بيان (2): كوكب غير متوقع استقر على جدران باليه في باريس, انه بحر المتوسط بشكله الذي ادهش رسامي الحداثة مع منعطف القرن. هناك (الفتنة البحتة) لمونيه و(السعادة) لسينياك، و(جنة) لماتيس وطبيعة (لا يضاهيها جمال) مع سماء ذات (زرقة فاتنة) لفان جوج. لم يفتقد هؤلاء الرسامون الكلمات للتعبير عن سحرهم بضوء وألوان المتوسط. تحت عنوان (المتوسط من كوربي الى ماتيس) تخيلت مديرة متاحف فرنسا ومفوضة المعرض, فرنسواز كاشان (جولة لذة ومتعة, ولحظة من تاريخ الفن لم تدرس ابدا حتى اليوم) وذلك بعرض اثر اكتشاف رسامي الشمال لبحر الجنوب هذا, كمصدر فرح ونشوة. انه اكتشاف متأخر حصل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, في حين كان الرسامون آنذاك لا يقسمون الا برحلة الى ايطاليا وبسحر الشرق, وكانت شواطىء المتوسط حيزا للاصطياف الارستقراطي يؤمها فرنسيون وانجليز وروس ليتنعموا بمناخ شتائي دافىء او لعلاج السل الذي كان داء العصر آنذاك. ولقد سهل وصول قطار باريس, ليون, مرسيليا, الى مرسيليا عام 1856 والى نيس عام 1864 السفر الى شواطىء منطقة بروفانس التي سبق وغنى روعتها كتاب مثل موباسان وجورج صاند. كان جوستاف كوربي الذي منحه البحر الاحساس بالعشق اول من انفعل امام السحر وادى تحية اجلال كما بدا عام 1854 في لوحة (جوار البحر في بالافاس) التي تفتتح المعرض, مقابل انبساط بحر هادىء, اخضر, تحت سماء زرقاء غرست ببعض الغيوم بجوار شاطىء مقفر. لاشك بأنها حركة مسرحية لكنها تدل على تبجيل الطليعة الفنية للمتوسط في اخر القرن الماضي وبدايات القرن. شق سيزان الذي ولد في اكس ان بروفانس, الطريق لقدوم الانطباعيين. فقد عاد في سبعينيات القرن الماضي الى ايستاك, المرفأ الصغير غرب مرسيليا حيث كان يمضي عطلته خلال طفولته واستقبل عام 1882 رنوار الذي تحمس (لأجمل بلد في العالم لم يسكن بعد), فجذب اليه مونيه. كانت الدهشة كاملة لكلود مونيه رسام الشواطىء الصخرية وكاتدرائيات النورماندي وحدائق ايل دو فرانس, والمستقر حديثا في جيفرني, امام ضوء والوان (الازرق الكبير). وقد كتب عام 1884 (يمكن ان يجعلنا هذا الجانب الرائع نصرخ لعدم الواقعية, لان كل شيء هنا هو بريق اللطمة الاخيرة وحنجرة الحمام. مضيفا, انني احس الان بالبلد وأجرؤ على وضع الوردي والازرق: انه السحر, انه مفتن لكنه يعبر بعد عدة اشهر عن (قلقه) مما يرسم لان المنطقة (جميلة بشكل وهادئة ومضيئة! يمكننا السباحة في الهواء الازرق وهذا مثير جداً!) لا شيء يبرر القلق اذا حكمنا من خلال مناظر المتوسط الرائعة (البحر في انتيب) و(رأس مارتان) و(رأس انتيب: ميسترال) و(واحة نخيل بورديجيرا) و(فيلات بورديجيرا). بول سينياك الذي رسم بطريقة (مقطعة) او (منقطة) تعرف على المتوسط في كوليور, مرفأ صغير مقفر في منطقة روسيّون, سبق وفتن ماتيس وديران. وصل عام 1892 على متن مركب (اولمبيا) (تكريما للوحة ماني التي حملت الاسم نفسه واثارت الفضيحة في معرض عام 1895) الى سان تروبي, قرية الصيادين المجهولة انذاك. أقام سينياك محترفه في سان تروبي واستقبل العديد من الاصدقاء بحسه المضياف, كان من بينهم تيو فان ريسلبرج وماتيس. ورسم اجمل لوحاته: (خليج كاسيس, رأس كاناي) (1889) و(أشرعة وصنوبر) (1896). لخص ماتيس, ابن الشمال عبر عنوان مستوحى من بودلير واحدة من اشهر واروع لوحاته (اناقة وهدوء ولذة) ( 1904) المناخ الذي فتن الرسامين على الشاطىء في بداية القرن. وكم يبدو التناقض بين هذه اللوحة (المقطعة) بالليلكي والوردي واللوحة التي يغلب عليها الاسود التي تختتم المعرض تحت عنوان (داخل غرفة الكمان) (1917) يدع ماتيس عبر رداء غرفة الفندق في نيس (حيث استقر بشكل نهائي عام 1921) رؤية ضوء الجنوب الكثيف ويدل من خلال واحة نخيل على (نزهة الانجليز) والبحر البعيد. علق قائلا: (اثارتني النوافذ لانها صلة وصل بين الخارج والداخل) (بدأت استعمال الاسود كلون للضوء وليس كلون للظلمة). بيير بونار الذي وصل متأخرا عام (1906) اعترف بالعثور على (نفحة الف ليلة وليلة) وكانت النتيجة بعض اللوحات الرائعة منها (سيدة الببغاء) (1910) و(مرفأ سان تروبي) (1911) الذي رسمه بين تجمعين من المنازل, و(الشاطىء اللازوردي) (1923) و(النخيل) (1926) كمنظر مطل على خليج (كان) المحاط بالنخيل, و(النافذة) (1925), موضوعة اهتم بها مثل ماتيس. بعد سنوات صرح بيكاسو انه كلما وصل الى انتيب التي (يحمل قصرها اسم متحف بيكاسو) (سحرته القدامة) واستوحى عام 1923 لوحة (المزمار) اما براك الذي عمل عام 1907 بين ايستاك ولاسيوتا بالقرب من مرسيليا فقد عشق (خليج لاسيوتا الصغير) وكان اخر لوحاته الوحشية بالاخضر والاحمر التي باعها وعاد اشتراها عام 1959. وقدمتها ارملته الى المتحف الوطني للفن الحديث. اثارت فرنسواز كاشان المفاجأة بعرضها اعمال 39 رساما (86 لوحة ومنحوتة) في معرض (المتوسط) وجلها لوحات نادرا ما عرضت او لم تعرض ابدا في باريس, حصلت عليها من مجموعات خاصة. اضافة الى بعض الرسامين غير المتوقعين في هذا السياق مثل النرويجي ادفارد مانش والتشيكي فرانتيزيك كوبكا.