بيان (2): روما ـ كلير بدريك: يأمل علماء التغذية في منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في اكتساح سوق المشروبات الرياضية ذات المليار دولار بمنتج جديد ابتكره أحد زملائهم. وقد حصلت المنظمة بالفعل على براءة اختراع المشروب الجديد (هي الأولى التي تحصل عليها إحدى منظمات الأمم المتحدة), وهو عبارة عن ماء ثمرة جوز الهند معبأ في زجاجات. والحقيقة أن الفاو لن تستفيد (نقدا) من المنتج الجديد, وذلك برغم أن المسئولين يتوقعون نجاحا منقطع النظير له يضعه في مقدمة المشروبات الرياضية الأكثر شعبية خلال فترة قصيرة من طرحه في الأسواق. وإنما تعول المنظمة الدولية على إمكانية أن ينعش الطلب المتزايد على المشروب الجديد صناعة جوز الهند الراكدة في دول العالم النامي. فكرة تعبئة ماء جوز الهند الطازج في زجاجات ابتدعها مورتون ساتين خبير الكيمياء الحيوية في مقر منظمة الفاو بروما, وهو العالم الذي شملت نشاطاته السابقة تطوير خبز أبيض ذي عناصر غذائية مرتفعة. كما أسهم العالم نفسه في تطوير صناعة خبز بدون قمح, بهدف مساعدة الدول الفقير ة التي لا تزرع القمح, وكذلك لإفادة المستهلكين الذين يعانون من حساسية مرضية بسبب القمح. وقد حظي النوعان برواج كبير في العديد من البلدان. وقد خرج ساتين بفكرته الأخيرة بعدما أعمل عقله لإيجاد وسيلة لمساعدة الدول المنتجة لجوز الهند في المناطق الاستوائية. وهي دول عانى الكثير منها اقتصاديا نتيجة كساد حاصلاتها في الأسواق العالمية, إثر شائعات ــ غير علمية المصدر ــ حول التأثيرات الضارة لزيوت جوز الهند. واستلهم عالم الأغذية مشروعه من سكان المناطق الاستوائية أنفسهم, حيث يشرب الجميع ماء جوز الهند الطازج, وهو العصير الذي يخرج من الثمار الخضراء التي لا يزيد عمرها عن تسعة أشهر (أي قبل تكون القلب الأبيض الذي نعرفه). فيقول ساتين (ترى أكواما من ثمار جوز الهند الخضراء في كل ناصية شارع تقريبا في الدول الاستوائية. إنه مشروب منشط (ايزوتونيك) أي يحمل توازنا متماثلا بين الأملاح كما هي الحال في بلازما الدم الطبيعية, ومن ثم فهو يناسب البالغين). وأثناء الحرب العالمية الثانية, كان الطرفان ــ في منطقة المحيط الهادي ــ يعتمدان على استخلاص سائل من ثمار جوز الهند للمساعدة في تعويض المصابين أثناء عمليات نقل الدم. ويوضح ساتين أن ماء جوز الهند الطازج معقم بطبيعته, مضيفا أن (القوات البريطانية واليابانية كانت تستخدمه بديلا للبلازما بعد ترشيحه عبر القطن الطبي وحقنه مباشرة في الوريد). والحقيقة أن ماء جوز الهند كان يحظى بتقدير كبير منذ زمن طويل في الدول الاستوائية التي تنتشر فيها أشجاره, فيقول ساتين (ثمة تراث قديم في تلك الدول يرتبط بعشرات الفوائد الصحية الناجمة عن شرب ماء جوز الهند. بل إن البعض يعتبره مشروبا معجزة .. إذ يستخدمه سكان المناطق الاستوائية في كل شيء تقريبا: كشراب مرطب, وفي علاج حالات الإسهال بين الأطفال, بل وأحيانا في مقاومة مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز). باختصار يرى الناس في ماء جوز الهند مشروبا صحيا جدا). وبالرغم من أن ماء جوز الهند يظل معقما ما دام داخل قشرة الثمرة, فإنه سريع التخمر فور تعرضه للهواء .. ومن ثم ظلت عملية تخزين هذا السائل مشكلة مستعصية. وحتى يومنا هذا, فإن الطريقة الوحيدة لمعالجة عصير جوز الهند هي بتسخينه إلى درجة مرتفعة جدا (تكنيك يشبه ذلك المستخدم في بسترة الحليب المعلب). لكن طريقة الحفظ هذه ــ التي تطبق في إندونيسيا والفلبين وتايلاند ــ تنزع المذاق الطازج الخاص بماء جوز الهند, وتفقده بعضا من عناصره الغذائية. بينما تعتمد الطريقة البديلة ــ الأقل شيوعا ــ على تجميد ماء جوز الهند, الأمر الذي يحمل خطر انتقال بعض الأمراض البكتيرية مثل الكوليرا. وعن قناعة بإمكانية تطوير حل بديل لإطالة عمر هذا المشروب الصحي, أجرى خبير منظمة الفاو مورتون ساتين العديد من التجارب مستعينا بخبرته السابقة في الصناعات الدوائية والغذائية التي تعتمد في جوهرها على عملية تعرف باسم الترشيح الجرثومي Microfiltration. وبرغم أن هذا التكنيك لم يستخدم من قبل في معالجة ماء جوز الهند الطازج, فقد حاول ساتين تطبيقه, وأدخل عليه بعض التعديلات. وكانت المفاجأة أن نجحت الطريقة المستحدثة بصورة لم يتوقعها هو نفسه. وعن ذلك يقول ساتين (رأينا أن مستقبل تصنيع ماء جوز الهند مرهون بابتكار عملية تعقيم بارد جديدة تحفظ له مذاقه الطيب, وتحافظ على خصائصه الغذائية. وبدا أن الإجابة المثلى تكمن في تقنية الترشيح الجرثومي, التي تعتمد على تنقية المياه عبر وسيط -مثل البورسيلين أو الجيلاتين ــ مما يحفظ جميع العناصر الحيوية في السائل المرشح). ثم يضيف بتواضع جم (وبالفعل , نجحت التجربة نجاحا مذهلا, ولم يستغرق الأمر مني أكثر من خمس دقائق). والنتيجة ــ على حد وصف ساتين شخصيا ــ مشروب طبيعي حلو المذاق ونقي, يحتوي على جميع الأملاح والمعادن والسكريات والفيتامينات التي يحتاجها العداءون والرياضيون لمزيد من الطاقة. بل إن ماء جوز الهند يتميز على الكثير من المشروبات الرياضية الأخرى, من حيث أنه خال تماما من الكحول. وقد وجد ساتين وفريقه من الباحثين أن من المفيد في تطوير المشروب الجديد إضافة نسبة ضئيلة من فيتامين سي للمنتج النهائي (قبل طرحه في الأسواق), بهدف ضمان استقرار اللون الطبيعي. فحين لاحظ عالم التغذية شيئا من تغير اللون في ماء أحد أنواع جوز الهند التي تذوقها (برغم أن اللون الجديد كان (ورديا جذابا) على حد تعبيره), بادر بإضافة عصير الليمون إليه لاستعادة لونه الشفاف الطبيعي. وتؤكد الاختبارات المعملية أن مشروب جوز الهند في عبواته الجديدة يمكن أن يخزن لنحو ثمانية أشهر, دون حاجة إلى حفظه في ثلاجة أو ما شابه. وبعرض المشروب الجديد على هيئة من الذواقة المستقلين, أكد الأعضاء أن له مذاقا معتدلا لذيذاً وطازجا, ولم يجد أي منهم أي فرق بين الماء المستقى فورا من ثمرة جوز الهند وبين المشروب المعبأ في معمل منظمة الفاو. وفي هذا السياق, يقول ساتين موضحا (الجميل في المشروب الجديد أن مذاقه ليس بقوة جوز الهند المعتاد, أي لا تشم فيه رائحة زيت جوز الهند النفاذة. وكلما كان باردا, كلما طاب مذاقه. والحقيقة أن خصائصه تجعل منه سلعة تجارية لديها كل إمكانيات النجاح في سوق ضخمة, خاصة وأنه لن يحتاج إلى تبريد أو إلى حفظ في ظروف خاصة ). وإذا كان سكان المناطق الاستوائية مستهلكين محتملين لزجاجات ماء جوز الهند (على الأقل بسبب ألفتهم لمذاقه), فإن المستهدفين الأساسيين هم الرياضيون وكل من يعمل بيديه ويحتاج إلى طاقة إضافية. والمعروف أن الحرفيين والعمال هم من بين أكثر الفئات استهلاكا للمشروبات الرياضة المقوية التي تعوضهم كميات الأملاح والسكر المفقود نتيجة العرق. وقد تم اختبار المنتج الجديد في مصنع تجريبي بالدومينيكان, إحدى الدول الاستوائية التي عانت من التدهور الأخير في تجارة جوز الهند. ومؤخرا, حصلت الفاو على تصريح بتعبئة ماء جوز الهند في زجاجات من بريطانيا, في انتظار الحصول على تصاريح مماثلة من كندا والولايات المتحدة واليابان. ووراء إصرار منظمة الفاو على الحصول على براءة تعبئة ماء جوز الهند, الحرص على جعل المنتج الجديد في تناول الجميع. فيقول ساتين (التقنية الجديدة بسيطة إلى درجة أننا أردنا ضمان ألا تستأثر أي شركة دون أخرى بملكيتها (أي حرصا على عدم احتكار المشروب الجديد من قبل أي من الشركات الكبرى). ويؤكد مسئولو الفاو أنهم سيوفرون تفاصيل عملية تعبئة وحفظ ماء جوز الهند لأي جهة تطلب تسويق المشروب الرياضي الجديد, بغض النظر عن حجم هذه الشركة أو نطاق عملها. ولن يفرض على هذه الجهات أي رسوم باستثناء رسم الترخيص الرمزي. (الفاو لن تربح درهما من وراء هذا المنتج .. فالربح التجاري ليس هدفنا. إنما نعمل على تشجيع نمو هذه التكنولوجيا وعدم إجهاضها, ومن ثم فسوف نوفرها لأي طالب.. شركة ضئيلة في مينداناو كانت, أم شركة كوكا كولا) يقول صاحب الفكرة. لكن المؤكد أن من يقرر تصنيع وتسويق مشروب ساتين الجديد, سيحتاج إلى رأسمال يقدر بحوالي 5و2 مليون دولار لبداية المشروع. ولأن المشروب منتج معقم, فسيشترط دائما تعبئته في ظروف خاصة تتطلب أجهزة ليست رخيصة. (وإن كانت عملية التعبئة المعقمة منتشرة حاليا في دول العالم الثالث, وهو ما سيتيح لأي من منتجي المشروبات المعقمة في هذه الدول فرصة إنتاج المشروب الجديد وطرحه في الأسواق), حسبما يؤكد ساتين. ويوضح خبير التغذية في الفاو أن الاستفسارات انهالت على مكتبه خلال الأسابيع القليلة الماضية, من جهات تباينت بين مؤسسات عملاقة وأصحاب مشروعات صغيرة, تجمعها الرغبة في الحصول على تصريح بإنتاج عبوات ماء جوز الهند. وهو وضع (لم يستعد له ساتين, أو على الأقل لم يتوقعه). ويرى عالم التغذية ساتين أنه إذا حقق المشروب الجديد نجاحا تجاريا كبيرا كما يأمل, فسوف يتبع ذلك انتعاش غير مسبوق في سوق جوز الهند برمته, وسترتفع أسعاره بما سيعود بالنفع على المنتجين. فيقول (إن التقنية الجديدة تحمل آفاقا غير محدودة للدول الاستوائية. والمؤكد أن الدول التي تنتج جوز الهند وتصدره, علاوة على الفلاحين الذين يزرعون أشجاره, ستكون المستفيد الأول من هذا النجاح ). أما الفائدة التي ستعود على بقية دول العالم من طرح مشروب جوز الهند الجديد, فتتمثل في تقديم بديل طبيعي صحي عن بعض المشروبات الرياضية (الملونة) التي تغرق الأسواق حاليا. يتساءل صاحب فكرة المشروب الجديد بنبرة تفاؤل واضحة (ماذا يمكن أن يكون افضل من مشروب طبيعي له مذاق جميل, وقيمة غذائية عالية, فضلا عن جميع السمات الحيوية التي يتطلبها أي منتج غذائي للرياضيين؟).