بيان (2): (الفلاح يجلب البلح.. اما الصياد يجلب السمك) بكل فخر يتحدث الوالد سالم علي الجلاف عن شباكه التي كان يلقيها فيما سلف من ايام في الماء ويتركها هناك ليذهب لقضاء، حوائجه وبعض الاشغال الاخرى ويعود اليها بعد تناول الغداء ليجدها وقد امتلأت بما جاد به الله من رزق البحر. سنوات من المشقة والمتعة والحياة بما فيها من هناء وتعب ومن اشغال طويلة وخشنة واعراس جميلة واعياد لها حلاوتها, يرويها الوالد سالم لـ (البيان) في هذا الحديث الشيق. منذ الصباح الباكر وحتى آخر الليل سواء في البرد او الحر.. مسافات طويلة كنا نمشيها على الاقدام كل يوم لقضاء اعمالنا, هذا ما يؤكده, نعم كان العمل شاقا ومتعبا وخطرا في احيان كثيرة هكذا يروي الوالد سالم الجلاف صعوبة حياته وحياة زملائه الصيادين في الجميرا حيث البحر الذي كان يعتمد عليه معظم أهل المنطقة فيها يجود به من رزق ولكن كما يوضح بعد تعب كبير ومشقة. فالعمل في الصيد ليس عملا سهلا وخاصة في تلك الايام التي لم يكن فيها وسائل تساعد الناس في حياتهم وأعمالهم وخاصة مهنة الصيد التي كانت تعتبر مصدر الرزق الوحيد لاهالي المناطق الساحلية اضافة الى رعي بعض الابل والاغنام للحصول على لبنها اما الماء فكانوا يحصلون عليه من حفر الابار. (لم تكن هناك ماكينة مثل اليوم تسهل على الناس حياتهم) ويواصل الوالد سالم حديثه قائلا: ليس هناك وسيلة للتنقل سوى (المجداف والشرع) وهي وسائل متعبة وخشنة حيث تظل تجدف حتى تعود من البحر تماما مثل حياة تلك الايام, والصياد يخرج مبكرا دون اهتمام لبرد الشتاء او حر الصيف ويظل حتى اخر النهار بعد ان يصطاد ويذهب لبيع ما اصطاده. واذا كان اي شخص اراد الذهاب الى جبل علي او اية منطقة اخرى لقضاء بعض الاشغال يسير كامل تلك المسافة الطويلة مشيا على الاقدام من الجميرا وحتى يبلغ مقصده, هكذا كان ينتقل الناس. صيادو اللؤلؤ الذين كان يرافقهم الوالد سالم الجلاف كثيرا في رحلاتهم الى عمق البحر حياتهم كانت اكثر مشقة وتعبا من ذلك بما لا يتصوره عقل. البقاء بالبحر ويتذكر الوالد سالم ان اقل مدة كانوا يمضونها في البحر اربعة شهور دون عودة الا ان ينجزوا ما ذهبوا لأجله, يجدون جزيرة صغيرة احيانا يركنون اليها لبعض الوقت, يقول, ودون ذلك فانهم يمضون كامل تلك الفترة الطويلة في قارب وسط البحر عدا عن عمله الذي يتسم بالخطورة البالغة. حديث الوالد سالم حفز ذاكرة اللواء ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي الذي حضر اللقاء, ليشارك في الحديث بعد تردد فيضيف الى كلامه: (الشواب كانوا يقضون طوال تلك الفترة في قارب لا يبعد سطحه عن الماء اكثر من شبر فيعيش الغواص اربعة شهور على كف عفريت). ورغم ان الاجيال الجديدة تخلصت من مشقة تلك الحياة الا انها تعلم حجم التعب الذي كان يلحق بالشواب فيما مضى من ايام ولكن هل ترى ان لتلك الحياة ايضا متعتها؟ نعم كان للحياة ايضا متعتها رغم المشقة, هكذا يجيب الوالد سالم مستذكرا الالعاب الشعبية التي كان يمارسها مع الاصدقاء رغم ان اللعب ولقاءات السمر كانت قليلة فشباب الامس يختلف عن شباب اليوم حيث كان العمل طويلا وشاقا ونادرا ما نلتقي لأجل هذه الامور. الالعاب الشعبية ايضا كانت تختلف ويتذكر منها الوالد سالم الهول والقبة وهي كرة صغيرة جدا كانت تضرب بمسطاع كما يشرح. اما ما يميز تلك الفترة كثيرا فهي الاعياد التي كانت تحمل طعما مختلفا فللاعياد في ذاكرة الوالد سالم حلاوة خاصة حيث كان يتجمع الشباب دون غياب أحد منهم للسلام على بعضهم بعضا. كما ان شباب زمان افضل من اليوم) هكذا يقول مضيفا: (فحتى السجاير لم نكن نعرفها) اما شباب هذه الايام فأصبحوا يحملون عادات سيئة كثيرة. ثمرات البحر * هل كان يكفي ما يجود به البحر؟! ــ ضاحي خلفان تصدى للاجابة عن هذا السؤال بقوة: (جميرا ماها ومرعاها قريب لأهلها) المراعي كانت منتشرة هناك, يشير باصبعه, ارمي شباكك تأكل سمكا.. ازرع نخلة تقطف رطبا.. احفر تحتك تشرب ماء, الماء والسمك والتمر, ولو حاصرتنا اعتى قوة في العالم ومنعت عنا صادراتها ووارداتها فان ذلك لن يؤثر. ليضيف اليه الوالد سالم الجلاف: (والطير ان مر نصطاده.. الغنم والجمال موجودة واللبن وافر.. ببساطة (عمرنا ما عرفنا الجوع), (سمك الجميرا طري وانظف سمك) قال ضاحي خلفان واضاف الوالد سالم ان الرزق كان كثيرا ويكفي الجميع فالبحر ممتلئ بالسمك النظيف من كل نوع واذا ذهبت الى البحر فانك لن تعود من غير سمك. أسواق السمك أسواق السمك المتعارف عليها كانت موجودة في تلك الايام ايضا وبعد ان يجمع الصيادون اسماكهم يذهبون بها الى تلك الاسواق الممتلئة من كل نوع ولون حيث تجد من يقيمها ويشتريها. الوالد سالم ايضا كان يحمل اسماكه الى الاسواق القريبة ليبيعها بما يكفي لعيش مرفهاً فالثمن كان جيدا والصيد وفيرا فلم تكن هناك فاقة في العيش ولا شح. * ولكن هل كانت تلك هي الطريقة الوحيدة في تصريف الصيد الوفير؟ ــ ضاحي خلفان والوالد سالم ذكر احدهما الآخر بأولئك الذين كانوا يأتون لأخذ السمك من المنطقة وخاصة السردين (العومة) والمالح والمجفف ليذهبوا به الى اقاصي شرق آسيا. وجادت ذاكرة ضاحي خلفان وهو يبحث عن طرافة بما كان يجود به البحر من رزق غير السمك ليقول: (هذا اضافة الى ما يأتي به البحر من مال الله اذا ما غرقت سفينة ورمى الموج حمولتها على الشاطىء.. الشاطىء دائما تجد عليه الرزق). وحديث العرس لا يقل حلاوة عن العرس نفسه اقصد (عرس زمان) الذي حتما يختلف في الشكل وفي الجوهر كما في العادات والتقاليد وحتى في الرقصات والاهازيج وكل ما يعبّر عن الفرح. الوالد سالم قال ان الفرح كان يستمر سبعة أيام تقام فيها الاعراس والاهازيج التي تعبر عن فرح الجميع لزواج ابنهم أو ابنتهم. اضاف خلفان تميم ان الزوجة كانت خلال الايام السبعة تبقى في بيت اهلها كضيفة ولا تذهب مثل اليوم الى بيت العريس منذ اليوم الاول للزواج. واستذكر كلاهما انها كانت تخرج الى بيت العريس بعد الايام السبعة في مسيرة فرح حيث تجتمع النساء من الجيران ويخرجن لها في موكب يستمر من بيت اهلها وحتى يدخلنها الى بيت عريسها. المهر كان زهيداً قال الوالد سالم ولم يكن يبلغ هذه المبالغ كما اليوم وهذا ما كان يشجع الشباب على الزواج ويخفف عنهم وهذا من أكثر ما كان يميز عرس زمان. اما الدعوة, يضيف الوالد سالم, فكانت مفتوحة وعامة للجميع فمن يحضر اهلا وسهلا به يشارك في الفرح وفي طعام العرس. ضاحي خلفان أكد على الاختلاف في العلاقة بين العروس والعريس زمان وأهلهما كذلك حيث كان الزوج في تلك الايام يفخر بنسيبه والنسيب كذلك يفخر بزوج ابنته وأنه (زوج ابن الزين من الناس) كما يشعر الزوج ان الزوجة امانة في رقبته وعليه ألاّ يكدر خاطرها ولا يغضبها, هكذا كانت العلاقات أيام زمان وهكذا كان الود وجوهر العرس والزواج بين الناس, ولكن.. (الاحاسيس اليوم ضاعت) المكياج كان أيضاً يختلف فأدوات تزيين المرأة نادرة في تلك الأيام وليست متوفرة ومنتشرة مثل اليوم.. ثمة لون اقرب للنيلي يستعمل لمدة اسبوع ليمنح الوجه طراوة وبياضاً أكثر. لا خروج للمرأة المرأة لم تكن لتخرج من بيت زوجها أو بيت اهلها وكانت تلزم بيتها وتحفظه هكذا قال ولا أذكر أيهما أردف (المرأة أول مستورة واليوم مقشورة). الزواج كان يتم في سن مبكرة حيث يشجع المهر القليل وبساطة العيش على ذلك ولمن تكن هناك مواسم محددة للزواج فمتى توفر المهر كان يتم الزواج وتكاليف العرس أيضاً كانت مختلفة حيث لم تكن هناك فنادق لتقام بها الاعراس. فكان العرس يقام بين أهل العرس كي لا تذهب بهجته. واستذكر الوالد سالم الجلاف وضاحي خلفان تميم صباحية العرس حيث يطل البدو من البر قادمين فوق الهجن إلى بيت العرس لتبدأ (الحربية) كنوع من الترحيب. سباق للبهجة كان ذلك اليوم يوم سباق مشهود يحضره الجميع للبهجة وللمشاركة في العرس بطريقة مختلفة تتم عن طريق سباق للهجن يتم في نهايته تكريم الفائز بتعطير وجه جملة بالزعفران. الناقة تجفل تمدّ أعناقها إلى أعلى وترفع الياتها وكأنها شعرت أنها استدعيت للسباق. ويتم بعد ذلك استعراض للجمال في مسافة 500 متر. الفائز في ذلك اليوم المشهود كان يتعرف عليه الجميع بعد ذلك في أي وقت وفي أي مكان من لون الزعفران الاصفر على وجه الناقة والذي عطّر به لانه (الفائز بسباق يوم العرس). ومن الطرائف الجميلة التي استذكرها الوالد سالم الجلاف وضاحي خلفان تميم ما كانت تفعله إحدى مملوكات والد العروس التي تقف عند مدخل الغرفة التي تزف فيها العروس وترفض ان يدخل العريس إليها إلا إذا دفع لها مبلغاً من المال وتقول له: (أنا تعبت على هذه البنت ولا أتركها هكذا) وكان ذلك يجري على سبيل (المقلب) للعريس وإذا لم يدفع فانه لن يدخل في ذلك اليوم.