بيان (2): وأنا أرى أن الاعتذار هو من أجمل صفات الانسان, لأنه يدل على سوية النفس, والقدرة على رؤية الحقيقة, وتجاوز الرغبات الخاصة. وأنا في الحقيقة مدين باعتذار كبير للسيدة مادلين. فلقد حملت لها مشاعر لا يحملها انسان طبيعي, فلقد كرهتها كراهية عميقة, ولو أن أحدا يتابع ما أكتب متابعة دقيقة, غير صاف الحروف الذي أعتقد أنه دائم الغضب مني لسوء خطي, لعرف أنني تصريحا وتلميحا كنت أحمل كراهية لهذه السيدة ولكن الزمن يغير أشياء كثيرة. عندما أتت السيدة مادلين الى كرسي وزارة الخارجية الأمريكية كان الكرسي أكبر منها, فالولايات المتحدة صارت الدولة الأعظم متفردة في مكانتها, ومثل أي طفل لم يلق تربية من أهله, مارست سلطتها بكل حماقات الغرور والصلف, وبالطبع كانت السيدة مادلين هي حاملة الراية. ولأن (الست) مغفور لها اذا تجاوزت في الكلام أحياناً, فلقد مارست مادلين هذا الحق باعتبارها (ست) وهو أمر كان مشكوكا فيه آنئذ. ونالنا نحن العرب من تجاوزها الكثير. وكانت الست مادلين كما أسلفت في مرحلة بيولوجية بين الذكر والأنثى, فلا كانت رجلا ولا كانت سيدة. وكان الأمل في علاج هذا الوضع مستحيلا. كنا نعرف أشياء عن عمليات التجميل, وهي ليست مثل عمليات التجميل التي يحلم بها من حولنا: فتاة تريد تقصير أنفها أو أذنها. لا هذه عمليات تجميل أخطر. فهم يأخذون الشخص اذا أتى الى الحكم فظاً بشعاً مثل مادلين ويعيدون تهذيبه ويعلمونه كيف يتكلم وكيف يأكل وكيف يمشي وماذا يلبس. اذا كان صوته غليظا حددوا له الطبقة التي يتكلم منها. وهكذا رأينا مرجريت تاتشر التي كانت أقرب الى فلاحة بريطانية, وقد صارت سيدة مجتمع أنيقة. والأمر لا يقتصر على النساء, بل هو أكثر انتشاراً بين الرجال, على الأقل لأن نسبة الرجال الذين (يحكمون) أكبر من نسبة النساء. ويصل التجميل الى أشياء لا تخطر على بال مثلا اذا دخل صاحبنا الى المستشفى لعملية (بواسير) قيل انها الزائدة الدودية. واذا كانت أزمة قلبية قيل انها وعكة صحية, حتى لا يتكالب المنافسون على المنصب ظنا أن صاحبنا فقد أظافره مع الأزمة القلبية. وبعض نجوم السياسة يستغرقون بين ايدي صانع المكياج ساعات قبل ظهورهم أمام الناس دقائق.. فهناك نظرية لا أدري مدى صحتها تقول انك لا تستطيع أن تصنع زعامات حقيقية بأشخاص مثل برجنيف بحاجبيه الكثيفين واسحق شامير بشكله الفئراني وبيجين بوجهه الكئيب وباراك بابتسامته المزورة. ولكنها ليست دائما نظرية صحيحة إذ يقال ان لينين كان من أكثر الزعماء تأثيرا ومع ذلك كان قصير القامة. فضلا عن صفات أخرى ليست من صفات الزعماء, إذ كان أول الحاضرين لأي اجتماع, ويجلس في أي مكان حتى ولو لم يكن في صدارة المكان. ومما أذكره في هذا أن أحمد زكي وأنا تلقينا أول دعوة للاحتفال بنا بعد اتمام فيلم (ناصر 56) من لجنة التضامن المصرية. وكان ذلك شيئا هاما بالنسبة لنا.. وذهبنا متأخرين فهم يقيمون حفلاتهم صباحا. ودخلنا الى القاعة بالأوبرا في العتمة نتيجة اغلاق الأبواب. وانتبه لنا واحد أو اثنان فطلب منا أن نذهب الى الصفوف الأولى واقترح أحمد زكي أن نجلس في الوسط حيث رأى مكانين متجاورين. وطلبت أن نجلس حيث كنا أي في آخر صف. وكان الحفل قد بدأ, والأستاذ خالد محيي الدين يتكلم. ولما انتهى انتبهوا الى وجودنا طلبوا منا أن نتقدم في مقاعدنا.. ولقد ظل أحمد زكي يشكك في تواضعي, ويتهمني أنني اخترت الصف الأخير, لأنه أكثر أضواء!! ذلك لأن الحاضرين ــ هكذا يقول ــ التفوا جميعا ليروا المحتفى بهما. ويؤكد أن ما فعلته كان مقصوداً. وها أنا أعلن أمام محكمة القارئ أنني لم أقصد شيئا من هذا. ولعل هذا من مدرسة الأقلية التي تقول ان عدم التجميل أحيانا يفيد. وعندما أتت مادلين وزيرة للخارجية لم ترها شعوبنا امرأة, مع أن شعوبنا مشغولة جدا بالأنوثة والذكورة, خاصة في حكامها. ودائما تنسج شائعاتها عنهم. ولأنني عملت فترة طويلة على تاريخ الخديوي اسماعيل فلقد عرفت عددا من الشائعات التي صنعها الشارع عنه ومن بينها أن الخديوي اسماعيل فتح شارع الهرم ليكون طريقاً الى الامبراطورة أوجيني لتزور الأهرامات. وصحبها الخديوي في مركبته. ولكنه كان حريصا على ألا يكون طريقه سويا, بحيث تترجرج العربة فتسقط الامبراطورة على صدر أفندينا, فتحدث تلك الشرارة التي تقرب بين الرجل والمرأة. وكأن أفندينا كان يلقى أوجيني وحده وهي وحدها. وكأنهما ليسا محاطين بالعشرات. وكأنهما يحتاجان الى طريق غير ممهد ليجعل كل منهما يكتشف أن الآخر من جنس مخالف. ولاشك أن (رجل الشارع) الذي نسج هذه الأسطورة اللطيفة, نام ناعم البال وأفندينا في فراش امبراطورة فرنسا. وفرنسا هي الاتفاق الودي الذي كرس الاستعمار البريطاني والفرنسي في المنطقة. وفرنسا هي اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت البلاد العربية بين فرنسا وبريطانيا. وفرنسا هي قاتلة مليون شهيد في الجزائر. ينام صاحب الاشاعة سعيداً, وقد انتصر بواسطة أفندينا على فرنسا الباغية! عندما أتت مادلين توقعت أن تنفجر نكت تمس أنوثتها. ولكن صنّاع النكت رفضوا أن يروا فيها الأنثى. وربما كانت أول اشارة لأنوثة مادلين عندما كنا في مهرجان الاسكندرية منذ عامين أو ثلاثة لا أذكر. وفوجئنا بقوات الأمن تسيطر على الفندق الذي نسكنه وعرفنا أن ذلك لأن السيدة مادلين ستأتي الى الفندق قبل منتصف الليل. وفي تلك الليلة كنا مدعوين الى فندق آخر. ولكن أحد أصحابنا اعتذر عن الدعوة. وعندما تركنا الفندق كان يلبس حلة أنيقة رغم أننا كنا في سبتمبر والجو حار جدا.. وسألته فقال لي انه قرر أن ينتظر حضور مادلين, وأنه سيرسل لها نظرات ذات مغزى, ثم يداعبها بكلمات رومانسية, وسيخترق الحرس الموجود حولها ثم اذا سارت الأمور كما يتوقع, وهو متأكد أنها ستسير حسب السيناريو الموضوع, سيقول لها: ماذا بكم يا مادلين؟ أترون الحق ثم تفعلون عكسه؟ كوني محترمة واضربي الاسرائيليين بالحذاء. ثم وضع تصورا لإنهاء كل مشاكل العالم. ولم ألتق بصاحبنا إلا في الصباح. ولما سألته سب وشتم وقال: فكرت في الحرس. ولكن تصوروا أنهم أتوا بكلاب وأنا لا أخاف إلا من الكلاب. وهكذا عطلت الكلاب أحلامنا. وما كادت شمس مادلين تغرب حتى وجدنا من يتحدث عن ساقي مادلين. ومن يغازلها علناً على شاشة التلفزيون فتبادله غزلاً بغزل. أين كنت يا مادلين عندما كان صاحبنا في انتظارك في الفندق على شاطئ الاسكندرية؟!