بيان (2): القاهرة ــ نيرة صلاح الدين: من فراش المرض وافقت الفنانة القديرة أمينة رزق على أن تخص (البيان) بهذا الحديث. صوتها يخالطه الحزن والشجن ولكن شأنها شأن كل من يعتز بكرامته وكبريائه حبست، دموعها وأبت أن تبكي, وحاولت فقط أن تتذكر معنا وهي متأثرة بحالتها الصحية أهم الأحداث في رحلتها الفنية الحافلة. وكانت أمينة رزق خلال الأسابيع الماضية قد أصيبت في ساقها إثر وقوعها في أحد شوارع وسط القاهرة وتم نقلها إلى المستشفى لعلاجها من الكسور التي أصابتها. وهناك فى المستشفى كان معها هذا الحوار .. في البداية سألناها عن حالتها الصحية فاكتفت بأن قالت: (الحمد لله).. ثم أردفت: لقد أجريت لي عملية جراحية في عظمة الفخذ, ويرى الأطباء أنني لن أستعيد حالتي الطبيعية قبل الشهرين * صوتك لا يخلو من الحزن.. هل ذلك من تأثير المرض..؟! ــ ربما يكون ذلك جزء من الحقيقة, لكن هذه سمة صوتي دائما, فأنا تأثرت بأداء معين في التمثيل ظل يلازمني منذ بدايتي وحتى الآن, لدرجة أنه صار جزءا من شخصيتي, وهو ما وصفه الراحل زكي طليمات في كتابة (فن الممثل العربي ) حين قال عن أدائي هو (الأداء الباكي ) وقال أيضا ( ذلك الأداء الذي يجئ حاملا معه طابعا يجعلك تحس فيه بطعم شئ حزين من غير مناسبة, أي من غير أن يكون في الموقف التمثيلي الذي يؤديه ما يبرز هذا الشيء الحزين ). * ومن أين لك بكل هذا الحزن..؟! ــ من الحياة نفسها, فالحياة مفعمة بكثير من الحزن والشجن, ومجتمعنا الشرقي يمتاز بأشياء كثيرة تثير الحزن وأنا ابنة هذا المجتمع ومثل كل أفراده أبكي دائما حتى في لحظات الفرح, وعلى كل حال فأنا أحاول تقديم اللون الكوميدي في الفترة الأخيرة. * بهذه المناسبة, فإنك وهبت حياتك للفن.. ألم تشعرين بالندم أو .. الحنين في تكوين أسرة .. ؟! ــ الندم .. أعوذ بالله, لم ينتابني هذا الشعور أبدا لأنني أقدر اختياراتى وأحرص أن تكون جيدة, كما أنني على المستوى الإنساني أخاف الله وأراعي ضميري قبل الأقدام على أي خطوة, وبالنسبة لحياتي والتي وهبتها للفن فقد فعلت ذلك لأنني عشقت الفن وكان يحتاج مني إلى تفرغ كامل وكان من الصعب التوفيق ما بين الفن والأسرة لذا فإنني لم أرتبط في حياتي بأي شخص لأنني فضلت واخترت عن طيب خاطر وعن رضا كامل أن أتفرغ للفن وأعيش من أجله وسعدت جدا بهذا الاختيار. * وهل تحبين لقب ( راهبة الفن ) الذي أطلقه عليه النقاد.. ؟! ــ نعم .. وأعتز به جدا. * لو عدنا إلى الوراء.. فهل تذكرين كيف كانت البداية؟! ــ كنت من مواليد طنطا, وبعد وفاة والدي جئت إلى القاهرة مع والدتي وخالتي واستقر بنا الحال في روض الفرج, وذات يوم شاهدت مسرحية (المجنون) لفرقة رمسيس وكان صاحبها يوسف وهبي فأعجبت بها جدا وتعلقت بالفرقة وتمنيت أن أكون فيها, وظللت أتابع هذه الفرقة كثيرا حتى تحققت أمنيتي عام 1924 حينما إنضممت للفرقة ضمن المواهب الفنية العديدة أمثال فاطمة رشدي وزينب صدقي وروزاليوسف وأحمد علام وحسين رياض وأنور وجدي وحسن فايق ومحمود المليجي وعلوية جميل وروحية خالد وفريد شوقي, وصرت أنا فيما بعد نجمة من نجمات فرقة رمسيس. * وما هي أهم الشخصيات التي أثرت في رحلتك الفنية؟ ــ من أبرز هذه الشخصيات أستاذي فنان الشعب يوسف وهبي, وكل الجيل القديم: حسين رياض وأحمد علام وعباس فارس وزكي رستم وفاطمة رشدي وروزاليوسف وزينب صدقي باختصار جيل العمالقة كله, فقد ترك هذا الجيل في حياتي بصمة قوية فكان جيلا عائليا لايمكن تعويضه وكان مثالا للمودة والتعاون وحب الفن والتضحية من أجله. * ماذا عن الفنان يوسف وهبي وكيف كان مؤثرا في حياتك؟ ــ يوسف وهبي كان أستاذي الذي علمني التمثيل فقد تتلمذت على يده, لذا فمنذ نشأتي وحتى بعد وفاته بقيت مخلصة ووفية له كأستاذ لي, فالفضل يرجع له في أن أكون أمينة رزق, وقد تعلمت منه الالتزام واحترام المهنة, ومعه كانت لاتوجد مشاكل أو صعوبات بل تمر الأشياء طبيعية جدا, فكان الكل يرتاح له من أعضاء فرقته وكان يلبي كل احتياجاتهم ويتعامل مع الجميع بروح الأخوه والمحبة والاخلاص ولم يكن عنده شيء اسمه المستحيل بل كان قوي الإرادة والعزيمة. اهم اعمالي * وما هي أهم أعمالك الفنية في نظرك؟! ــ كل أعمالي مهمة في نظري, ولكن أنا لا أقيم أعمالي, فهذا أمر متروك للنقاد, ومع ذلك لا أستطيع أن أنسى أول عمل شاركت في بطولته وهو مسرحية (لافيه كوبرفيلد) ثم أعمالي المسرحية المتوالية مثل (تيار الملذات والبؤساء والبخيل وعطيل وكرسي الاعتراف وأولاد الفقراء وبنات الريف وبيت من الزجاج و.. غيرها), وفي السينما فهناك (الأم ومصطفي كامل وبداية ونهاية وقنديل أم هاشم وبائعة الخبز والسقامات وأمهات في المنفى والعار والكيت كات والمولد وأريد حلا و .. ناصر 56). * ولكنك في (ناصر 56 )قمت بدور صغير.. فكيف تقبل فنانة في حجمك ومكانتك أن تلعب دورا صغيرا..؟! ــ ليس المهم مساحة الدور إنما قيمته, فالدور الصغير لا يقلل من قيمة الفنان إذا كان له تأثير مباشر على الجمهور, فمثلا دوري في فيلم (أريد حلا) و(ناصر 56) مازالا عالقين في أذهان الناس لأنهما يقولان شيئا له قيمة وفيهما أبعاد عميقة تثري الشخصية وتجعلها في وضع بطولي قد يفوق غيرها من الشخصيات, ودوري في (ناصر 56) بالذات كان مميزا رغم قلة مساحته, وقد سعدت جدا عندما قدمت من خلال هذا الفيلم شخصية السيدة العجوز التي أصرت على مقابلة جمال عبد الناصر وأيدته في تحديه للظلم الذي ضاع ضحيته الكثير من البشر وفقدت أعز الناس إليها من أجل الوطن وتمنت له الإرادة القوية, وقدر عبد الناصر شعور هذه السيدة وحبها له وكانت سعادته كبيرة عندما رآها ووجدها بهذا الحماس والدعاء له بالنصر على الأعداء. * وأنت واحدة من زمن الفن الجميل .. هل تصارحينا برؤيتك للوسط الفني الآن..؟! ــ الوسط الفني الآن ليس لديه وقت لعمل علاقات أو صداقات, فأعمالهم الفنية تشغلهم والرقعة إتسعت والأعمال كثرت ولم يعد هناك وقت فراغ مثل زمان حيث لم يكن هناك سوي المسرح, أما الآن فهناك المسرح والسينما والتلفزيون والفيديو, فأصبحت العلاقات والصداقات شبه غير موجودة كما كانت في الماضي, فالزمن كله تغير بالنسبة للتقاليد والسلوك بعدما حدث تغيير كبير ليس في المجتمع الفني بل في المجتمع ككل .. * لك تجارب في الإنتاج السينمائي.. فهل تذكريها لنا..؟ ــ كان لي تجربتان في الإنتاج السينمائي, الأولى كانت مع فيلم (قبلة في لبنان) سنة 1945 مع أحمد بدرخان وعبده نصر وحلمي رفله, حيث قمنا بتكوين شركة إنتاج (اتحاد الفنانين) وأنتجنا هذا الفيلم, لكن للأسف حدث بيننا خلاف فانفصلت عنهم وكونت شركة مستقلة وأنتجت فيلم (ضحايا المدينة) سنة ,1946 وصادفتني في هذا الفيلم عقبات كثيرة جعلتني لا أقبل على الانتاج مرة أخري . * لا حدود لطموحات الفنان وأحلامه .. فما هو الحلم الذي يراودك حاليا..؟! ــ أهم أحلامي تتلخص في متحف للفنانين في دار الأوبرا ولقد طالبت وزير الثقافة فاروق حسني بأن يخصص مكانا لإقامة متحف يحيط دار الأوبرا يضم تاريخ الفنانين القدامي, وكان ذلك أمام الرئيس محمد حسني مبارك, ورغم استجابة الرئيس لطلبي إلا أنني فوجئت فيما بعد برفض وزير الثقافة تخصيص المكان الذى طالبت به الأوبرا والسماح بمكان آخر لا يليق بتاريخ الفنانين القدامى الذين أفنوا حياتهم للفن.