أثارت ندوة (فن الصوت الخليجي ــ شهادات واستماع) التي أقيمت أمس الأول في مقر بيت الموسيقى بساحة الآداب بالشارقة, العديد من الاشكاليات التي يعاني منها الفن الغنائي والموسيقي الخليجي, وتحديداً في مجال التوثيق التأريخي وقد استهل الفنان عيد الفرج الندوة بالحديث عن تراجع (فن الصوت) الخليجي وذلك لعزوف جيل الشباب عن تقديم هذا اللون الغنائي المتأصل بإيقاعاته وألحانه وأدائه الغنائي ونصوصه. وأكد الفرج ان (فن الصوت) يحتاج الى مهارة فائقة بالأداء لا يمكن ان تكتسب الا من خلال مواكبة الأجواء والجلسات التي يؤدى بها هذا الفن الغنائي منذ الطفولة. وأشار الفرج الى ان (فن الصوت) يؤدى بمصاحبة ثلاثة ايقاعات فقط, لكنه غني بالألحان وتركيباتها التي تتداخل مع هذه الايقاعات. وأضاف الفرج انه بحكم موت العديد من رواد هذا الفن ونظراً لكبر سن من يؤديه حالياً وطغيان (الفيديو كليب) مُنع أو حُرم هذا الفن من الاستمرار. الفنان الكويتي إبراهيم الصولة قدم نبذة تاريخية عن جذور هذا الفن, الذي ترافق ظهوره مع انبثاق الإسلام وعلى يد عدد من المغنين الذين تأثروا بالأنشودة الخالدة ــ طلع البدر علينا ــ التي استقبل بها الأنصار الرسول عليه الصلاة والسلام عند هجرته الى المدينة المنورة, وكانت هذه الأغنية بمثابة المفتاح لفن الصوت, وتدرج فن الصوت مع فتوحات الأمة الإسلامية وبلغ أوجه في عصر الخلافة العباسية وتحديداً على يد النابغة الموسيقي زرياب, وكان انتقاله الى الأندلس أشبه بالطفرة التي لحقت بفن الصوت الذي أضحى الفن المهيمن على كافة الفنون, وأضاف الصولة ان ظهور الموشحات التي استندت على المقاطع الموزونة والتي يسهل تلحينها على عكس (فن الصوت) الذي يعتمد على القافية الشعرية الموزونة أو البحور الشعرية, هذه الموشحات التي لاقت رواجاً واستحساناً كبيرين في الأوساط الأندلسية أدى الى التراجع التدريجي لـ (فن الصوت). وأشار الصولة الى أن الغزو التتري لبغداد ألحق نكبة في فن الصوت الذي تقهقر ليرجع الى منبعه في منطقة الحجاز, واحتفظ به أهل الحجاز لفترة زمنية تجاوزت الـ 600 عام, ومن ثم جاء بعث هذا الفن من الخليج العربي على يد الفنان عبدالله فرج (1830 ــ 1901) والذي جدد في خواص هذا الفن الغنائي إذ أدخل المقام الهندي الموسيقي على المقام الموسيقي العربي ليحدث تزاوجاً فريداً ودقيقاً ليخرج لنا (فن الصوت) الخليجي الخالص. الفنان البحريني أحمد الجميري آثر في بداية مداخلته تعريف (فن الصوت) وهو على حد تعبيره فن غنائي ذكوري فردي عرف بمنطقة الخليج على خلاف باقي الفنون الغنائية الخليجية الأخرى التي امتازت بالأداء الجماعي, وأضاف الجميري ان لهذا الغناء ايقاعات وآلات ايقاعية خاصة أهمها (المرواس) وتحدث الجميري عن تباين بين (فن الصوت) المتداول في الكويت والبحرين إذ ان الكويتي يمتاز بوضع لحن ثابت في حين ان البحريني له اطار لحني من خلاله يقدم المطرب ارتجالاته في الأداء. وأوضح الجميري بأن (فن الصوت) يمتاز بطقوس خاصة تبدأ بالتقاسيم على آلة العود وذلك لتهيئة الجمهور. ثم يقدم الموال ومن ثم (صوت عربية) ويقصد به شعر عربي مقفى ومن ثم الصوت الشامي والصوت اليماني. وأكد الجميري ان (فن الصوت) لا يستطيع تذوقه إلا الممارس لهذا الطقس الغنائي والموسيقي, أي بالغناء أو التصفيق أو تقدم الايقاع, حتى يتوحد المتلقي مع الايقاع, إذ ان المغني يقدم تركيبات لحنية خاصة تتداخل مع الايقاع, والايقاع هو الوحدة الرئيسية في هذا الفن الغنائي والمغني يعمل على محاورة ومجاراة هذا الايقاع ومن ثم قدم الجميري نماذج من (فن الصوت) أفصحت عن قامة غنائية أدائية غاية في التكامل, والتعامل مع التفاصيل الصوتية. وقد شكلت ندوة (فن الصوت) الخليجي نداء الى ضرورة دراسة واستقراء الخواص الموسيقية التي تمثل كنزاً تراثياً هو نقطة التقاء بين الحضارات الشرقية بشقيها العربي والهندي ونواة لتقديم موسيقى عالمية تملك كافة العناصر لتنافس أعقد تركيبات المدارس الموسيقية. كتب أشرف الشكعة
