بيان (2): كدت أشتري حمارا, وأستأجر طبالا, وأدور في الشوارع أنادي على من يدلني على هذا لكتاب الذي لا أعرف عنوانه, ولا ناشره, ولا متى صدر, وبالطبع ولا مؤلفه. وكلما سألت عنه أحد الأصدقاء وجلهم من الكتاب والروائيين والنساخ هز رأسه بدهشة وقال انه لم يسمع عن كتاب بهذا الشأن. حتى لقد دخل في روعي في بعض الأحيان أنه لم يوجد كتاب بهذا الشكل, وأنه من الأوهام التي يصنعها العقل أحيانا, ونصدقها وأعجبني هذا التفسير, فهو يعني أنني مؤلف هذه القصة, وبالتالي أستطيع كتابتها. ولكن لسوء حظي أو حسنه أملك ضميرا فنيا صعب خداعه. ولذلك مازلت أبحث عن هذا الكتاب الذي توهمت أني قرأته, أو قرأته وتوهمت أنني لم أقرأه, ولا أقصد هنا أن أقلد أسلوب طه حسين, فهذا هو الواقع. ولأنني قرأت هذا الكتاب ـ اذا كنت قرأته ـ منذ عشرات السنين , فلا أذكره بالضبط. بل لقد اكتشفت شيئا طريفا وأنا أهم بأن أحكي لك حكايته. وهو أن كل منا يروي ما قرأ بطريقة تختلف عن الآخرين. وأقول لك مثالا آخر قد يكون أكثر وضوحا: لو أننا شاهدنا فيلما سينمائيا جميلا, وخرجنا ولدينا الرغبة في أن نحكيه لأحد. ستجد أن كلا منا يرويه بطريقة مختلفة. سيقول أحدهم: هذا فيلم يدخل الى أعماق الانسان ويعبر عما في عقله.. ويبدأ آخر: هو شاب في أزمة نفسية نتيجة قصة حب فاشلة.. ويقول ثالث: هو شخص لا يمتلك الصبر, فعندما اعترض صاحبه ضربه, وذلك لأنه وهكذا.. وستجد ولابد أن تجد من يؤلف قصة على القصة حتى لو عدت بها الى مؤلفها لوجدته في دهشة مما يسمع. لذلك ظننت في البداية أنني لن أكون أمينا لو أنني حكيت القصة فلقد أضاف خيالي لها الكثير دون قصد. وترددت في الكتابة. ثم ضحكت ساخرا من أوهامي, فاذا كنت قد بحثت عن القصة ربع قرن دون أن أجد شخصا واحدا قرأها, هل أجد فجأة من يقول لي: قف. أنت تقول أن القصة بدأت في القاهرة, وكاتبها يقول أنها بدأت في باريس.. ليت هذا القارئ الحصيف يفعل هذا ينقذني من اختلاط الوهم بالواقع في رأسي. وبعد هذه المقدمة الطويلة والتي كان من الممكن أن تطول عن هذا, أحاول الدخول الى عالم القصة الغريبة, ولكن بطريقتي والأمر لله. فلان كان موظفا مرموقا في مكان مرموق. لكنه أصيب في الشهور الأخيرة بحالة اكتئاب, فاستقال من عمله, وفسخ خطبته, وطرد خادمته, وقاطع أهله, ويقول عنه الجيران أنه لم يعد يخرج من البيت. ويأتي بحاجاته الأساسية عن طريق البواب. ولا يسمح له بالدخول ولا بالحديث. وكان البواب يدفع له الكهرباء وفاتورة التليفون وما شابه. لكنه طلب منه ما هو أغرب, وهو أن يشتري له بطاقة سفر الى باريس, وأن يحمل جواز سفره الى قريب له ليأتي بالتأشيرة. وكان هذا خبرا مدويا حتى أن الأسرة بكاملها أتت لتزوره مهنئة بخروجه من محنة الاكتئاب, لكنه سرد عليهم في ضيق أنه مسافر للعلاج. ويذهب فلان الى باريس. ويسأل عن أكبر طبيب. يقول له الآخر على التليفون: أكبر طبيب في ماذا؟ هناك القلب والصدر والعظام والأورام والنفسي والجهاز الهضمي و.. فيعود صاحبنا ملحا: أكبرهم جميعا! وبالحاح يصل الى أحدهم. ويحاول أن يحجز عنده, لكنه يجد أن موعده بعد شهور. والحمد لله أنه لم يكن في بريطانيا فأحدهم حسب ما ترويه الصحف حجز عند طبيب أورام بعد أربعة أعوام! ولما كان صاحبنا في حالة صعبة, وإن كنا كما ترى لا نفسح عنها حتى الآن, فلقد اتصل بقريب له يعمل سفيرا في بلد آسيوي ليتصل بزميله في باريس, ويتدخل. وفي أوروبا لا تنفع (الوسايط) لكن في السياسة تنفع دائما! وذهب صاحبنا الى الطبيب الكبير. ودهش الطبيب وهو يراه يتأكد من اغلاق الباب. ويطلب منه عدم السماح بدخول الممرضة أثناء الكشف. وأغرورقت عيناه بالدموع وهو يقول: بدأ الأمر منذ عام بالضبط.. أثناء الاستحمام لاحظت تغييرا في جسمي. تغيّر كيف؟ نعم. أحسست أن شيئا ينمو أسفل ظهري. تجاهلت الظاهرة. لكنها زادت. واكتشفت ذات يوم أن ما ينمو في جسدي هو ذيل. نعم يا سيدي الطبيب ذيل مثل ذيل الحمار أو الحصان, وفيه شعر. أصبحت أشتري ملابس أوسع. ولكن السر كان يهددني طول الوقت. فاستقلت ولزمت البيت, حتى جاءت فكرة أن آتي للعلاج. كانت أول مرة يبوح فيها بالسر. وكان يتخيل أنه عندما يحكيه سيقع نيزك من السماء, أو يحدث زلزال 8 درجات بمقياس ريختر. لكنه لاحظ أن الطبيب يسمع له بصبر شديد. وأدرك سبب هدوء الطبيب فانفجر غاضبا. أنت لا تصدقني.. أليس كذلك؟! وابتسم الطبيب: ولماذا لا أصدقك؟ أنت لديك ذيل. هل هو مثل هذا؟ وأزاح الطبيب ملابسه عن ذيل طويل أشقر الشعر.. أصيب فلان بالذهول.. وأحس أنه في كابوس لا ينتهي. اسمع يا فلان نما لك ذيل وهذا بدا لك غريبا , مع أن تشارلز داروين له رأي عن أن الانسان حلقة من تطور القردة. وأكد أن الانسان الأول كان له ذيل, رغم أن هذا لم يثبت حتى الآن, وإن كانت نهاية العمود الفقري توحي به. ويبدو لسبب ما أن الذيول بدأت تعود الى الانسان.. أنت آت من بلد شرقي مشغول بالعيب وما لا يصح, ولذلك حبست نفسك عاما حتى جئت الى الطبيب. أما أنا فلقد ذهبت في نهاية الشهر الأول, ووجدت أن الطبيب الذي قصدته كان يعرف عدة حالات. وجاءتني أنا نفسي حالات كثيرة. حقا إن الناس يخفون ذيولهم ولكن الاحساس بالعار لم يعد موجودا. سأله فلان: ألا يمكن اجراء عملية لازالة الذيل! قلّب الطبيب ذيل فلان وقال له: ولماذا تريد ازالته. إنه ذيل جميل! هذا هو مدخل الرواية التي لا أعرف لها مؤلفا ولا عنوانا ولا ناشرا.. والتي بحثت عنها ربع قرن فلم أجدها. وظننت في وقت أنها من خيالاتي. وأظن أن مؤلفها اذا كان لها مؤلف يقصد أن يقول أن كلا منا لديه ما يخفيه, وأننا قد نحس بالعار من أشياء طبيعية. وأنه من ظواهر النفاق أن يخفي كل منا عن الآخر ما به. ونعود الى القصة, فنرى أن فلانا هذا عاد الى بلده. وأخذ يراقب الناس: هل لهم ذيول أو ليس لهم؟ وفجأة وفي يوم واحد يتحدث العالم كله عن ظاهرة الذيول ومحاولة تفسيرها علميا. وبعد شهر أصبح الأمر طبيعيا. فالاعلانات تدعو لكراسي عليها أماكن للذيول. وشامبو لغسل الذيل. وامشاط لتسريحه. وصفحة الحوادث تنشر خبر الزوجة التي تشاجرت مع زوجها فعضت ذيله. وخبر الطلاق الذي تم لأن الزوجة عايرت زوجها بقبح ذيله. وصفحة الصحة تتحدث عن النسبة المثالية لطول الذيل الى الجسم. وبدأ فلان يخرج من بيته. وعاد الى عمله. وحاولت خطيبته أن تعود اليه, لكن جمال ذيله جمع حوله أجمل الفتيات. الشئ الوحيد الذي بقى من فترة الاكتئاب عودته الى البيت بسرعة ليرى في المحطات الفضائية معارض تسريحات الذيول! هل قرأ أحد هذه القصة من قبل؟ أرجوكم دلوني عليها.