لاشك ان علم التربية من العلوم التي لاتقف عند قاعدة ثابتة او مقولات محددة ولعله من اكثر العلوم الانسانية عرضة للتجديد والتطور لاسيما ان علاقته الاولى والاخيرة مع الانسان الذي بات من الصعب والمستحيل تأطيره او التعاطي معه وفق آلية ثابتة ووجهة نظر افقية. واذا كان علم التربية شهد جملة من التصورات على مدى الربع الاخير من القرن المنصرم فإن السنوات العشر الاخيرة عرفت ما يمكن ان نسميه انقلابا وتغيرات جذرية على المستوى النظري والتطبيقي وبالتالي انعكس الامر على الاسس التعليمية لانها الميدان الاساسي لتطبيقات علوم ونظريات التربية. وفي هذا السياق وضمن فعاليات موسمها الثقافي الرابع عشر استضافت ندوة الثقافة والعلوم الدكتور خليفة علي السويدي مدير وحدة المتطلبات في جامعة الامارات في محاضرة حملت عنوان التربية وآفاق المستقبل حضرها محمد خليفة بن حبتور رئيس المجلس الوطني الاتحادي والاديب محمد المر رئيس مجلس ادارة ندوة الثقافة والعلوم واعضاء مجلس ادارة الندوة وعدد كبير من التربويين والمهتمين. استهل الدكتور خليفة السويدي محاضرته عبر اشارات ومقدمات عامة على شكل نقاط اساسية ارادها ارضية للمحاضرة ولتوليد مجموعة من الاسئلة بينه وبين الحضور هذه النقاط (تمهيد حول التربية وسماتها المتجددة, اهم التطورات التربوية, ابرز التحديات التربوية, ملامح لتربية الغد, تربيتنا والمستقبل). في تمهيده حول التربية المتجددة اشار السويدي الى ان التربية شأن اساسي في المجتمعات الديمقراطية الى الدرجة التي اصبحت فيها من اهم الاوراق الانتخابية في برامج الاحزاب, ومع ذلك لابد من التمييز بين كونها شأنا مجتمعيا وبين اتخاذ القرارات التربوية دون علم مسبق بها فالصحة شأن مجتمعي لكن وحدهم الاطباء المخولين في التعاطي معها, فالتربية تحولت ومع الزمن من فن موروث الى علم مكتسب يتأثر باستعدادات الانسان وميوله,, ليتفرع هذا العلم الى جملة من التخصصات الدقيقة منها اصول التربية الفلسفية والاجتماعية, التخطيط التربوي اقتصاديات التربية الى جانب العديد من التفرعات الاخرى. التطورات التربوية في هذا الجانب اشار الدكتور السويدي الى وجود اختلافات في تعريف التربية فالبعض يراها وسيلة للمجتمع يحافظ فيها على موروثه الثقافي, ومنهم من رأى في التربية اعداد الاجيال لسوق العمل الا ان هذه التعريفات لم تستقر على صيغة محددة وحديثا تطورت من كونها تميل الى الطروحات الفلسفية المبهمة الى التعريفات الاجرائية كون التربية نفسها تحولت من الطرح الفلسفي الى التجريبي العملي فأصبحت مثلا (التطورات المراد ادخالها على الفرد او تعديل ندخله على سلوك المتعلم). هذه التطورات غيرت من النظرة السائدة للمتعلم فبدل السؤال التقليدي حول الذكي والغبي اصبح السؤال حول التميزات الفردية على اعتبار ان جميع الطلاب اذكياء, وبدل ان يدرس الناس جميعا ذات الشيء وبذات الوقت اتجهت التربية الحديثة الى تنمية الفروقات الفردية مع مراعاة توافر الحد الادنى للنجاح لان هدفها هو نجاح الجميع وليس فشلهم او تسربهم من الدراسة. وفي دولة الامارات اعتمادا على دراسة من اعداد موزة الخيال التي تتبعت فوجا تعليميا لتجد ان 28% منه نجح في الثانوية العامة دون رسوب, وان 56 % من العينة تسربوا في مراحل التعليم المختلفة اما بالنسبة للنساء فنسبة التسرب كانت 28% اما النجاح المثالي فكانت نسبته 43% التربية الحديثة اصبحت اكثر مراعاة للمرحلة العمرية التي يمر بها الانسان, والتنافس الحالي بين الدول اصبح بصورة اساسية تنافسا في العقول اكثرمن اي شيء. أبرز التحديات التربوية في هذا السياق قال المحاضر ان القاعدة الشهيرة في التخطيط الاستراتيجي تشير ان من يعرف المستقبل يجيد التخطيط للحاضر واليوم فالناس في تنافس شديد لعلم جديد هو صناعة المستقبل فبعد استشرافه تتم صناعته بالطريقة التي نريد, ومن ابرز التحديات التربوية التي تطرق اليها الدكتور السويدي هي اولا : كسر الحواجز فمن المعلوم في التربية انه بمقدار ماتقل المؤثرات الخارجية على الانسان بالقدر الذي تتحقق الاهداف المنشودة مثال الاسرة المكونة من اب وام ينشأ الاطفال فيها كما يشاء الابوان في الغالب يتعقد الامر لو تدخل الاجداد والاقارب فما بالكم بالجيران والخلان تصبح المسألة ولاشك اكثر تعقيدا في عالم التربية. اليوم فتح العالم على مصراعيه ليؤثر القوي على الضعيف بالطرق المباشرة لسهولة السفر او عبر التواصل الالكتروني مثل شبكات المعلومات, لا شك ان لهذا الامر ايجابياته وسلبياته لكنه تحد تربوي خطير نلخصه بشعار تحدي الهوية. ثانيا: الانفجار المعرفي, ثالثا: التحدي الاقتصادي, رابعا: الخلل الروحي مع تقدم الناس في علم الابدان اصبح الانسان كآلة قابلة للتجديد والتطوير بعد ان كنا نقول في الماضي لا يصلح العطار ما افسد الدهر, واما ميدان التحدي الكبير فهو في الروح التي مازالت البشرية في صراع حول طرق رياضتها وتربيتها وهذا سبب قلق الناس وانتشار العلاج من الامراض السيكوموماتية وهي الامراض الجسدية ذات المنشأ النفسي. ملامح لتربية الغد في هذا المحور قدم الدكتور السويدي اقطاب العملية التربوية حيث اشار في البداية الى الطالب باعتباره محور العملية التعليمية وهو اليوم اخر من نفكر فيه عند اي مشروع تربوي سننظر اليه في المستقبل عبر زاوية الفروق الفردية وما يملك من استعدادات وسيتعلم بالسرعة المناسبة له ولن يقارن بزملائه (تفريد التعليم). المعلم: هو المدرب الذي يوجه ويعمل في فريق مع زملائه لتحقيق اهداف كل طالب فهم الذين يقومون بالتخطيط للتعليم ومن ثم تنفيذ الخطة كل حسب دوره المنهاج :بدلا من المناهج المعرفية المنفصلة اليوم ستحل محلها المناهج المتداخلة فمناهج المستقبل ستركز على مايقوم به المتعلم وليس المعلم فهم الذين سيجمعون البيانات ويعالجونها ويتم اعداد بعض المراجع وفق معايير عالمية متفق عليها. هذه العناصر تضاف الى محاور اساسية هي طرق التدريس, اساليب التقويم, ادارة التعليم حيث ستتحول الادارة في غالبها الى النمط اللا مركزي والتي تحدد فيها المنظمات المتخصصة الكفايات اللازمة للنجاح في كل ميدان من ميادين التعلم ومن ثم يترك للمناطق حرية تطوير المناهج العامة بشرط الالتزام بالحد الادنى المشترك بين كل المتعلمين وستهتم المدرسة بالسجل التراكمي للمتعلم والذي يمثل تقدمه في العملية التعليمية لذلك ستكون هناك مرونة اكبر في سن الالتحاق بالمدرسة وعمر التخرج منها, ومن هنا فان المدرسة المفتوحة هي المستقبل الذي ينتظرنا لانها لن تعلم الاطفال فقط بل سيتعلم المجتمع من خلالها لذلك سيتعدل دوام المدرسة المادية والالكترونية لتحقيق هذه الاهداف. تربيتنا والمستقبل في المحور الاخير الذي عرضه السويدي في ورقته وضع سؤالا عريضا حول مدى الاعداد المتوفر في دولة الامارات بجميع التحديات التربوية, منوها الى مجموعة من النقاط هي ثمة اهداف واضحة تقود لمخرجات واعدة, ماهية الدور الفعلي للمعلم والمتعلم, وهل تراعي الادارات التربوية متطلبات الجودة العالمية, وهل التربية في الامارات علم له اصول ام تجارب عقول. وفي نهاية هذه الورقة تشارك السويدي والحضور التساؤل والاجابة على العديد من النقاط المرتبطة بالعملية التربوية بصورة عامة. كتب حازم سليمان