تزخر الهند بأماكنها السياحية التي تستقطب اعدادا كبيرة من السياح الاجانب كل عام, ويجد الزائر لتلك البلاد نفسه منهمكا في بحث مضني عن الهند (الحقيقية). وليس من الانصاف الاكتفاء بزيارة المواقع السياحية المعروفة, كراجستان وتاج محل ومهاباليبورام, فعلى المرء ان يذهب الى مكان اكثر غموضا يتعرف فيه على الهند الحقيقية. كان غاندي يؤمن بأن الهند (الحقيقية) يمكن ان تعثر عليها في القرى, في الغبار, والابقار التي تمشي متثاقلة, والدراجات التي تصدر صريرا, وفي الضجيج وازدحام الناس. وفي الواقع انه ليس هناك على الارض شيء يشبه قرية هندية بكل مفاتنها التي يصعب وصفها. وقد يكون اصدق مثال على تلك الروعة هو ولاية كيرالا في الهند. ففي هذه الولاية الزاخرة باشجار جوز الهند, تجد هندا مغايرة تماما للصورة المنطبعة في الذهن عن ذلك البلد الكبير. تقع كيرالا, وهي ولاية مليئة بالخضرة والمياه, على الساحل الجنوبي الغربي للهند, حيث يذهب السياح بعد زيارتهم لراجستان لكي يروا الهند بصورة اخرى. وهي تروق لمن يبحثون عن اماكن لم تصلها بعد المحال المترفة والفنادق من فئة الخمسة نجوم, ولكنها مع ذلك لديها الكثير مما يجتذب السائح ويغريه بزيارتها. والشيء المميز في كيرالا هو انها لاتزال تحتفظ بأصالتها وبساطتها, بعيدا عن اشكال الترف المعاصر والوانه. وهي مكان مثالي للاستمتاع بجمال الطبيعة ومشاهدة غروب الشمس فوق بعض من اجمل القنوات المائية في العالم. ويمكن القول انها نسخة خضراء. من مدينة البندقية الايطالية, لكنها بخلاف هذه الاخيرة, التي صنع الانسان معظم مجدها, تعتبر مثالا على ابداع الطبيعة, انها المكان الذي تشعر فيه بأنه لم يتغير كثيراً منذ حكم امراء الهند, حيث لاتزال الاشباح يتردد صداها حول المعابد والمقابر القديمة. وباستثناء الموانئ النشطة يبدو انه لا يوجد في كيرالا الا صناعات قليلة وبعض المؤسسات التجارية, ولكنها زاخرة بالبحيرات الساحرة والقنوات المائية والحقول الخضراء والجمال البشري المميز.. وهناك اختلاف في المناخ بين راجستان وكيرالا, ففي حين يعتبر الجو جافا وحارا في راجستان, فإن الجو يعد رطبا وحارا في كيرالا. وتعتبر كيرالا نقطة انطلاق للامطار الموسمية التي تجتاح الولاية, قبل ان تتجه شرقا الى الولايات الهندية الاخرى. وفوق كل شيء, تعتبر كيرالا الموطن الرئيسي للتوابل, التي اكتسبها ازدهارها الراهن, وجعلتها مركزا على الطرق التجارية لعدد كبير من الامم في الماضي. ويجد الزائر لكيرالا اليوم نفسه محاطا بروائح البهارات من كل جانب, مما يضفي على المكان لمسة شرقية خاصة. وعلى الرغم من ان كيرالا تفتقر للبنية التحتية المتطورة للسياح, الا انها تقدّم للسائح ما لا يتوفر في اماكن اخرى من حيث امكانية التمتع بالنظر الى المناظر الطبيعية التي لايزال يسكنها الشعب الذي استقر هناك منذ قرون. وفي موانئ كوتشين, حيث كانت تبدأ معظم استكشافات كيرالا, تشهد شباك الصيد الصينية التي جلبها التجار من بلاط كوبلاي خان والمستخدمة منذ اكثر من 2000 عام, والخليط الغني من المعابد والكنائس والمساجد, على ان التجار الافارقة والعرب والفينيقيين والصينيين والاوروبيين قد عبروا هذه المدينة, على امتداد القرون السالفة. وهنا تندمج الثقافات الآسيوية والعربية والهولندية والبرتغالية والبريطانية وتنصهر في بوتقة واحدة جميلة. واذا اردت ان تتعرف على المناطق الريفية في الولاية, فلا مفر من زيارة تيكاري الواقعة وسط الاشجار والضباب وبساتين الهال والقرفة, حيث تشعر بأنك في عالم اخر. وفي هذه المنطقة, ستتعرف على نمط حياة الشعب الهندي في الريف, ويمكنك ان تستكشف الحياة البرية في حديقة بيريار الوطنية التي تمتع بجمال اخاذ رغم مسحة الحزن التي تنتابك عند مشاهدة الاشجار الميتة على ضفاف البحيرة الصناعية التي تبلغ مساحتها 26 كيلومتراً مربعاً. وهذا ليس سوى القليل جدا مما يمكن لهذه الولاية ان تقدمه للسياح الذين يقصدونها بهدف التعرف على الهند (الحقيقية) والاستمتاع بمناظرها الخلابة وعبق التاريخ الذي يفوح منها. ضرار عمير