لا يمكن تقدير مكانة نادية لطفي الفنية إلا من خلال قراءة موضوعية لأسماء النجمات في عصرها من الجيل الذي سبق ظهورها والممثلات اللائي ظهرن معها وبعض من لحقن بها.. فهذه الخريطة الملونة.. هامة.. لرسم بورتريه حقيقي لنادية لطفي.. اختلطت فيه كلمات الحب بالمجاملات.. والصراع.. والمنافسة.. وعبثت فيه شائعات ضخمة.. وأيدي جهاز المخابرات المصرية.. فيما أطلق عليه فيما بعد تجنيد الفنانات.. ما حقيقة ذلك.. وما هي شهادة نادية لطفي عليه!! في عام 1958 عندما قدم رمسيس نجيب نادية لطفي في فيلم (سلطان).. كانت الساحة الفنية مليئة بأسماء نجمات لامعات الظهور بينهن صعب.. تتصدرهن هند رستم ملكة الاغراء في السينما المصرية, وصباح (الشحرورة) ذات الصوت الصادح الشجي, ومريم فخر الدين ذات الملامح الرومانسية المستسلمة, وسميرة أحمد الفتاة الجميلة بملامح شرقية يغلب عليها العقل وماجدة ذات الأدوار الخاصة, وتحية كاريوكا بما تحمله من حضور أنثوي, وعصبية على الشاشة وخفة دم مصرية وفاتن حمامة سيدة الشاشة العربية وأهم ممثلة في ذلك الوقت وشادية دلوعة السينما وصاحبة أجمل وجه معبر.. وعندما نقرأ هذه الأسماء لنادية لطفي تقول : أنا في أول فيلم لي كنت خائفة جدا, ومرعوبة لأنني كنت أحلم بكل هذه الأسماء من النجمات كنت أحلم بمصافحة أي منهن, أو الحديث معها لبضع دقائق لا أن أكون واحدة منهن وأعتقد أن فترة الاعداد والتدريب التي خضعت لها قبل تقديم أول دور لي هي السبب في نجاحي فكان التركيز خلال التدريبات على أن أظهر في ثوب خاص بي في شكل فني جديد يختلف عن كل النجمات وهي العملية التي نعرفها الأن بصناعة النجمة وأنا لم تكن لدى أي خبرة أو دراية بالتمثيل لكن المخرج نيازي مصطفي مركز على اظهار ملامحي المختلفة عن النجمات الأخريات من حيث الشكل وكنت أعاني من متاعب في النطق الصحيح إلى جانب خشونة الصوت وهذه النقطة حلها لي أستاذ الالقاء عبد الوارث عسر حيث جعلني أتغلب عليها.. كما أن الشاعر الصديق كامل الشناوي ساعدني في السيطرة على نطق الحروف فكنت أنطق (القاف), (كاف).. كما أن دور الفتاة الصحفية كان قويا وترك تأثيرا لي على الساحة الفنية وهو ما جعلني بطلة من أول فيلم وبعدها رسخت أفلامي التالية حضوري كنجمة ثم جوكر في السينما المصرية. أجمل وجه وشكل الممثلة الخارجي كان له تأثير كبير على نجوميتها في تلك الفترة نهاية الخمسينات وبداية الستينات فكثيرا ما نجد المجلات الفنية الهامة وعلى رأسها الكواكب تنشر موضوعات عن رأي خبراء التجميل في النجمات وملامحهن أو تقيم مسابقة لأجمل وجه أو أنف أو فم للممثلة واحد هذه الموضوعات الذي نشرته الكواكب في ديسمبر 1961 جاء في تحليل خبراء التجميل لوجه نادية لطفي : (وجهها الذي تظهر به على الشاشة هو وجهها الطبيعي لذلك فالماكير لا يتعب نفسه كثيرا معها فإن دقة تقاطيعها ونصاعة بشرتها تجعل منها وجها ممتازا من ناحية التصوير.. ومن ناحية الألوان لا تحتاج منها إلا القليل. وهناك مسابقة طريفة أقامتها مجلة الكواكب تحت عنوان (مسابقة مالون عينيها ؟ (قابل نجمك المفضل وخذ منه جائزتك ونشرت صور لعشرة نجمات هن : نادية لطفي, ومريم فخرالدين, ولبني عبد العزيز وسعاد حسني, وليلي طاهر, وزبيدة ثروت وهند رستم, ومديحة يسري, وليلي فوزي, وشويكار وطلبت من القراء إرسال حل المسابقة بحيث يذكر لون عين كل ممثلة وأطرف ما في المسابقة أن جوائزها كان يقدمها فنانون غير مشتركين بالمسابقة وهم ماجدة وهدى سلطان, وشريفة فاضل, مها صبري, والفنان فريد شوقي, ومحسن سرحان, ومحرم فؤاد, وحسن يوسف (والغريب أن هذه المسابقة تحديدا تشاءمت منها نادية لطفي فعقب نشرها بالكواكب تحكي نادية لطفي حادثا غريبا وقع لها : في أول فبراير عام 1964 على ما أتذكر كانت هذه المسابقة ولم أكن مرتاحة لها نفسيا وشعرت أن شيئا سيحدث لي فسافرت مع حفل أضواء المدينة إلى السودان واثناء عودتنا أصيبت في عيني وفشل الأطباء في القاهرة في علاجي فنصحوني بالسفر إلى لندن لعلاجها بشكل أفضل وكان. ومن أكثر هذه المسابقات طرافة ما قامت به الكواكب حينما استعانت في عام 65 بأشهر عشرة رسامين كاريكاتير في مصر وطلبت من كل منهم اختيار أجمل عينين وأجمل أنف, وأجمل أذن, وأجمل ذقن, وأجمل شفتين وأجمل خد, وأجمل جبين, وأجمل رقبة, وأجمل شعر وشارك في هذا الاستفتاء كل من رسامي الكاريكاتير صلاح جاهين, ومصطفي حسين, ورضا, وحاكم, وعبد السميع, ورجائي, وكمال الملاخ, وحجازي وايهاب, وناجي وكانت النتيجة النهائية للاستفتاء اختيرت نادية لطفي كصاحبة أجمل شعر, وأنف وذقن وفاتن حمامة كصاحبة أجمل جبين وشفتين, وسعاد حسني كصاحبة أحمل عينين وخدين, ومها صبري كصاحبة أجمل أذن, ووردة الجزائرية كصاحبةأجمل رقبة. شكل مختلف لكن رغم اهتمام جمهور ونقاد هذه الفترة بالشكل الخارجي للممثلة كمؤهل للنجومية فإن الموهبة والروح الداخلية كانا لهما أكبر الأثر في الحفاظ على هذه النجومية ولاشك أن نادية لطفي نجحت في أن تبرز وسط النجمات السابقات لها بالفن لكن اللاتي رافقنها في الظهور يعتبرن شكلا مختلفا. تقول نادية لطفي : ظهرت أنا وسعاد حسني وليلي طاهر وبعدنا شويكار في وقت واحد ووراء بعض سعاد حسني قدمت (حسن ونعيمة) وأنا قدمت (سلطان) وليلي طاهر طلعت من نفس الشركة من خلال فيلم (أبو حديد) وشويكار ظهرت معي في ثالث أفلامي (حبي الوحيد) أمام عمر الشريف وكمال الشناوي وربطتنا معا علاقات زمالة وحب وصداقة وكلها علاقات توطدت بسبب العمل. سعاد حسني لها (معزة) كبيرة عندي كنا زملاء واشتغلنا مع بعض أعمالا جيدة وكانت معنا زيزي البدراوي حيث عملنا معا في فيلم (السبع بنات), ثم (من غير ميعاد), وبعده (الزوجات فقط) وكانت معي في مجموعة عبد الحليم حافظ التي ضمت كامل الشناوي ومحمد حمزة أيضا. ورغم امتلاء الساحة الفنية بالنجمات والأسماء اللامعة فإن نادية لطفي تقرر بأنها لم تعرف طيلة حياتها أي نوع من الصراعات مع ممثلة أخرى وتقول : أنا طيلة حياتي لم أدخل صراعا إلا مع نفسي فكانت كل مشكلتي أن أكون جديرة بالمكانة التي وضعتني الأقدار فيها وأعلم نفسي حتى أصل لمرحلة فنية جيدة لذلك فصديقاتي كثيرات في الوسط الفني للآن وفي بداية حياتي كانت أقرب صديقة لي هي زينات صدقي وكسبت منها خبرة كبيرة لأنها كانت أقدم مني وعلامة هامة في المسرح في عصره الذهبي ومنها تعلمت قراءة شعر شوقي وحب المسرح. فيما بعد هزيمة يونيو هاجر العديد من الفنانات مع المخرجين والمنتجين إلى لبنان لتقديم أعمالهم هناك بعد أن تحطم كل شيء في مصر وإنتهاء الحلم.. على رأسهم كانت فاتن حمامة التي قالت بعد عودتها أنها هربت من مصر خوفا من ضغوط أحد رجال المخابرات علىها لتجنيدها للعمل لصالح الجهاز.. وفيما بعد تحدثت العديد من الممثلات عن تجنيد المخابرات لهن وللفنانات كما حاولت اعتماد خورشيد تفصيل ذلك ورواية مغامرات صلاح نصر في هذا المجال.. فأين كانت نادية لطفي من ذلك؟ مراكز القوى ونادية لطفي رغم انتماءاتها القومية واعجابها بثورة يوليو وعبد الناصر تمتلك قدرا كبيرا من الصراحة لأن تقول دائما الصواب وتشهد إلى جانب الحق فعلى الرغم من أنها صاحبة فيلم (الناصر صلاح الدين) في الستينات الذي كرمها جمال عبد الناصر عنه إلا أنها في عام 1978 قدمت فيلم (وراء الشمس) أمام رشدي أباظة, وشكري سرحان. وإخراج محمد راضي وهو الفيلم الذي سار في ركاب الموجه السائدة آنذاك من إدانة مرحلة الستينات واللعب على أوتار مراكز القوي وهي تبرر ذلك قائلة : أنا لست مع حقبة معينة ولست ضد حقبة بعينها ولكني مع الإنسان في كل زمان و مكان وأنا ضد أية انتهاكات لحقوق الإنسان في الماضي أو الحاضر أو المستقبل لذلك عندما جاءني هذا الفيلم قبلت العمل فيه رغم وقوعه في مأزق إلقاء الاحداث على فترة بعينها.. مع أنه عمل فني صالح لكل وقت ولأي فترة ففي نفس الوقت الذي كنت أصور فيه داخل الاستديو دوري بهذا الفيلم وهو دور طالبة تقوم بإبلاغ رجل المخابرات (صلاح منصور) عن زملائها الذين يخططون للقيام بمظاهرة.. في هذه اللحظة استقبلت مكالمة هاتفية من صديق يطمئن على ويسأل عن كيفية عودتي إلى المنزل بعد التصوير فقد كانت الشوارع مغلقة لأن مظاهرات 18 و19 يناير عام 1977 قد اندلعت. وشخصية بهذه الصفات كنادية لطفي جديرة بالشهادة على وقائع تجنيد الفنانات لجهاز المخابرات المصرية في الستينات وعنها تقول نادية لطفي : أولا أنا لا أشهد على شيء لم أشاهده بعيني أنا شخصيا لم يحاول أحد تجنيدي أو يطلب مني أن أصعد في (أسانسير) أو خدش حيائي بكلمة أو هددني. وهذا في وقت لا أغالي فيه إذا قلت أنني كنت جوكر السينما المصرية واحدى نجماتها الأوليات وكنت مشهورة جدا وقدمت (الناصر صلاح الدين) و(المومياء) و(النظارة السوداء) وغيرها من الاعمال الهامة وبالتأكيد لو كانت هناك خطة أو نية لتجنيد الفنانات كانوا سيجدوني بالطبع لأنني كنت أتمتع بجمال لا تحظى به الكثيرات ولدى حس وطني كبير مما يجعلني أقبل الأمر بشكل أسهل من الأخريات لكن للأمانة لم يعرض على هذا الأمر ابدا, ولم أشاهده أمامي لكن بالنسبة للأخريات فلم تحك واحدة منهن لي شيئا عما حدث لها ويمكن أنا قرأت ما قالوه بعد ذلك عن هذه المرحلة وتعجبت جدا فإما أنني لم أكن أعيش بهذه الأيام أو أنني كنت مجهولة جدا. حلقات يكتبها: محمد سليمان