بيان (2): كوسوفو ـ كويستينا كابريجاس: في الساعة السابعة من صباح كل يوم من الاثنين الى الجمعة تذهب سيلدا بريشا الى العمل في مقر المنظمة الايطالية (انتر سوس) ومقرها في مدينة بيك في كوسوفو. وتعمل معها اختها برانفيرا وعشر نساء اخريات, ولسن وحدهن اللواتي يعملن لمنظمة دولية في الاقليم حيث توفر المؤسسات والمنظمات الاجنبية ثلث العمالة في اقليم كوسوفو. الا أن وظيفة سيلدا وأخريات غيرها تختلف عن الوظائف الاخرى فهن يمارسن عملا من نوع آخر ويطلق عليهن اسم (ملائكة نزع الالغام) اللواتي يجازفن بحياتهن لانقاذ الآخرين. ويقول فيتو فونتانا المسئول عن تدريب فريق نزع الالغام, (لتنظيف حقل الغام يجب أن تتحلى بأعصاب قوية وهدوء كبير وشجاعة اسد. وباختصار يجب ان تكون امرأة ). وفي غضون اسابيع قليلة انشأ فونتانا فريقين لازالة الالغام يعملان في منطقة بيك تحت امرة قيادة ايطالية اسبانية. وتعمل تلك النسوة في منطقة تشيروفيتش الزراعية وهي قرية تبعد 50 كيلومترا شرق مدينة بيك. وأوضح فونتانا (الصرب زرعوا الغاما ارضية في جميع هذه الاراضي قبل انسحابهم منها. الحرب انتهت قبل اكثر من عام ولكن تنظيف كوسوفو من الالغام سوف يستغرق اكثر من خمسة اعوام للتخلص كليا من 40 الف لغم زرعه الجيش اليوغسلافي والميليشيات الصربية بوحشية). وحتى الآن تم تحديد حوالي 15 الف لغم وابطال مفعولها في جميع انحاء المنطقة. واضاف فونتانا (لم يكن لدى الصرب هنا الوقت الكافي لزرع ما يسمى (الغام لقيطة). وهي الغام مدفونة تحت الغام ظاهرية, ولكن بالرغم من ذلك فان هذه الالغام اودت بحياة 104 اشخاص وسببت في جرح 400 آخرين). الرجال هم الذين زرعوا هذه الالغام القاتلة ولكن نساء كوسوفو هن اللاتي اتخذن القرار الجريء بنزعها وتنظيف قراهن وصورة بلادهن من الارث القاتل الذي خلفته الحرب. ومن بين تلك النساء سيلدا بيريشا البالغة من العمر 27 عاما والمسئولة عن احد فرق ازالة الالغام وكانت قبل النزاع الكوسوفي طالبة تدرس القانون وتقول (آمل فعلا في العودة الى دراستي وانهاء آخر امتحانين لي وذلك حالما تعود بلادنا الى حالتها الطبيعية وعندما لا توجد حاجة لاناس للقيام بهذا العمل غير العادي الذي نقوم به). والمنطقة التي تعمل فيها سيلدا وزميلاتها محاطة بشريط أحمر ومثلث أحمر للدلالة على وجود حقل الغام في المنطقة, والمذهل بالنسبة الى حقل الالغام هو انه يغطي مساحة شاسعة من الاراضي ولم يسلم من الالغام سوى بضع اشجار وشجيرات في ارجاء الحقول. النساء يسرن على محاذاة ممر قمن بتنظيفه من الألغام قبل ايام والى اليسار واليمين تقبع مئات الالغام ولذلك فان أي زلة في الخطى قد تعني وفاتهن. وتقول سيلدا (اننا نعمل في الحقل من الالغام منذ ثمانية اسابيع. ونبدأ العمل في الساعة السابعة وننتهي في الساعة الثالثة بعد الظهر من الاثنين الى الجمعة). وتنقسم النساء الى فرق من اثنين ولا تعملن جميعا في نفس الوقت, وبينما الفريق المكون من اثنتين يقوم بتنظيف الاراضي من الالغام تأخذ الأخريات قسطا من الراحة. واضافت سيلدا (نركز في جزء كبير من عملنا على الاستكشاف وفحص المنطقة وقبل ان نبدأ في عملية ازالة الالغام علينا دراسة الخرائط والتعرف على انواع الألغام والمسافة بينها. وأي غلطة في تقييم العملية قد تكلفنا حياتنا. عملية ازالة الالغام تعتمد على التحلي بالصبر والكثير من الصبر). ولكن مع تزايد برودة الطقس في فصل الشتاء فان على سيلدا وفريقها تعليق عملهن مؤقتا وأوضحت سيلدا (لن نكون قادرين على العمل من جديد الا عندما ينتهي فصل الشتاء وذلك في بداية مارس المقبل). وتتقاضى سيلدا 600 دولار شهريا بصفتها رئيسا للفريق لقاء هذا العمل الخطر, بينما يقدر راتب زميلاتها بحوالي 500 دولار شهريا. ويعتبر هذا الراتب زهيدا وفقا للمقاييس الغربية وبالقياس الى خطورة المهمة ولكنه راتب ممتاز في هذا الجزء من العالم. وتقول سيلدا (قبلت بهذه الوظيفة لعدة اسباب وليس لأنني واختي نحصل على مثل هذا الراتب المرتفع لدعم اسرتنا وتوفير بعض المال لمتابعة دراستنا الجامعية, بل لاننا نؤمن بانه عمل مفيد لنا ولبلادنا وشعبنا). وأضافت أختها برانفيرا البالغة من العمر 23 عاما التي كانت تدرس التاريخ قبل أزمة كوسوفو (المشكلة الوحيدة كانت اقناع ابوينا اللذين كانا يفضلان بان نعمل مترجمتين بدلا من ازالة الالغام). وقالت برانفيرا (خلال الحرب شعرنا بالارتياح في العمل من اجل الناس الآخرين والعمل الذي نقوم به حاليا يساعد في انقاذ حياة الناس ويسمح لهم بالعودة الى الحياة الطبيعية بأمان وسلام. والمشكلة الأخرى هي ان خطيبينا تخليا عنا لأن العمل الذي نقوم به خطر وليس مناسبا للنساء. وعلى ما يبدو يرفض الرجال تقبل فكرة ان النساء يتحلين بالشجاعة والتصميم وتحدي الموت بابطال مفعول لغم). ونسأل: هل الالغام الارضية محرمة دوليا فيأتينا الجواب؟ دخلت معاهدة اوتاوا لتحريم الالغام الارضية حيز التنفيذ في مارس 1999 بعد التصديق عليها في كندا في ديسمبر عام ,1997 وتنص المعاهدة على الزام الدول التي وقعت عليها بان تتوقف عن استخدام الالغام ضد الافراد وكذلك انتاجها والاتجار بها. الا ان النتائج حتى الآن ليست مشجعة على الاطلاق, فحسب تقرير مراقبة الالغام التابع للامم المتحدة للعام 2000 الذي صدر في اكتوبر الماضي فان الالغام ضد الافراد لاتزال تحصد الضحايا في جميع انحاء العالم رغم ان 139 دولة وقعت على المعاهدة الجديدة وصدقت عليها برلمانات 107 دول. وقد انخفض عدد الدول التي تنتج هذه الالغام من 45 دولة في العام 1997 الى 16 دولة في العام 2000 ولكن 88 دولة لاتزال تعاني من مشكلة الالغام في اراضيها. ويقول الخبراء ان مشكلة الالغام ضد الافراد ستظل دون حل حتى تقرر دول منتجة للالغام امثال الولايات المتحدة وروسيا والصين ويوغسلافيا وباكستان والهند احترام المعاهدة التي رفضت التوقيع عليها في العام 1997.