بيان (2): على الرغم من ان مدينة عسقلان الفلسطينية هي اليوم مدينة لا تعد من المدن التي تطبق شهرتها الآفاق الا أنها كانت ذات يوم يعود لحوالي عام 3500 قبل الميلاد واحدة من كبرى موانىء البحر المتوسط. وشهدت هذه المدينة العربية التي تقع على طرق التجارة القديمة بين مصر وسوريا وتركيا ازدهار وخمود حضارات وشعوب مثل الكنعانيين والفينيقيين والاغريق والرومان والبيزنطيين والصليبيين, ليحل أخيرا ما تشهده اليوم من معاناة على يد الاسرائيليين. وكانت اول مرة تتعرض فيها عسقلان للغزو والتدمير في تاريخها هو عام 604 قبل الميلاد, وذلك على يد الملك البابلي نبوخذ نصر, ثم اخذت تتقلب بين ايدي الممالك والدول والفاتحين, الى ان استقرت اخيرا في يد المماليك حكام مصر والشام عام 1270 للميلاد. لكن عسقلان عادت, مؤخراً, للأضواء بفعل عمليات التنقيب الاثري الذي شرع بالكشف عن اسرارها المدفونة تحت طبقات من الركام والتراب الذي تجمع فوقها عبر السنين بمساحة تبلغ 150 فدانا تقريباً. اذ منذ عام 1985 بدأ فريق من علماء الآثار قدم من جامعة هارفرد الامريكية يقوده الباحث لورانس ستيجر ليعثر حتى الان على كميات ضخمة من التحف والآثار التي تكشف تفاصيل حياة مؤسسي هذه المدينة وطقوسهم من دفن وزواج وغيرها. كانت مدينة عسقلان محاطة بأسوار وجدران محصنة ترتفع 50 قدماً بسماكة 150 قدماً عند قاعدتها وتحيط بالمدينة بشكل قوس يمتد مسافة ميل ونصف الميل تقريباً. وكان من الصعب على اي معتد ان يخترق مثل هذه التحصينات, كما يجب ان تكون بطبيعة الحال. وبفضل جهود ابنائها من الكنعانيين أصبحت عسقلان أضخم الموانىء المطلة على المتوسط وأغناها, وتمكنت بفضل موارد مياهها العذبة الوفيرة وتربة ارضها الخصبة من ان تتحول الى اكبر المصدرين للسلع الغذائية في زمانها, مثل زيت الزيتون والقمح والمواشي والاعناب, الى ان تمكن المصريون من هزيمة الكنعانيين حوالي العام 1550 قبل الميلاد, كانت عسقلان مدينة تثير الخوف في قلوب جيرانها الذين اعتادوا فيما أثر عنهم ان يلعنوا ملوكها. كان الكنعانيون وهم من الشعوب السورية القديمة قد أخذوا بالترحال جنوباً على طول ساحل المتوسط. ويقول ستيجر: (لقد قدموا الى عسقلان بالسفن. وكانوا شعباً يتقن الحرف والصناعات ولديهم فكرة واضحة عما يريدون بناءه, انها المدن المحصنة الضخمة). وجعل الكنعانيون مدينة عسقلان مركزاً كبيراً لتجارة الاستيراد والتصدير في كل شرقي حوض المتوسط. وكان ستيجر ورفاقه قد عثروا مؤخراً على دليل تاريخي يثبت الطبيعة والتطلع العالميين لهذا الشعب. وهذا الدليل هو جزء من جدول منقوش يعود للقرن الثالث عشر قبل الميلاد كان يستخدم لتعليم اللغات الأجنبية. اذ كان يحتوي الجدول على عمود من الكلمات الكنعانية التي تترتب فوق بعضها, يجاوره ثلاثة او اربعة اعمدة اخرى يحتوي كل منها على الكلمات المقابلة لها بلغات اخرى غير الكنعانية. وبالاعتماد على الكشوف الاثرية في سوريا والتي لم تكتمل بعد, يقول الباحثون اللغويون بان احد هذه الاعمدة يتضمن كلمات من احدى اللغات السامية وهي الأكادية وغيره من الأعمدة تتضمن لغات ليست من عائلة اللغات السامية مثل الحورية والحثية. غير ان المكتشفات الأثرية التي وجدت في عسقلان تشير الى ان الانسان قد استوطنها منذ اواخر العصر البرونزي, حيث عثر ستيجر على قطعة من الفخار تحمل رمزاً معروفاً جيداً بالنسبة اليه الا وهو شجرة الحياة. يقول ستيجر انه مفتون بحضارة الكنعانيين. ويعود ذلك في جزء منه الى ان العالم لا يعرف الا القليل عن هذا الشعب. وفي عام 1985 حصل ستيجر على فرصة يحلم بها اي باحث في الاثار حينما عرض عليه رجل اعمال امريكي يهودي اعجب بسجله في البحوث التاريخية ان يمول عمليات التنقيب في اي مكان يختاره هو. وما كان من ستيجر الا ان اختار عسقلان. وعلى الرغم من ان علماء الاثار يعرفون موقع عسقلان القديمة من جدرانها المتهاوية, فان القليل هم من حفروا تحت هذه الاسوار. وكانت كل المكتشفات التي حققت في المدينة قد قامت بجهود فردية وبمحض الصدفة. ففي عام 1815 قدمت سيدة انجليزية ثرية هي الليدي هيستر ستانهوب اليها وعثرت فيها على كنيسة تعود للمرحلة الرومانية المتأخرة فيما كانت تبحث عن كنز ورد ذكره في خريطة وضعها كاهن نصراني من العصور الوسطى. وفي اوائل العشرينيات حاول البريطاني جون جارستانج العثور على طبقات تحتوي على ابنية لسكان فلسطين القدامى. وعلى الرغم من انه ورجـاله عثروا على قطعتين اثريتين تحت الحصون, الا انهم تخلوا لاحقا عن مشروعهم. لكن ستيجر الذي يريد هذا التحدي وحصل على التمويل الكامل بدأ الحفر ليستمر منذ عام 1985 ليعثر على اثار الكنعانيين التي لم يتمكن غيره من كشفها. جلال الخليل