بيان (2): كتب الحسن المختار: ترتبط قلعة آرغين على الساحل الأطلسي الموريتاني بمأساتين تاريخيتين ظلت تتدثر بهما طيلة تاريخها الطويل, الى ان طواها النسيان واندثرت نهائيا, والآن تحولت الجزيرة التي كانت تجثم على صدرها بقوة الى منطقة محمية من طرف الأمم المتحدة والحكومة الموريتانية وذلك لما تزخر به منطقة حوض آرغين بصفة عامة, من تنوع شديد, لكل أنواع الحياة كالطيور والكائنات البحرية المهددة بالانقراض مثل عجول البحر الرهبان والدلافين الحائشة والشفنين والمرجان الرمادي والسمك الشاخر والقاروس المُبَقّع والقرش المطرقة وثعلب البحر, وملايين الطيور المستوطنة, والمهاجرة والموسمية, وفي الطرف المقابل للجزيرة زوارق الصيادين العرب التقليديين المعروفين باسم (إيمراجن) وجماعاتهم التي عقدت اتفاقاً ضمنياً منذ عشرات القرون مع الدلافين وسمك القرش ما زالت معظم بنوده غير واضحة تمام الوضوح لدى الباحثين في علم الأحياء والأنثروبولوجيا أيضاً. وفيما يلي استدعاء لبعض ما عرفته قلعة آرغين من أحداث جسام, في القرون الستة الماضية, مع محاولة استجلاء لمضمون اتفاق صيادي إيمراجن مع سمك القرش والدلفين, يدعونا الى ذلك كون هذه المنطقة من الوطن العربي غير معروفة تماماً بالنسبة للقارىء العربي وإن كانت شغلت مساحة تاريخية ومجازية أيضاً في المحيط الغربي. تقع جزيرة آرغين في حوض آرغين جنوب منطقة الرأس الأبيض بأقصى شمال الساحل الأطلسي الموريتاني قرب الحدود المغربية, وقد عاشت بهذه الجزيرة الصغيرة, وعشرات الجزر التي توشح هذا الجزء من المحيط الأطلسي بنمنمة رائعة, منذ عهود سحيقة, شعوب غامضة تركت وراءها أكواماً من الأصداف, والمشغولات الحجرية, أثبت التحليل الكربوني أنها تعود للعصر الحجري الجديد, ولا يعرف شيء عن هذه الشعوب, وإن كان بعض الباحثين يربطها بشعب بافور القديم الذي لا يستبعد أن يكون ذا صلة بسكان جزر الكناريا (الجزر الخالدات) التي تبعد أكثر من مئة كيلومتر في عمق المحيط الأطلسي, وتتبع الآن اسبانيا, وإن كان سكانها الأصليون هؤلاء لا تزال بقاياهم موجودة, وقد تمت أسبنة معظمهم. وحين استضاءت المنطقة بنور الإسلام ووصل العرب استوطنوا بدواً ورحلاً قرب منطقة آرغين, ومع مرور الوقت استقر صيادون عرب في الجزيرة وعلى الشط المقابل لها, دفعتهم الى ذلك غزارة الثروة السمكية في المنطقة, لحد يفوق كل وصف, فهي تعتبر أغنى مكان في العالم بالأسماك, وذلك لأنها نقطة التقاء تيارات الكناريا الباردة القادمة من الشمال, والتيارات الدافئة القادمة من خليج غينيا بأفريقيا الغربية, ثم أخرى قادمة من جزيرة القديسة هيلينا بعرض المحيط, وبفعل التقاء هذه التيارات تصبح المياه دافئة وموطناً مفضلاً لملايين الأسماك التي تهاجر إليه من جميع أنحاء العالم, وتتخذه موطناً للتكاثر, كما تجتذب إليها ملايين الطيور التي تخف الى ما يزخر به المكان من مواحل وأرصفة رملية وقعور وآبار فيضية صاعدة في المحيط ومعاشب مائية وغير ذلك مما يجعل منطقة الجزيرة جنة حقيقية لمختلف صنوف الحياة البحرية الإنسانية والحيوانية على حد سواء. وقد ظل هؤلاء الصيادون العرب المعروفون محلياً باسم (إيمراجن) في حالة مصالحة تامة مع هذه البيئة الهادئة الغنية بالموارد, وقد لفتت عملية التعاون بينهم وبين الدلفين الحائش والقرش انتباه بعض الباحثين, فوصفها جان كلود كلوتشوف بقوله (يضرب الصيادون رؤوس الأمواج بقضبان خشبية أو بالأغصان, فيثيرون بذلك انتباه الدلافين السابحة في عرض البحر. وبعودتهم نحو الشاطىء, تخيف الدلافين أسماك البوري, فتلعب بذلك دور الدلافين الحائشة المطاردة تسهيلاً لعملية الصيد... وإذا بالشبكة الكبيرة المنصوبة في البحر عند الشاطىء, تنغلق على الأسماك التي تهتز وتقفز في كل الاتجاهات, ويكون قد تحقق صيد عجائبي). وقد سميت هذه الدلافين حائشة تشبيهاً بالكلاب الحائشة التي تستدرج الطرائد الى الصياد, وهي تستفيد بدورها من عملية التعاون هذه, حيث يوفر لها مصادر غذائية كثيرة, فالمنطقة قائمة على سلسلة غذائية متكاملة تتدرج وفق تسلسل هرمي بالغ التعقيد والحساسية. غير أن جزيرة آرغين عرفت أولى المأساتين اللتين اشتهرت بهما سنة 1443 حين رست عليها سفن القبطان البرتغالي نينو تريستاو فشيّد عليها قلعة عرفت في الخرائط البحرية باسم (كاستيلود آرغين) أي (قلعة آرغين) بالبرتغالية, واتخذها الأوروبيون منذ ذلك الوقت محطة مهمة لتجارة الرقيق القادم من غرب أفريقيا, خاصة ان الملك البرتغالي هنريكس كان قد أطلق حملة استكشاف بحثاً عن طريق الى الهند, وهي الحملة التي قادت سنة 1498 فاسكو دي جاما الى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. ومنذ بناء قلعة آرغين البرتغالية سنة ,1445 ظلت على الدوام نذير شؤم للمنطقة ولساكنيها المتعاقبين, فرغم الأرباح التي جناها البرتغاليون من تجارة الرقيق والصمغ العربي وصيد الأسماك, فقد شن عليهم البروتستانت الفرنسيون القادمون من مدينة (لاروشيل) حرباً شرسة بلغت ذروتها سنة ,1595 وانتهت بنهب القلعة, ودمروا التماثيل التي شيدها الغزاة قبلهم, ومع ذلك استمر الحكم البرتغالي وإن تميز بالعربدة والفجور حيث وصلت شكاوى من الرهبان المقيمين بالقلعة الى محاكم التفتيش بلشبونة ,1568 وأيضاً ,1624 وأخيراً انتهى الوجود البرتغالي بالجزيرة حين احتلها البحارة الهولنديون ,1663 واستمروا بها حتى 1678 وهي السنة نفسها التي دخلها فيها المغامر الفرنسي البحار دوكاس, فهدم القلعة وطرد الهولنديين وجمع مئتين من الصيادين المحليين وباعهم لتجار الرقيق, لكنهم ماتوا جميعاً بعدما ثاروا على ظهر السفينة التي كانت تقلهم الى منفى جزر الأنتيل بعرض المحيط الأطلسي قرب القارة الأمريكية. غير ان الهولنديين أعادوا الكرة واحتلوا القلعة مرة اخرى ,1685 وعملوا هذه المرة لحساب حاكم براندنبورج وفيما بعد لحساب ملك بروسية, وقد أهملهم الجميع فبقيت الجاليات الأوروبية منذ مطلع القرن الثامن عشر, مجرد جموع ضائعة من المرتزقة وجوابي الآفاق المغامرين, وقد أدى كل ذلك الى صراعات داخلية كان أبرزها التمرد سنة 1713 على حاكم الجزيرة بوث, (وكان بوث هذا شخصاً كريهاً يستبد بمأموريه ويخون أسياده مع الفرنسيين الذين قاموا في 1720 ــ 1721 بهجمات على آرغين أدت الى مجاز وقع ضحيتها عدد كبير من السكان المحليين). ولم يستمتع الغزاة الفرنسيون بقلعة آرغين طويلا اذ عاود الهولنديون احتلالها, واستمروا فيها حتى طردتهم حملتان فرنسيتان متتاليتان سنتي 1723 و,1724 ولما لم يجنوا من تجارة الصمغ مع العرب فوائد تجارية كبيرة أقدموا على احراق القلعة وتهديم حصنها نهائياً سنة 1728 وحملوا عصيهم ورحلوا نهائيا ليطوي النسيان القلعة التي طالما ألهمت خيالات وأطماع البحارة الغربيين والقراصنة والمرتزقة وجوابي الآفاق. وفي سنة 1816 استعاد الغرب جميع ذكرياته عن مآسي قلعة آرغين حين حصول ثاني مأساة اشتهرت بها وهي غرق سفينة الميدوز الشهيرة قربها, وحين تجمع على أحد قوارب الانقاذ عدد كبير من الناجين قارب الـ 146 شخصاً, بدأت مأساة اخرى, وامتدت محنتهم 12 يوماً, ولم يبق منهم على قيد الحياة سوى 15 فرداً, أما البقية فقد أكل بعضهم البعض الآخر, ومن أجل البقاء رمى بعضهم بعضاً في عرض البحر, في حالة أثارت هواجس وأصداء كبيرة في عموم القارة الأوروبية. كما أثارت مأساة قارب الميدوز خيالات الفنانين فاتخذها جيريكو (1791 ــ 1824) رمزاً للوجود الانساني عامة وما يكتنفه من قساوات وفظاعات, وما ينتابه من هواجس الدمار واللاعقل, وكان ذلك في أشهر لوحاته (طوف الميدوز) التي تخلّد هذه المأساة مع مسحة رومانسية جامحة تميز كل أعمال تيودور جريكو عامة, خاصة منها لوحاته (الفارس الجريح) و(رسوم المجانين) و(سباق دربي إبسوم) وغيرها. لقد لعبت جزيرة آرغين وقلعتها التي تحولت الآن الى أكوام متهدمة ومغطاة بالرمال, دوراً كبيراً في التاريخ البحري الأوروبي, كما شكلت نافذة أطلت منها على الساحل الموريتاني أثقل الضيوف وأكثرهم قسوة, وقد ظلت قابعة في ذاكرة الخرائط البحرية ويوميات البحارة حتى خصها البروفيسور الفرنسي تيودور مونو بدراسات معمقة نشرها في كتاب مركز دراسات علم الخرائط القديمة بلشبونة. والجزيرة الآن تعتبر محمية طبيعية بالغة الجمال تستوطنها أكثر المخلوقات البحرية ندرة وغزارة, مسالمة وشراسة, وأسراب الطيور المهاجرة والمستوطنة, وهي مع كل هذه التناقضات أغنى موقع في العالم بالأسماك. ولذا ما زال صيادو الإيمراجن يطوفون وسط هدئة المكان ومياه المحيط الأطلسي اللازوردية وروعتها الممتدة حتى نهاية الأفق وبعد الأفق أيضاً.