد تساوينا.. هز الشيخ (عرفان) رأسه نفيا وقال: ابدا, لم نتساو. انت حققت شرطك. اما انا فلم احقق شيئا. اجابته: هذا ليس ذنبي. هز رأسه وقال لها: بهذا اصبت يا امرأة. ثم اضاف: اتعتقدين اني لم اكن اعرف بأنك تخفين عني امراً ما؟ لا يا امرأتي. كنت اعرف واحس بذلك من سلوكك تجاهي, وتصرفاتك معي. كنت اعرف انك تعيشين حياة اخرى, بعيدة عني, ولكن.. ياللاسف لم استطع اكتشاف تلك الحياة, كنت اقف امام باب الغرفة المغلق واتساءل: اي امر تخبئه زوجتي وراء هذا الباب؟ هزت خديجة رأسها وقالت: برغم هذا فلم تمت الا وانت في المئة.. لم تمت الا بعد ان قتلتني معك. بعد ان اصبحت في الخامسة والخمسين, واي حياة يمكن للمرأة ان تتمتع بها بعد ان تبلغ هذه السن؟ سألها الشيخ (عرفان): والسنوات الاربعين التي اقتطعها من حياتي, ماذا تقولين عنها, اليس عمرا مديدا لامرأة؟ اجابت خديجة: نعم. انه عمر مديد, ولكني عشته في الخوف والقلق والاضطراب. كنت اخاف كل لحظة يمكن لك ان تكشف فيها عن سري الذي اخفيه عنك وراء هذا الباب. قال الشيخ (عرفان): كنت احس بأن عمري ينقص, ولكني كنت عاجزا عن فعل شيء, غرفتك هذه كانت قاتلتي. ردت عليه: وانت ايضا قتلتني ببطء على مدى اربعين سنة. قال الشيخ (عرفان): وبرغم هذا فلم نتساو كما تدعين, لأنه, رغم خوفك فقد عشت متعتك مع من احببت. اما انا فرغم امتلاكي لك, لم احس بروحك وانت بين يدي, آه خديجة, كم كان جسدك بين يدي باردا, مثلجا, ميتا؟ لم اصدق ما رأيت بعد ذلك, فقد انسحب الشيخ متوغلا في طيات الحائط كشبح. اما خديجة فقد التفتت ونظرت الي طويلا, ثم هزت رأسها وقامت سائرة باتجاه باب الغرفة التي غاب وراءها الرجال الاربعة, مدت يدها الى قبضة الباب المذهبة, سحبته الى الوراء فانفتح على عتمة كتيمة, سحبت المفتاح من ثقب الباب ثم امسكت بالقبضة المذهبة, رمت المفتاح الي وسحبت وراءها الباب تغلقه على نفسها بعد ان تسربت الى داخل العتمة. وقفت انظر الى الباب المغلق, حاولت ان اشده لافتحه فلم استطع. او لجت المفتاح في الثقب محاولا فتحه فلم ينفتح معي. فما كان مني الا ان رميت المفتاح امام الباب وخرجت, وكم كانت دهشتي كبيرة عندما وجدت الباب مرسوما على الحائط, لم يكن هناك باب ولا من يحزنون. كان مجرد رسم متقن على الحائط! * قاص وروائي سوري من جيل السبعينيات له عدد كبير من المجموعات القصصية والروائية اخرها رواية (زهور كافكا)