بيان 2: انه لأمر مدهش ان نتذكر اليوم وقد اصبحت شبكة (ورلد وايد ويب) تضم حوالي سبعة ملايين موقع, ان مبتكرها واجه صعوبة في جذب اهتمام زملائه في البداية,. وبعد عشر سنوات اصبح اهتمام تيم برنرز ـ لي مختلفا, ويتمحور حول الحؤول دون فلتان زمام الويب نتيجة لتراكم البيانات التي يضعها المطورون التجاريون فوق اساساتها. وقد نجحت الشبكة التي ولدت كمشروع غير موافق عليه في مختبر فيزياء اوروبي في شهر ديسمبر سنة ,1990 بفضل بساطتها ـ ويريد مبتكرها برنرز ـ لي ان تبقى كذلك. ويقول برنرز ـ لي: (ما يهمني هو ان لا نبني نظاما ليس نظيفا كفاية كفكرة ومفهوم حتى لا نجد بعد عشر سنوات ان التقنية باتت مقيدة). ملامح الطبيعة المتواضعة والخجل لعالم الكمبيوتر البريطاني هذا تبدو جلية وهو يتحدث عن اصل (الويب) وتطوره ومستقبله في مكتبه الضيق المكتظ في مؤسسة ورلد وايد ويب كونسرتيوم التي اسسها في العام 1994 لتطوير مقاييس الويب. وبخلاف الكثيرين من مبتكري برامج الكمبيوتر لم يسع برنرز ـ لي الى جمع ثروة من عمله. بل الحقيقة انه في السنوات الثلاث الاولى كان متأكدا ان الشبكة لن تنطلق. ويتذكر برنرز ـ لي تلك المرحلة قائلا: (كنا ننتظر ظهور منتوج تجاري منافس في اي لحظة من اللحظات ـ كظهور منتوج تجاري منافس يقضي على الشبكة او خدمة انترنت منافسة تقضي عليها. وقد ظهر فعلا نظام لاسترجاع المعلومات يدعى (جوفر) كمنافس, الا ان كثيرين من مستعمليه تخلوا عنه في العام 1993 عندما حاولت جامعة مينسوتا فرض اجور على هذا النظام. وفي وقت لاحق من تلك السنة, وعندما اطلق فريق علمي في المركز الوطني لتطبيقات الكمبيوتر في جامعة ايلينوي براوزر باسم (موزايك) الذي كان الاول من نوعه يجمع بين الرسوم والنصوص على صفحة واحدة, ايقن برنرز ـ لي ان اختراعه سوف يعيش. وسرعان ما غادر ذلك الفريق متخليا عن عمله في الجامعة بغية تشكيل شركة نتسكيب للاتصالات وتطوير اول براوزر تجاري للويب مثيرا بذلك اهتمام شركة مايكروسوفت والمطورين الاخرين المهتمين بامكانيات الويب التجارية. وكان برنرز ـ لي قد اقترح الويب لأول مرة في العام 1989 في اثناء محاولة لتطوير طرق التحكم بالكمبيوتر من بعيد, في مؤسسة (سي. اي. آر. إن المنظمة الاوروبية للأبحاث النووية في جنيف. في جوهرها تجمع الشبكة بين فكرتين يعود تاريخهما الى الستينات, وهما الانترنت وهايبر تكست وهي طريقة لتقديم المعلومات بشكل غير متلاحق. ومع ان الفكرتين كانتا معروفتين تماما عند المهندسين الا ان برنرز ـ لي هو الذي تنبه الى قيمة الجمع بينهما. وهو لم يحصل ابدا على الموافقة الرسمية لمشروعه الا ان رئيسه في العمل اقترح عليه متابعة عمله بهدوء على كل حال. واستخدم برنرز ـ لي جهاز كمبيوتر (نتسكيب) لمباشرة كتابة البرنامج في العام 1990 واستطاع تشغيل براوزر في اواسط نوفمبر واضاف اليه قدرات تحريرية في ديسمبر, ثم قدم البرنامج في (سي. اي .آر. ان) يوم عيد الميلاد. وفي ذلك الوقت كان برنرز ـ لي وزميله روبرت كايو اول شخصين يستعملان الويب. وقد شاء ان يعرض براوزره, الا انه لم يكن هناك ما يستحق البحث فيه بالنظر الى وجود موقع واحد على الويب فقط. ويقول برنرز ـ لي: (لقد كان تطوير براوزره شيئا مثيرا للغاية. ولكن الصعوبة كانت في معرفة ما ينبغي علينا عمله بعد ذلك. ولتشجيع استعمال الويب سعى برنرز ـ لي الى حمل زملائه في (سي. اي. آر. إن) على وضع دليل الهاتف والموارد الاخرى على الشاشة. وعثر على متدربين وزملاء ابحاث اخرين عن طريق القنوات الخلفية لمطابقة البروازر مع اجهزة الكمبيوتر الاخرى. وقد حرص على تغليف حماسه وجهوده بغلاف من الهدوء والسرية وذلك لتحاشي المساءلة من قبل الادارة العليا حول هدر الوقت في تطوير شيء لم يكن مكلفا بتطويره. والبروازر التجاري الاول الذي تم اطلاقه في العام 1991 لم يكن مجهزا بالوصلات الرسومية الموجودة اليوم. وكان المستعمل يطبع اوامره على لوحة المفاتيح بدلا من مجرد الكبس على الفأر. الا ان المتحمسين للفكرة تابعوا عملهم الهادف الى التحسين. وفي النهاية استطاع مارك اندرسون وفريق موزاييك اضافة الرسوم وسهلوا تركيب البرامج, وبعملهم هذا فتحوا ابواب الويب على العالم. ويقول مايكل فولك, الذي تولى ادارة فريق موزاييك بعد مغادرة اندرسن: (ما ادهشني في تلك الايام الاولى هي الكمية الهائلة من الطاقات المجانية التي صرفت على تطوير تلك التكنولوجيا. وقد ساهم افراد من جميع انحاء العالم بكمية هائلة من الوقت والافكار بطريقة تعاونية وغير تنافسية تثير الدهشة. الا ان المرحلة التجارية للويب سرعان ما انطلقت, حتى انه في ايامنا الحالية ـ كما يشير فولك ـ بات كثيرون من المطورين يقدمون طلبات الحصول على براءات الاختراع اولا ثم يتقاسمون افكارهم مع الاخرين, وغالبا مقابل اجور. وفي السنوات اللاحقة تدفقت على الشبكة المواقع الدعائية الاعلانية والتجارية الالكترونية. بالنسبة لبرنرز ـ لي يكمن جمال الويب في قدراتها الهائلة على نشر المعرفة. ولكنه يشير الى ان ذلك لا يعني انه منزعج من كل هذه التوجهات التجارية. ويقول ان (الويب لم تصمم لكي تكون مقتصرة على مجال واحد ابدا. والمواقع غير التجارية لاتزال متواجدة جنبا الى جنب مع المواقع التجارية, ويقول برنرز ـ لي انه (اذا كنت لا تقرأها اليوم فذلك لأنك لا تقرأها, وليس لأنها الغيت). الا ان برنرز ـ لي منزعج الى حد ما من القدرة على تعقب الامكنة التي يتصل منها المستعملون ومن جمع معلومات شخصية اخرى. وتنصرف الشركة التي يديرها الى تطوير اسس ومقاييس تسهم في جعل البرنامج قادرا على الحد من مقدرة جمع المعلومات ذات الاغراض التجارية. كما انه يتساءل حول محركات البحث ووصلات كمبيوترات الطاولة التي تكون لصالح شركاء التسويق وتقدم نتائج منحازة تجاريا. ويقول فينتون سرف الذي ابتكر بروتوكولات اتصالات الانترنت التي لها الفضل في نجاح الويب, ان (مقولة برنرز ـ لي حول استعمال الويب لنشر المعلومات عالميا لاتزال حية). ويشير سرف الى ان الكثيرين من المستعملين يملكون صفحات على الويب ويستطيعون الحصول على الكثير من المعلومات من دون مقابل. ويزيد برنامج (جافا) والبرامج المماثلة الاخرى على الشبكة من فائدة الويب, الا انها قد تجعل المواقع عديمة الفائدة بالنسبة لأجهزة الكمبيوتر القديمة عندما تتغير لغة كتابة النصوص. وفي ايامنا الحالية يستغل بعض مواقع الويب المزايا الحديثة المعينة في اخر بروازرات مايكروسوفت ونتسكيب. الا ان ذلك يجعل الويب اقل شمولية. وتحاول شركة برنرز ـ لي تطوير مقاييس المرحلة التالية للويب, وتتضمن تلك المقاييس ما يسمى لغة الاشارة القابلة للامتداد, او اكس. ام. ال التي تؤشر المعلومات الموجودة على الويب برموز خفية تتيح لمؤسسات الاعمال تبادل المعطيات والمعلومات دون الحاجة الى اعادة صياغتها. وستبقى اساسات الويب على حالها. ولن تحتاج البرامج في مواقع الويب واجهزة الكمبيوتر المستعملة سوى الى فهم لغة الويب ولغة الكتابة ومخطط نقل الشبكة. ويقول برنرز ـ لي انه غير آسف على رفضه للفرص التجارية, بل في الحقيقة يشير الى ان الويب كانت لن تزداد شعبية وتشهد اقلالا لولا وجود شخص يدعو الى العلنية والثبات. ويضيف: (ان شركات الاعمال الاخرى كانت ستتردد عن ربط نفسها كاملة بالويب مثلما يفعل عدد كبير من الشركات اليوم. ان كل المتطوعين وكل الجماعات غير المعنية بالربح كانت ستنسحب. وقد كان وجود طرف محايد امرا جوهريا. ويقول مايكل درتوزوس, مدير مختبر علوم الكمبيوتر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا انه لو ابتكر الويب شخص غير برنرز ـ لي لم نمت وتطورت ابدا. ويضيف درتوزوس: (فيما كان الجميع يسعون لجعل الويب ملكا لهم اراد برنرز ـ لي ان يجعل الشبكة ملكا للجميع. وفي تفكره للماضي يشدد برنرز ـ لي انه ليس هناك شيء كثير مما كان يريد عمله بشكل مختلف ـ ربما ما عدا صنع عناوين الويب المعروفة باسم (يو. آر. ال). بطريقة مختلفة. ويقول: اتمنى لو لم اضع خطي الوصل المزدوجين. لم اكن اعرف الى اى مدى سيضطر الناس الى كتابة يو. آر. إل وقراءاتها بصوت عال, وكم من الوقت يستغرق قول سلاش سلاش.